استحكام النذالة بين المؤامرة والدراما الكونية المعاصرة

بقلم: فهد المصري
-1-
كان ينبغي أن نعرف أنكم قتلة !!
في رواية جون شتيانك ( فيفا زاباتا) يدخل عسكر الديكتاتور إلى قرية هادئة مسالمة،فتشت البيوت وسرقت المحاصيل والأرزاق، وأطلق الرصاص لإرهاب أهل القرية العزل ، وفجأة سقط طفل على الأرض، مضرجاً بدمائه، يفرفر جسده كدجاجة مذبوحة ، ثم ينقلب على ظهره متجمداً ،لكن الإبتسامة لم تفارق شفتيه.أهل القرية تجمعوا حول الطفل الشهيد، غاضبين فاغرين أفواهم من هول المفاجأة و الحدث ،لا يعرفوا ماهم فاعلين.
فجأة يبرز حكيم بين الناس ، ويرفع قبضة يده قائلاً ” كان ينبغي أن نعرف أنكم قتلة، كان ينبغي أن نعرف أننا مرشحون جميعاً لنكون من ضحاياكم، كان ينبغي أن نشهر السلاح ضدكم، وأن نقتلكم، لا أن نبقى متفرجين .
رصاصة تنطلق من مكان ما، ويسقط الحكيم غارقاً بدمائه، وتبدأ المجزرة تلو الأخرى ، بكل همجية من جناة أعماهم الحقد.
سكان القرية تجرؤوا على الكلام ، حطموا أسوار الرعب وجدران الخوف ، و تخطوا حواجز المحرمات .سكان القرية أصبحت لهم قضية كبرى صمتت عنها الشعوب والأمم ، وأطفال القرية مازالوا يذبحون !إنها ورب أهل القرية لمؤامرة كونية!.

ـ 2 ـ
من يجرؤ على الكلام؟

لقد فعلت الكائنات الفضائية مافعلت بالقرية وأهلها، وأغارت بصحونها الطائرة وصواريخها وبراميلها المتفجرة، وارتكبت المجزرة والمذبحة تلو الأخرى، ودكت الأرض دكاً.اختارت كائنات الفضاء تفريغ كل غضبها على أهل القرية ، فاقتلعت حناجر هتَاف “المؤامرة” و الشعارات “الإمبريالية” وأحكمت حصارهم قائلة “موتوا جائعين”.

في عالم تسوده النذالة تحول القرويون إلى جامعي نفايات، يخوضون معارك و حروباً مع القطط ، تقاسموا ماظفرت به الأخيرة مما جادت به القمامة .سريعاً ما تحولت القطط لوجبات “كنتاكي” في البطون والأمعاء الخاوية !لا تستغربوا إذن إن تحول بعضنا يوماً إلى المواء، إن استمرت النذالة!.

إن النزيف حوَل الإنسان الجائع كماهي الحال عند” بيكيت”إلى مخلوق غائص حتى أذنيه في أكوام القمامة بحثاً عن كسرة خبز بعدما مسخه “كافكا” إلى صرصور.


وجبات القطط المشوية نفذت، فهرع أهل القرية يقتاتون عشب الأرض، و أوراق الشجر، يقاومون به الجوع والحصار والموت معاً.لقد صرخ ” ألبير كامو” في ( الإنسان المتمرد) داعياً إلى الثورة، و التمرد على فظاعة العالم “نحن نرفض الجريمة، ولكننا نستمر في ارتكابها” ثم نسمع صراخه مجدداً في (الطاعون) ” نشاهد الجريمة، وهي ترتكب أمامنا، فنغفر للأنظمة الطاغية، حمامات الدم” و يتابع “….. نتألم ، نتوجع، ثم نطوي صفحة لنراقب فظاعات أخرى، قد تكون أكثر هولاً، ولكننا نتحصن دوماً بالجبن، وبالبلادة، ونكتفي بإشهار ما شاهدناه دون أن يرف لنا جفن!!”.مما لا شك فيه استحكام النذالة.
مابين الثابت والمتحول، يبرز مثقفون ومتثاقفون، ومعارضون وأنصاف معارضين، موسميين ومزمنين، تحولوا إلى منظرين ثوريين، بل ويحدثونك عن القداسة والطهارة الثورية ،و تشاء الضرورة الدرامية ، فينضموا إلى قافلة أمراء الحرب والانتهازيين والمرتزقة، بل وشكلوا منظومات” للنهب البربري”.من هؤلاء من امتلك رشاقة النحلة في القفز بين المؤتمرات والمحافل و الدول ،ومنهم ورغم صغر حجمه ، فقد جعل أفعى” البوا” مثله الأعلى، فهو قادر على ابتلاع كل شيء مهما كبر حجمه، وهناك من استحكمت فيه “المؤامرة الكونية” فآثر افتتاح مقاه وصالونات ومتاجر ووكالات ثورية، وعنوة جميعهم يتقاسم مع الماء العذب صفاته لا فوائده ” لالون ولا طعم ولا رائحة ” ! ما أحوجنا لمياه الحياة

.ـ 3 ـالتغيير بنكاشات الأسنان ؟!
ذات يوم … كانت الثورة.

