اخطاء جسيمة ارتكبها الشهيد عبد الكريم قاسم مهدت لكارثة 8 شباط عام 1963


عادل حبه
غالباً ما يقدم قادة وطنيون على اتخاذ اجراءات وتدابير إصلاحية، ويصدروا مراسيم وقرارات تندرج في إطار السعي لتحقيق حلم شعوبهم في التقدم والرفاه والحرية والاستقلال. ولكنهم في العادة غالباً ما يترددون في تعبئة القوى السياسية والاجتماعية وتوحيدها في بلدانهم وبناء منظومة ديمقراطية قائمة على مشاركة الشعوب وقواها السياسية والاجتماعية الحية من أجل حماية هذه المنجزات والاصلاحات التي يتم تحقيقها كي يواجهوا دسائس ومؤآمرات قوى الردة الداخلية والخارجية. ويعمد هؤلاء القادة ، وللأسف ‘ الى التقليل من مخاطر وردود الفعل السلبية الداخلية والاقليمية والخارجية، ولا يسعون إلى اتباع دبلوماسية نشطة للحد من هذه المخاطر الخارجية. وعندها يقع هؤلاء في فخ اجندات الدوائر المخابراتية دون وعي والتي تسعى إلى تمزيق صفوف الشعب وبث النزاع والفرقة في صفوفه لتمهيد تصفية تلك المنجزات والاصلاحات.
والأمثلة على هذه الحالة لا تعد ولا تحصى في تاريخ البلدان النامية المعصر عامة وفي بلداننا المنكوبة على وجه الخصوص. فتجربة الزعيم الوطني الايراني الدكتور محمد مصدق وسقوطه واجهت الانقلاب العسكري الذي دبرته وكالة المخابرات المركزية الأمريكية في عام 1953، ومصير جمال عبد الناصر في مصر وتداعي حكمه عملياً إثر نكبة حزيران عام 1967، وتجربتنا نحن في العراق منذ أن قاد الزعيم عبد الكريم قاسم الثورة ضد النظام الملكي وإعلان الجمهورية العراقية وحتى نهايته ونهاية حلم العراقيين في إرساء نظام قائم على العدل والسلام على يد انقلابيي 8 شباط عام 1963. هذه هي شذر من الأمثلة على هذا المسار التراجيدي.
لقد أقدم الضباط الأحرار العراقيين وبدعم من جبهة الاتحاد الوطني التي أعلنت في عام 1957 على إحداث التغيير المنشود في العراق. وأصدرت جبهة الاتحاد الوطني برنامجها الوطني الديمقراطي المختصر دون الدخول في التفاصيل، ولم يعلن تنظيم الضباط الأحرار عن نفسه ولا عن برنامجه واتفاقاته السرية قبيل انتصار الثورة. ولم يكن هناك اجماع لدى الضباط الأحرار حول الخطوط العامة للسياسة الداخلية والاقتصادية و الاجتماعية أو شكل بناء الدولة، ولا في السياسة الخارجية. فما وحدهم فقط هو اسقاط النظام والتحرر من الهيمنة الأجنبية وإقامة علاقات طبيعية مع الدول العربية المتحررة. ولذا وما أن انتصرت الثورة حتى برزت على السطح الخلافات حول مستقبل الاصلاحات الداخلية والعلاقات الاقليمية والدولية منذ الساعات الأولى. هذه الخلافات التي برزت بشكل مبكر خاصة بين الضباط الذين شاركوا في الثورة لتمتد إلى القوى السياسية المنظوية تحت راية جبهة الاتحاد الوطني، هذه الجبهة التي شُلت عملياً بعد الأيام الأولى على يد حزب البعث وحزب الاستقلال والقوى القومية بالإساس. والحديث يطول حول ذلك، ولنترك للقارئ فرصة الاطلاع على الكثير من الكتب والبحوث والمقالات المتباينة العراقية والأجنبية حول تلك الفترة البالغة التعقيد في تاريخ العراق.


