ارتفاعُ نسبةِ التهربِ من الخدمةِ العسكريةِ الإسرائيليةِ


بقلم د. مصطفى يوسف اللداوي
رغم أن الهيئة العامة للكيان الصهيوني منذ التأسيس حتى اليوم تبدو عسكرية، فجميع فئات المجتمع الإسرائيلي من المتدينين والعلمانيين والشرقيين والغربيين يحملون السلاح ويتدربون عليه ويتنقلون به، وهم إما جنودٌ نظاميون في جيش الاحتلال أو جنودٌ وضباطٌ في الاحتياط، أو مستوطنون يحملون السلاح ويستخدمونه، أياً كان مستواهم الاجتماعي أو درجتهم العلمية ومنزلتهم الوظيفية، فهم جميعاً جنودٌ في جيشهم، ومقاتلون في كيانهم، ومسلحون في بيوتهم ومستوطناتهم.

هذا هو الحال الذي عُرِفَ به جيش الكيان واشتهر عنه، منذ أن كان تشكيلاً عصابياً حتى أصبح جيشاً نظامياً، فهو يضم نخبة مستوطنيهم وعلية مجتمعهم، ومنه خرجت كل القيادات الإسرائيلية السياسية والدبلوماسية والعسكرية والأمنية، الذين حكموا الكيان وقادوا الجيش وتزعموا الأحزاب، حيث كان مفخرتهم ومحل تقديرهم وموضع ثقتهم، إذ شكل الحصن الذي يحميهم والدرع الذي يقيهم، والقوة التي تحفظهم، والذراع الطويلة التي تردع أعداءهم وتخيفهم.

إلا أن جيش النخبة قد تغيرت صورته وتبدلت هيئته، وتقلمت أظافره وخلعت أنيابه، وتعرت حقيقته وكسرت هيبته، ولم يعد هو الذي كان قديماً فلا يهزم، ولا المأمول منه حديثاً فلا يفشل، فقد تعرض لنكساتٍ وسقطاتٍ، وفضائح وسرقات، وفشل في العديد من مهامه، وعجز عن تحقيق الكثير من أهدافه، وفقد شبابه وحيويته، وأصبح يعاني مما تعاني منه الجيوش النظامية الهرمة.

فقد أخذت فئاتٌ غير قليلةٍ من المجتمع الإسرائيلي تعزف عنه، وتتهرب من الخدمة فيه والانتساب إليه، وهو الذي كان حتى سنواتٍ قليلةٍ مضت قمة نخبة مستوطنيهم وذروة سنام سكانهم، ولم تعد العقيدة الدينية التوراتية أو المفاهيم القومية الصهيونية قادرة على تأطير المجتمع وتأجيجه، وتوظيف طاقاته والاستفادة من قدراته كما كانت قديماً ونجحت، إذ تغيرت المفاهيم وتبدلت النظريات، ولم تعد شعارات التضحية ومبادئ الشعب اليهودي وأرض إسرائيل هي التي تحركهم وتشجعهم، وحلت مكانها المنافع الشخصية والمصالح الذاتية والمكتسبات الخاصة.

تشير أحدث الإحصائيات الرسمية الإسرائيلية الخاصة بالجيش أن نسبة المتهربين من الخدمة العسكرية في تزايدٍ مستمر، وهي لا تقتصر فقط على المتدينين وطلاب المدارس الدينية الذين يشكلون نسبة 15.9%، وهي النسبة الأعلى بين مختلف الشرائح الإسرائيلية، وهي الظاهرة التي تسببت في خلق مشاكل وانقساماتٍ عمودية بين الأحزاب الدينية الرافضة للخدمة العسكرية، والأحزاب العلمانية الداعية إلى المساوة بين جميع مستوطني الكيان فيما يتعلق بالخدمة العسكرية والمدنية على السواء، دون أي استثناءاتٍ غير قانونية، رغم أن حكومة الكيان وقيادة أركان جيشه، باتت تضطر إلى منح علاواتٍ أو تقديم منحٍ مالية ومغرياتٍ مادية لجذب الشبان للخدمة العسكرية وتشجيعهم عليها.