تداعي الأفكار الذي صدع به رؤوسنا سيغموند فرويد، خلق حالة العصف الذهني، ليتبادر للمخيلة مادار في فيلم للمخرج الإيطالي الكبير سيرجيو ليوني عام 1971 فيلم
Once Upon a Time,,, The Revolution “
ذات مرة…. كانت الثورة”!اجتهد ليوني في طرح أسئلة، وتجرأ في الإجابة عنها !!كيف تحدث الثورة ؟ ولماذا؟ ومن يقوم بها؟ ومن ينكوي بنارها؟ ومن يستفيد منها؟ ومن يخرج منها حائزا على النصيب الأكبر من الكعكة!فيلم من أفلام الفار ويسترن، تبدأ وقائعه في الصحراء مع قاطع طريق و لص مكسيكي، يبول على صخرة كان كل حلمه السطو على بنك مدينة (ميسا فيردي) المكسيكية، لكن الأقدار جعلت منه بطلا للثورة الجديدة.
قام بالسطو فعلا على البنك ، و وجد خزائن الكنوز فارغة من المال والذهب، وأنها تعج وتكتظ بمئات المعتقلين السياسيين الذين حملوه على الأكتاف بطلاً ثورياً ،بعد أن فتحت الأبواب ، وعانقوا فضاء حريتهم.
ليوني في مقدمة تحفته السينمائية يقول بأن “الثورة ليست عشاء خيرياً، وليست قطعة قماشية موشاة، مطرزة وأن الثورة لا يمكن القيام بها بالأناقة والمجاملة” بيد أنه أنهى مقدمته بمقولة ماو تسي تونغ” الثورة هي عمل من أعمال العنف”.فالتغيير لا يكون بنكاشات الأسنان!
الثورة ضحيتها ،من يكونوا في الصفوف الأمامية أو أبطالها، وهذا ما قاله “ميراندا” بطل الفيلم، ومن يستفيد منها ويتبوأ مراكزها العليا، هم المتمترسون بأسنان وياقات بيضاء، خلف الطاولات منشغلين بعقد الصفقات السياسية والمالية، وقبض العمولات.عموم الشعب والفقراء لا عزاء لهم، فهم منهوبون ومستولى على حقوقهم قبل الثورة و بعدها، فهم إما معذبين أومعتقلين في غياهب السجون.
الثورة الوضاحة الفضاحة، كشفت العالم عارياً أمام المرآة، بأبشع الصور كغاوية ليل كشفت عن كراديش وثنايا سمنتها وترهلها، و بشاعة تشمئز من رؤيتها، بعد أن كشط دم أهل القرية، كل زيف ومكياج عنها.
إن جرح القهر وإهانة الكرامة، ليس من السهولة أن يندمل، فالمظلوم كما قال “كامو” قد يرغم أن يخطو خطوة متعثرة باتجاه الظلم.
إن ضحية القهر، لن يستعذب البقاء ضحية، فالويل كل الويل، إن تركتموه يتحول جلاداً!!.

ـ 4 ـ
رأيتهم بأم عيني !

كثيرة تلك أحاديث العامة والخاصة ،عن الأشباح و الجن والشياطين ،وأنها كائنات تشاطرنا الحياة ،ترانا ولا نراها.لا أدعي التدين، كما لا أدعي أني من الذين كشف عنهم الغطاء ، بل أقسم بكل الأيمان وأعظمه ، أني رأيتهم بأم عيني ،ومن لا يراهم ، لا تحسبوه إلا أعشى.