كان هاجس وسعي عبد الكريم قاسم واليسار وخاصة الحزب الشيوعي هو الشروع بالاصلاحات الاجتماعية والاقتصادية وتحرير البلاد من العلاقات الاجتماعية الاقتصادية المتخلفة وانتشالها من حالة الركود والسعي للحفاظ على استقلال وسيادة العراق. هذا التوجه المشترك هو الذي مهد الأرضية لتحالف غير معلن بين الحزب الشيوعي العراقي والزعيم عبد الكريم. ولكن من ناحية أخرى، فشل الحزب الشيوعي العراقي في مساعيه لإعادة الحياة إلى جبهة الاتحاد الوطني كي يجري العمل المشترك بتحقيق البرنامج الذي اعلنته هذه الأحزاب في عام 1957، لأسباب تتعلق بتعتنت الأطراف القومية والتدخل الفض من قبل قادة الجمهورية العربية البمتحدة تحت ذريعة الوحدة الإندماجية ظاهرياً، في حين كانت هناك أسباب أخرى لهذه الضغوط منها ما تعكس خشية هؤلاء الحكام من أن يسير العراق على خطى بناء سياسي قائم على التعددية السياسية والديمقراطية واحترام المكونات القومية في البلاد وهو ما كان يتعارض مع منهج الحكم في العربية المتحدة القائم على حل الأحزاب وتخوينها تحت شعار “الحزبية خيانة” وفرض نظام الحزب الواحد كتعبير عن الاستبداد السياسي واحتكار السلطة وتجاهل الحقوق القومية للمكونات القومية القاطنة في عدد من البلدان العربية.
في خضم هذا الوضع المتشابك والضغوط المستمرة على النظام الجمهوري الفتي في العراق، برز عامل جديد في الوضع هوالتحرك الجماهيري الواسع والعاصف، خاصة في الريف الذي كان يضم أغلبية سكان العراق في تلك الفترة. وقاد هذا التحرك الجماهيري التيار الديمقراطي وخاصة الحزب الشيوعي العراقي. وتعاملت قيادةعبد الكريم قاسم وبعض الضباط الأحرار من قاسميين وشيوعيين وديمقراطيين بإيجابية مع الشعارات التي كانت تطرح على نطاق واسع في الشارع وبعفوية أحياناً. وشرع الحكم باتخاذ تدابير متعاقبة في عملية الاصلاح، خاصة تلك المتعلقة بتحسين ظروف حياة الفئات المحرومة التي تشكل الغالبية في المجتمع. وكان على رأس هذه الاجراءات هو الاصلاح الزراعي الذي حرر الفلاحين من جبروت وقيود الانظام الاقطاعي ووزع الأراضي التي سلمت إلى الاقطاعيون من قبل الاحتلال البريطاني للعراق. وهي خطوة واجراء اصلاحي تاريخي يمس غالبية الشعب العراقي، وأنهى حالة الازدواجية في دولة يديرها الاقطاعيون بقوانين وسجون وتقاليد وأعراف وقوى مسلحة من جهة، إلى جانب الدولة المركزية. وهي حالة تتعارض حتى مع بنود الدستور العراقي الذي وضعه البريطانيون عند احتلاهم للعراق. كل ذلك من أجل بناء قاعدة اجتماعية للحكم وحماته البريطانيين لتكريس الحكم في البلاد. ولا يسع المجال في هذا المقال الحديث عن كل الاصلاحات الاقتصادية والاجتماعية المهمة التي انجزتها السلطة الوطنية خلال فترة قصيرة في مجال البناء والصناعة والتعليم وبناء المساكن للمواطنين المحرومين، ناهيك عن قرارات مهمة خطيرة تتعلق بالخروج من حلف بغداد والابتعاد عن حمى الاحلاف والتحرر من قيود الاسترليني والغاء القواعد العسكرية الاجنبية واقامة علاقات عربية دولية متوازنة.