وأظهرت الدراسة الإحصائية أن 2.4% من الشبان المؤهلين للجندية، يهربون من البلاد قبيل استحقاق وقت الخدمة العسكرية ولا يعودون إليها قبل سنواتٍ، وأن 2.5% يتقدمون إلى دوائر الخدمة العسكرية بمستنداتٍ ووثائق طبية تفيد بعدم أهليتهم الصحية للخدمة العسكرية، وأن 3.8% ممن تستوجب عليهم الخدمة العسكرية هم من المسجلين خطراً على الحياة العامة، لارتكابهم جرائم جنائية، أو ثبوت تعاطيهم للمخدرات، وجنوحهم نحو العنف الداخلي والجريمة المنظمة، وأن ما نسبتهم 8.3% هم من الذين يشكون من أمراضٍ نفسية وتقلباتٍ عقلية، ولديهم عقدة من الجيش والحرب ويخافون من مشاهد القتل والدماء، ولا يملكون القدرة على التصرف وقت الخطر وعند الشدائد، أو ممن يصابون بحالات هستيريا وذعرٍ، ويصفهم أخصائيون إسرائيليون أنهم لا يستطيعون خدمة أنفسهم دون مساعدةٍ من والديهم، وأنهم ما زالوا يتصرفون كصبيةٍ صغارٍ رغم أنهم تجاوزوا الثامنة عشر من عمرهم.

ولما كان جيش الكيان يسمح للمرأة بالخدمة العسكرية ويشجعها عليها، ويهيئ لها أنواع الخدمة التي تناسبها في مختلف قطاعات الجيش، علماً أنه سمح لها بقيادة الدبابات والطائرات الحربية، ما يعني أنها باتت تخدم في كل القطاعات العسكرية، إلا أن محاضر الجيش الرسمية تسجل كل يومٍ حوادث تحرشٍ ترقى أحياناً إلى درجة الاغتصاب لمجنداتٍ في الخدمة وفي أماكن عملهن الرسمي، الأمر الذي تسبب في تشويه صورة الجيش، خاصة أن من المتهمين بالتحرش قادة كبار وضباط من مختلف الرتب العسكرية، مما دفع بنسبةٍ غير ضئيلةٍ من النساء للعزوف عن الخدمة في الجيش وعدم التطوع فيه.

قد تتشابه هذه النسب مع دولٍ كثيرة في العالم، وقد لا تكون نتائج هذه الدراسة مخيفة أو مخلة بالتركيبة العسكرية للكيان الصهيوني، خاصةً أن ما يزيد عن 60% من الشبان ما زالوا يلتحقون بالخدمة العسكرية، ويتدرجون في السلك العسكري، لكن جنوح الشباب إلى الفرار وارتفاع النسبة، وتعمد السفر وتزوير الوثائق والاتفاق مع الأطباء والمصحات العامة، تؤكد أن هذه الظاهرة غير اعتيادية، وأنها تشكل خطراً على مستقبل الكيان وتفوقه العسكري، ورغم ذلك فإن جيش العدو ما زال يتمتع بقوةٍ ويتميز عن غيره من جيوش المنطقة تسليحاً وتدريباً وتأهيلاً، إلا أنه قيادته ترفع الصوت عالياً وتشكو من تفوق القوى غير الدولية، والمجموعات العسكرية غير النظامية، التي باتت تملك القوة العسكرية، والقرار المستقل، والإرادة الصادقة، والعزم المتين.

بيروت في 18/3/2020

About مصطفى يوسف اللداوي

د. مصطفى يوسف اللداوي • فلسطيني من مخيم جباليا بقطاع غزة، مواليد العام 1964. • معتقل سابق لتسعة مرات في السجون الإسرائيلية. • أُبعد إلى جنوب لبنان من سجن غزة المركزي بصحبة ثلاثة أخوة آخرين إلى جنوب لبنان. • دكتوراة في العلوم السياسية وليسانس شريعة إسلامية. • رئيس الكتلة الإسلامية الأسبق في جامعة بيرزيت. • ممثل حركة المقاومةىالإسلامية "حماس" السابق في كلٍ من سوريا ولبنان. • المدير العام الأسبق لمؤسسة القدس الدولية في لبنان، وأحد الذين ساهموا في تأسيسها. • عضو لجنة العلاقات العربية "سابقاً" في حركة حماس. • متفرغ منذ العام 2004 لأعمل البحث والكتابة والدراسة. • له تسعة مؤلفات أغلبها عن الصراع العربي الإسرائيلي وهي ... o الأسرى الأحرار صقورٌ في سماء الوطن "مجلدان". o الصليبية من جديد ... دفاعاً عن رسول الله. o القدرات النووية الإسرائيلية بين الغموض والإرهاب. o الإرهاب الصهيوني مسيرة شعب وتاريخ أمة. o قراءة في العقل الإسرائيلي. o القضية الفلسطينية خفايا وأسرار "حوار". o القضية السودانية بين صراع الداخل ونفوذ الخارج "حوار" o الأزمة الجزائرية جدل المعارضة والسلطة "حوار". o العدوان الإسرائيلي على غزة، جزءان "تحت الطبع".
This entry was posted in فكر حر. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

* Copy This Password *

* Type Or Paste Password Here *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.