ـ 5 ـ
ديكتاتور الفضاء رئيساً ؟

بدأت الوسائل الإعلامية، التابعة للغزاة الفضائيين ،بالترويج للحملة الانتخابية لزعيمهم الفضائي الأول.تدافع أمامه مجموعة من الكومبارس، من الانتهازيين ولاعقي الأحذية، كمرشحين افتراضييىن، لهم وسامة الأنذال.
كاريكاتور موشى بالألوان احتل كامل صفحة غلاف مجلة (ماريان)الفرنسية عام 2002 حينما كانت المعركة الانتخابية على أشدها، بين كائنين اثنين أحدهما فضائي، وهو “لوبن” ، والثاني مرشح أرضي، وهو “شيراك”.في صفحة الغلاف ” الكاريكاتور” المرشح الفضائي يسأل نفسه أمام المرآة :مرآتي يا مرآتي هل أصبح رئيساً ؟فأجابته بإصبع السبابة !!.
“إنها السلطة … لو كانت في صدرك لاقتلعتها من كبدك ” قالها معاوية

– 6 ـ
“الحيزبون الفاجرة”

غادرني صديقي وأنا أفتقده…. كان من ظرفاء باريس.كان لا بد أن نتشاجر، ونتعارك سياسياً وحضارياً كل يوم ،معاركنا بدون دماء وضحايا ، وفرسانها أحرف تجمعت ، فتعانقت بكلمات، لا تفصل بينها سوى النقطة والفاصلة والرذيلة.الفارس البوهيمي المتمرد ،غادرني دون أن يودعني ، ودون أن يودع أهل القرية الذين كثيراً ماكتب عنهم ، وعن قريتهم، مما يحيق بهم من الغزاة الفضائيين !
غادرني ودون رضوخ لتهديداتي المارقة إن لم يتب إلى بارئه، وينضم إلى جحافل التائبين، بل كان ينظرني قائلاً”رب اغفر له، فإنه من القوم الظالمين” ليرد لسان الحال” ربنا لاتؤاخذهم فإنهم لا يعلمون”.
كان الرامبو الثوري الهادئ، والمثقف المزمن، والقارئ النهم، كثيراً مايحدثني عمن يسميها” الحيزبون الفاجرة ” بل إن حيزبونة قبلته ذات مرة في مقهي باريسي، يكتظ بأمثالنا من المتسكعين.مع كل موجة من اللاجئين والمهاجرين من أهل القرية ،الذين دفعت بهم الأمواج من قريتهم إلى شواطئ أندلس العالم الأول”الامبريالي المتحضر” من الذين فروا من بين أصابع غزاة الفضاء، وسلاسل معتقلاتهم، أتذكر صديقي الراحل، وحنقه على الكاتبة الإيطالية أوريانا فالاشي، وغضبه من كتابها (الغضب والكبرياء) حيث يقول هذه “الحيزبون الفاجرة” قررت ان تنهي حياتها بكتاب داعر، اكتظ بكل مخزونها ،من الفسق الفكري، والابتذال السياسي، لم تخجل أن تكتب في مقدمة الكتاب “أشعر اليوم أنني أملك …خصيتين ثقيلتين تفوقان خصى كل رجال ايطاليا وأوروبا، وهذا ما يحفزني إلى أن أطالب، بطرد هذه الحثالة، إنهم يلوثون أرضي وسمائي ومائي، ويعهرون حضارتي…”. لتصنع الحيزبونة، وأمثالها مشهداً جديداً ، من مأساة أهل القرية ، يضاف لفصول الدراما الكونية المعاصرة.*

فهد المصري :عابر سبيل فر من القرية
باريس 2014

This entry was posted in الأدب والفن, ربيع سوريا, فكر حر. Bookmark the permalink.

1 Response to استحكام النذالة بين المؤامرة والدراما الكونية المعاصرة

  1. محمد برازي says:

    الأخ الكريم فهد المصري .. ماتطرحه في كتاباتك يثيرالأسى في النفوس .. ويحفّز الذكريات الغافية على جرحها الذي لا يلتئم … ويسلّط الضوء على تلك الدمعة التي تغرغر في الحلق وهي متعبة وحائرة وبائسة ومحرجة … فلا هي قابلة للهضم … ولا هي راضية على أن تكشف عن مدى قهر صاحبها .. شئ مؤلم أن يغرق حرّ في نصف متر من الماء … ولكن المأساة هي عندما لانجد جواباً لهذه الواقع المزري الذي نعيشه .. وأنا أتساءل : لماذا لا تتنادى النخب المثقفة في كلّ المجالات من شعبنا المتميّز في إبداعاته … لدراسة برنامج محكم وواضح .. ووضع خطة عمل بنّاءة .. تكون الأساس المتين الذي نبني عليه مستقبل أبنائنا … ألم يكن ذلك أجدى من أن يهدر كلّ مثقف أوقاته في توصيف بعض الوقائع ؟… أو تسجيل ردّة فعله عليها ؟… مع كلّ الودّ والتقدير

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.