بالطبع لابد لكل هذه الاجراءات الايجابية أن تثيرت موجة من رد الفعل السلبية لدى بعض الفئات الاجتماعية الداخلية التي تضررت من الاصلاحات، ولدى الدول الاقليمية والدولية التي ارعبها الحضور الجماهيري ومشاركتها في اتخاذ القرارات خاصة في السنة الأولى من الثورة جراء الضربة التي وجهتها الثورة إلى خطط المحافل العدوانية للدول المهيمنة على العراق في قرار الخروج من حلف بغداد وقرار العراق بإصدار مرسوم 80 القاضي باستعادة الحكومة السيطرة على الأراضي العراقية بكاملها للتنقيب عن المخزونات النفطية والمعدنية، عدا المواقع النفطية المنتجة والخاضعة للشركات النفطية الأجنبية. وبدأت هذه الأوساط الداخلية وبدعم خارجي نشيط في حياكة المؤآمرة تلو الأخرى لاسقاط السلطة الوطنية التي أفرزتها ثورة تموز إلى حد إعلان العصيان في الموصل ومحاولة اغتيال عبد الكريم قاسم وعشرات المحاولات الأخرى التي بلغت أوجها في انقلاب 8 شباط الدموي بدعم واضح من قبل الدوائر الأمريكية والبريطنية والنفطية والدول المحيدة وعلى رأسها الجمهورية العربية المتحدة التي تحالفت مع الولايات المتحدة لتحقيق هذا الهدف.
في السنة الأولى من عمر الثورة، استطاعت الثورة مواجهة كل تلك المؤآمرات بفعل التحالف غير المعلن بين عبد الكريم قاسم والحزب الشيوعي وغالبية القوى التقدمية والديمقراطية التي اسست قاعدة اجتماعية للنظام قادرة على مواجهة كل المخاطر التي تواجه البلاد. ولكن ما أن دشنت الثورة السنة الثانية من عمرها حتى بدأ التصدع في هذه الجبهة غير المعلنة. ومن أسباب ذلك ما يتعلق بإدراك الأطراف الدولية المعادية إن السبيل الوحيد لاسقاط الحكم هو أحداث تصدع وتخلخل داخل هذه التحالف، أي تشتيت القاعدة الاجتماعية للحكم، عن طريق إثارة الريبة والشكوك لدى عبد الكريم قاسم تجاه الحزب الشيوعي ونواياه، هذا الحزب الذي ظل وفياً لشعاره في الدفاع عن منجزات ثورة تموز والسلطة الوطنية رغم ممارساتها وتراجعها حتى انقلاب شباط 1963. كما سعت الدوائر المعادية إلى افتعال المواجهة بين الحكم وبين الحركة القومية وقائدها المرحوم ملا مصطفى البارزاني الذي تحدث مراراً بعد عودته إلى العراق أنه “جندي الزعيم عبد الكريم قاسم”. إن الدوائر التي خططت ودعمت الانقلابيين هي نفسها وبالوسائل والتفاصيل نفسها عندما نفذت الانقلاب ضد حكومة الزعيم الوطني الدكتور محمد مصدق في ايران. واستخدمت هذه الدوائر كل مهاراته وكل تجاربها في مختلف بلدان العالم لتحقيق أهدافها في العراق.
ومن بين هذه الوسائل هي الضغط على عبد الكريم قاسم من أجل التخلي عن علاقاته مع الحزب الشيوعي وإزاحة الضباط الشيوعيين من المؤسسة العسكرية، بإعتبارهما المفتاح لأي تغيير وتحول في الحكم. وقد أثارت محاولة اغتيال عبد الكريم قاسم الرعب لديه، بحيث أعلن بعد فترة وجيزة شعار “عفا الله عما سلف” ترضية للمتآمرين في التيار القومي والمذهبي بشقيه، ورافق ذلك إطلاق الكثير من المتآمرين وارجاع عدد كبير من العسكريين إلى الجيش. وشرع عبد الكريم قاسم بفك عرى التحالف مع الحزب الشيوعي، دون أن يؤسس لتحالف بديل قادر على ضمان مواجهة الحكم للتحديات الخطيرة ضده. فالتيار القومي الذي ارتهن لأجندات الجمهورية العربية المتحدة وقوى خارجية لا يمكنه أن يشكل البديل في اسناد الحكم كما كان يحلو لقاسم. فهذا التيار استفاد من التراجع في موقف عبد الكريم قاسم كب يستعد لشن هجومه للإجهاز على الحكم. وعلى هذا الطريق الوعر والخطير شن عبد الكريم قاسم في خطابه الشهير في كنيسة مار يوسف هجوماً على الحزب الشيوعي، دون ذكر أسمه، بذريعة مسؤوليته عن الانتهاكات وأعمال العنف التي حدثت في الموصل أثناء عصيان الشواف وفي كركوك أثناء الاحتفال بالذكرى الأولى لثورة تموز. ولو رجعنا إلى الخطاب الذي ألقاه عبد الكريم قاسم في 8 آذار عام 1959 في مؤتمر رابط المرأة العراقية وحديثه عن عصيان الشواف في الموصل لوجدناه حافلاً بالدعوة إلى البطش وملاحقة المتآمرين والتنكيل بهم، هذا ناهيك عن البيان العسكري الذي أصدره القائد العام للقوات المسلحة ودعوته لأهالي الموصل والعشائر العربية والكردية والمقومة الشعبية بملاحقة مرتكبي العصيان والدخول إلى مدينة الموصل لقمعهم. لقد حمّل الزعيم عبد الكريم قاسم مسؤولية كل تلك الانتهاكات على الحزب الشيوعي. وشرعت الأجهزة الأمنية بملاحقة الشيوعيين واعتقالهم ثم الحكم على بعضهم بالإعدام، الذي نفذه انقلابيي شباط في عام 1963 لاحقاً. وكان ذلك إيذاناً بفرط العقد غير المعلن كلياً بين عبد الكريم وتزعزع القاعدة الاجتماعية ورسالة غير مباشرة للمتآمرين لتنظيم صفوفهم والشروع بالإجهاز على الحكم ومنجزات ثورة تموز عام 1958.
وهكذا سارعت قوى الردة في الداخل إلى تعبئة صفوف كل القوى التي تضررت مصالحها من الإصلاحات التي اقدمت عليها السلطة الوطنية. كما شرعت القوى الاقليمية والخارجية واجهزة مخابراتها في الخارج بالعمل النشيط من أجل زرع بذور الشك والريبة لدى قاسم تجاه أهداف الشيوعيين ونواياهم وتعميق الهوة بينهما. وتم أرسال الصحفي الهندي المعروف “كارانجيا” رئيس تحرير صجيفة “هندستان تايمز” إلى العراق لإجراء مقابلة مع عبد الكريم قاسم لهذا الغرض. وكان أهم سؤال طرحه الصحفي المذكور على قاسم هو :”هناك مؤشرات على أن الحزب الشيوعي سيتعامل معك كما تعامل البلاشفة مع كيرنيسكي رئيس الحكومة المؤقتة الروسية قبل انقلاب أكتوبر”. هذا السؤال ما هو إلاّ مسعى لإثارة عبد الكريم ودفعه إلى الإمعان أكثر في ملاحقة الشيوعيين والابتعاد عنهم. في الحقيقة سبقت مساعي الدوائر المعادية ما كان يجري من مناقشات داخل بعض منظمات الحزب، وتحديداً كوادر “التنظيم العسكري” وبعض الكوادر المدنية وحتى بعض القياديين حول إمكانية إزاحة عبد الكريم قاسم. ففي أواخر عام 1960 زارنا في البيت الشهيد سلام عادل والفقيد عامر عبد الله، قبيل سفري إلى الاتحاد السوفييتي للدراسة الحزبية، وجرى حديث متشعب ومنها أشار الفقيد عامر عبد الله إلى طلب بعض الرفاق العسكريين التحرك للإطاحة بعبد الكريم قاسم. ولكن مثل هذه الشعار لا يمكن تحقيقه ونجاحه لأسباب داخلية واقليمية ودولية. وحول نفس الموضوع جرى الحديث مع الشهيد سلام عادل في موسكو في نهاية عام 1961، حيث أشار الشهيد إلى أن وضعنا هو أشبه بحال حزب “آكيل” القبرصي الذي كان يتمتع بالأكثرية في البرلمان، ولكنه تنازل عن موقعه لصالح مكاريوس بسبب عدم قدرة حزب آكيل على مواجهة الأوضاع والتحديات الاقليمية والدولية ووجود القواعد العسكرية الأجنبية في الجزيرة.
وبتقديري إن أطرافاً أخرى لا يتوقع منها عملت هي الأخرى على تحقيق هذا الهدف. فلدي اعتقاد بأن الحزب الشيوعي الصيني وبعد توتر العلاقات بينه وبين الحزب الشيوعي السوفييتي حول قضايا فكرية في الظاهر، اتخذت قيادة الحزب الشيوعي العراقي موقفاً مؤيداً للأطروحات السوفييتية مما أثار حفيظة الحزب الشيوعي الصيني وركز في هجماته على الحزب الشيوعي العراقي. وكان ممثلوا الصين في بغداد على صلة ببعض قياديي الحزب ولهم إطلاع على المناقشات داخل الحزب ونقلوا تلك المناقشات، ومنها قضية التحرك لتغيير قيادة الحكم، إلى عبد الكريم قاسم بدليل كثافة الزيارات واللقاءات التي كان يقوم بها السفير الصيني مع عبد الكريم قاسم. وبلع عيد الكريم قاسم هذا الطعم وسار على طريق المواجهة وفرض القيود على الحزب الشيوعي العراقي. ففي القرار الذي اتخذته الحكومة حول إجازة الأحزاب السياسية في العراق، أجازت وزارة الداخلية وبأمر من الزعيم ممارسة النشاط الحزبي إلى جميع الأحزاب وبضمنها الحزب الاسلامي وحُرم الحزب الشيوعي والحزب الجمهوري الذي يتزعمه السياسي الديمقراطي المخضرم عبد الفتاح إبراهيم من ممارسة النشاط الحزبي القانوني. مثل هذا الموقف هو الذي ساهم في عرقلة الجهود السليمة المطالبة بإرساء النظام السياسي العراق على أسس الديمقراطية والتعددية ومشاركة الشعب صاحب الشأن في إدارة البلاد، ومواجهة احتكار السلطة والفردية والاستبداد . ولم يتردد عبد الكريم قاسم في تعطيل جريدة اتحاد الشعب لمدة عشرة أشهر ثم إلغاء امتيازها كلياً لاحقاً بناءاً على طلب “هريدج” رئيس وفد المفاوضين لشركات النفط الاجنبية العاملة في العراق بذريعة نشر الجريدة مقالات تتعارض مع مطاليب الشركات وإنها تثير الأرباك في المفاوضات الجارية مع الحكومة العراقية.
كما غض الزعيم عبد الكريم قاسم النظر عن حملات الاغتيالات التي طالت أعضاء وكوادر في الحزب الشيوعي وخاصة في بغداد والموصل (اغتيل قرابة 400 مواطن فيها) ومدن أخرى وموجة من تلفيق الاتهامات ضد الشيوعيين وانصارهم من قبل محاكم عسكرية يرأسها ضباط قوميين ورجعيين حيث ضمت سجون العراق قبيل انقلاب شباط قرابة 500 سجين وهو عدد يفوق عدد السجناء الشيوعيين والديمقراطين في العهود السابقة . وعاد النشاط إلى الاجهزة الأمنية التي ورثها العراق من العهد الملكي والتي لم تطالها يد الاصلاح والتغيير، لتعود من جديد إلى فبركة وتدوين التقارير الكاذبة حول النشاط الشيوعي الهدام والفوضوي!!!
ومع البدء أولاً بالموقف المعادي للحزب الشيوعي العراقي، فلا بد أن ينتقل هذا السلوك كالعادة في ظروف العراق إلى أطراف أخرى، حيث اندلعت المواجهات الخطيرة المسلحة بين الحكم والحركة القومية الكردية إثر حركة استفزازية اشعلتها الفئات الاقطاعية والرجعية في كردستان العراق. وبدلاً من أن يعي الحكم وقادة الحركة القومية الكردية مديات هذ التطور الخطير وتأثيراته السلبية على الوضع في البلاد، تعنت الطرفان في الوصول إلى حل سلمي للمشكلة ولم يستمعوا إلى صوت الحكمة التي اطلقها الحزب الشيوعي في الدعوة للسلم في كردستان والديمقراطية للعراق والحكم الذاتي في كردستان. ومنذ ذلك الحين تحولت هذه القضية القومية إلى ورقة أضافية ضاغطة بيد الشاه والدوائر الأمريكية وحتى اسرائيل على الحكم ضمن المساعي لاسقاطه والتدخل في الشؤون الداخلية العراقية.
ووقع الحكم في ورطة اقليمية خطيرة تمثلت في الدعوة إلى إلحاق الكويت في العراق، ظناً من الحكم إن هذه الدعوة الشعبوية من شأنها أن تدغدغ مشاعر التيارات الشعبوية والقومية من أجل جذبها لمساندة الحكم بعد أن شعر الحكم بتراجع شعبيته. لقد سهلت هذه الخطوة الخطيرة على الأطراف الاقليمية والدولية الاصطفاف في جهد واحد للإجهاز على ثورة تموز ومنجزاتها وتوجيه ضربة إلى القوى التقدمية والديمقراطية وفي المقدمة منها الحزب الشيوعي العراقي. كما مهدت هذه الدعوة الشعبوية الطريق للأنزال العسكري البريطاني والمصري وقوات دول أخرى في الكويت بذريعة الدفاع عن سيادة الكويت العضو في هيئة الأمم المتحدة والجامعة العربية.
وبالرغم من أن غالبية القوى السياسية تتحمل بهذا القدر أو ذاك مسؤؤليتها في الكوارث التي تحملها العراقيون، إلا ّ أن سلطة تموز بقيادة عبد الكريم قاسم والتراجع الخطير الذي قامت به خاصة في منتصف عام 1959 وأخطائها، هي التي مهدت للكارثة التي حلت بالبلاد متمثلة بانقلاب 8 شباط، وما تبع هذا الانقلاب من تداعيات مدمرة يعيش نتائجها العراقيون حتى الآن.
8 شباط 2019

About عادل حبه

عادل محمد حسن عبد الهادي حبه ولد في بغداد في محلة صبابيغ الآل في جانب الرصافة في 12 أيلول عام 1938 ميلادي. في عام 1944 تلقى دراسته الإبتدائية، الصف الأول والثاني، في المدرسة الهاشمية التابعة للمدرسة الجعفرية، والواقعة قرب جامع المصلوب في محلة الصدرية في وسط بغداد. إنتقل الى المدرسة الجعفرية الإبتدائية - الصف الثالث، الواقعة في محلة صبابيغ الآل، وأكمل دراسته في هذه المدرسة حتى حصوله على بكالوريا الصف السادس الإبتدائي إنتقل إلى الدراسة المتوسطة، وأكملها في مدرسة الرصافة المتوسطة في محلة السنك في بغداد نشط ضمن فتيان محلته في منظمة أنصار السلام العراقية السرية، كما ساهم بنشاط في أتحاد الطلبة العراقي العام الذي كان ينشط بصورة سرية في ذلك العهد. أكمل الدراسة المتوسطة وإنتقل إلى الدراسة الثانوية في مدرسة الأعدادية المركزية، التي سرعان ما غادرها ليكمل دراسته الثانوية في الثانوية الشرقية في الكرادة الشرقية جنوب بغداد. في نهاية عام 1955 ترشح إلى عضوية الحزب الشيوعي العراقي وهو لم يبلغ بعد الثامنة عشر من عمره، وهو العمر الذي يحدده النظام الداخلي للحزب كشرط للعضوية فيه إعتقل في موقف السراي في بغداد أثناء مشاركته في الإضراب العام والمظاهرة التي نظمها الحزب الشيوعي العراقي للتضامن مع الشعب الجزائري وقادة جبهة التحرير الجزائرية، الذين أعتقلوا في الأجواء التونسية من قبل السلطات الفرنسية الإستعمارية في صيف عام 1956. دخل كلية الآداب والعلوم الكائنة في الأعظمية آنذاك، وشرع في تلقي دراسته في فرع الجيولوجيا في دورته الثالثة . أصبح مسؤولاً عن التنظيم السري لإتحاد الطلبة العراقي العام في كلية الآداب والعلوم ، إضافة إلى مسؤوليته عن منظمة الحزب الشيوعي العراقي الطلابية في الكلية ذاتها في أواخر عام 1956. كما تدرج في مهمته الحزبية ليصبح لاحقاً مسؤولاً عن تنظيمات الحزب الشيوعي في كليات بغداد آنذاك. شارك بنشاط في المظاهرات العاصفة التي إندلعت في سائر أنحاء العراق للتضامن مع الشعب المصري ضد العدوان الثلاثي الإسرائيلي- الفرنسي البريطاني بعد تأميم قناة السويس في عام 1956. بعد انتصار ثورة تموز عام 1958، ساهم بنشاط في إتحاد الطلبة العراقي العام الذي تحول إلى العمل العلني، وإنتخب رئيساً للإتحاد في كلية العلوم- جامعة بغداد، وعضواً في أول مؤتمر لإتحاد الطلبة العراقي العام في العهد الجمهوري، والذي تحول أسمه إلى إتحاد الطلبة العام في الجمهورية العراقية. وفي نفس الوقت أصبح مسؤول التنظيم الطلابي للحزب الشيوعي العراقي في بغداد والذي شمل التنظيمات الطلابية في ثانويات بغداد وتنظيمات جامعة بغداد، التي أعلن عن تأسيسها بعد إنتصار الثورة مباشرة. أنهى دراسته الجامعية وحصل على شهادة البكالاريوس في الجيولوجيا في العام الدراسي 1959-1960. وعمل بعد التخرج مباشرة في دائرة التنقيب الجيولوجي التي كانت تابعة لوزارة الإقتصاد . حصل على بعثة دراسية لإكمال الدكتوراه في الجيولوجيا على نفقة وزارة التربية والتعليم العراقية في خريف عام 1960. تخلى عن البعثة نظراً لقرار الحزب بإيفاده إلى موسكو-الإتحاد السوفييتي للدراسة الإقتصادية والسياسية في أكاديمية العلوم الإجتماعية-المدرسة الحزبية العليا. وحصل على دبلوم الدولة العالي بدرجة تفوق بعد ثلاث سنوات من الدراسة هناك. بعد نكبة 8 شباط عام 1963، قرر الحزب إرساله إلى طهران – إيران لإدارة المحطة السرية التي أنشأها الحزب هناك لإدارة شؤون العراقيين الهاربين من جحيم إنقلاب شباط المشؤوم، والسعي لإحياء منظمات الحزب في داخل العراق بعد الضربات التي تلقاها الحزب إثر الإنقلاب. إعتقل في حزيران عام 1964 من قبل أجهزة الأمن الإيرانية مع خمسة من رفاقه بعد أن تعقبت أجهزة الأمن عبور المراسلين بخفية عبر الحدود العراقية الإيرانية. وتعرض الجميع إلى التعذيب في أقبية أجهزة الأمن الإيرانية. وأحيل الجميع إلى المحكمة العسكرية في طهران. وحكم عليه بالسجن لمدة سبع سنوات، إضافة إلى أحكام أخرى طالت رفاقه وتراوحت بين خمس سنوات وإلى سنتين، بتهمة العضوية في منظمة تروج للأفكار الإشتراكية. أنهى محكوميته في أيار عام 1971، وتم تحويله إلى السلطات العراقية عن طريق معبر المنذرية- خانقين في العراق. وإنتقل من سجن خانقين إلى سجن بعقوبة ثم موقف الأمن العامة في بغداد مقابل القصر الأبيض. وصادف تلك الفترة هجمة شرسة على الحزب الشيوعي، مما حدى بالحزب إلى الإبتعاد عن التدخل لإطلاق سراحه. وعمل الأهل على التوسط لدى المغدور محمد محجوب عضو القيادة القطرية لحزب البعث آنذاك، والذي صفي في عام 1979 من قبل صدام حسين، وتم خروجه من المعتقل. عادت صلته بالحزب وبشكل سري بعد خروجه من المعتقل. وعمل بعدئذ كجيولوجي في مديرية المياه الجوفية ولمدة سنتين. وشارك في بحوث حول الموازنة المائية في حوض بدره وجصان، إضافة إلى عمله في البحث عن مكامن المياه الجوفية والإشراف على حفر الآبار في مناطق متعددة من العراق . عمل مع رفاق آخرين من قيادة الحزب وفي سرية تامة على إعادة الحياة لمنظمة بغداد بعد الضربات الشديدة التي تلقتها المنظمة في عام 1971. وتراوحت مسؤولياته بين منظمات مدينة الثورة والطلبة وريف بغداد. أختير في نفس العام كمرشح لعضوية اللجنة المركزية للحزب إستقال من عمله في دائرة المياه الجوفية في خريف عام 1973، بعد أن كلفه الحزب بتمثيله في مجلة قضايا السلم والإشتراكية، المجلة الناطقة بإسم الأحزاب الشيوعية والعمالية العالمية، في العاصمة الجيكوسلوفاكية براغ. وأصبح بعد فترة قليلة وفي المؤتمر الدوري للأحزاب الممثلة في المجلة عضواً في هيئة تحريرها. وخلال أربعة سنوات من العمل في هذا المجال ساهم في نشر عدد من المقالات فيها، والمساهمة في عدد من الندوات العلمية في براغ وعواصم أخرى. عاد إلى بغداد في خريف عام 1977، ليصبح أحد إثنين من ممثلي الحزب في الجبهة التي كانت قائمة مع حزب البعث، إلى جانب المرحوم الدكتور رحيم عجينة. وأختير إلى جانب ذلك لينسب عضواً في سكرتارية اللجنة المركزية ويصبح عضواً في لجنة العلاقات الدولية للحزب. في ظل الهجوم الشرس الذي تعرض له الحزب، تم إعتقاله مرتين، الأول بسبب مشاركته في تحرير مسودة التقرير المثير للجنة المركزية في آذار عام 1978 وتحت ذريعة اللقاء بأحد قادة الحزب الديمقراطي الأفغاني وأحد وزرائها( سلطان علي كشتمند) عند زيارته للعراق. أما الإعتقال الثاني فيتعلق بتهمة الصلة بالأحداث الإيرانية والثورة وبالمعارضين لحكم الشاه، هذه الثورة التي إندلعت ضد حكم الشاه بداية من عام 1978 والتي إنتهت بسقوط الشاه في شتاء عام 1979 والتي أثارت القلق لدي حكام العراق. إضطر إلى مغادرة البلاد في نهاية عام 1978 بقرار من الحزب تفادياً للحملة التي أشتدت ضد أعضاء الحزب وكوادره. وإستقر لفترة قصيرة في كل من دمشق واليمن الجنوبية، إلى أن إنتدبه الحزب لإدارة محطته في العاصمة الإيرانية طهران بعد إنتصار الثورة الشعبية الإيرانية في ربيع عام 1979. وخلال تلك الفترة تم تأمين الكثير من إحتياجات اللاجئين العراقيين في طهران أو في مدن إيرانية أخرى، إلى جانب تقديم العون لفصائل الإنصار الشيوعيين الذين شرعوا بالنشاط ضد الديكتاتورية على الأراضي العراقية وفي إقليم كردستان العراق. بعد قرابة السنة، وبعد تدهور الأوضاع الداخلية في إيران بسبب ممارسات المتطرفين الدينيين، تم إعتقاله لمدة سنة ونصف إلى أن تم إطلاق سراحه بفعل تدخل من قبل المرحوم حافظ الأسد والمرحوم ياسر عرفات، وتم تحويله إلى سوريا خلال الفترة من عام 1981 إلى 1991، تولى مسؤلية منظمة الحزب في سوريا واليمن وآخرها الإشراف على الإعلام المركزي للحزب وبضمنها جريدة طريق الشعب ومجلة الثقافة الجديدة. بعد الإنتفاضة الشعبية ضد الحكم الديكتاتوري في عام 1991، إنتقل إلى إقليم كردستان العراق. وفي بداية عام 1992، تسلل مع عدد من قادة الحزب وكوادره سراً إلى بغداد ضمن مسعى لإعادة الحياة إلى المنظمات الحزبية بعد الضربات المهلكة التي تلقتها خلال السنوات السابقة. وتسلم مسؤولية المنطقة الجنوبية حتى نهاية عام 1992، بعد أن تم إستدعائه وكوادر أخرى من قبل قيادة الحزب بعد أن أصبح الخطر يهدد وجود هذه الكوادر في بغداد والمناطق الأخرى. إضطر إلى مغادرة العراق في نهاية عام 1992، ولجأ إلى المملكة المتحدة بعد إصابته بمرض عضال. تفرغ في السنوات الأخيرة إلى العمل الصحفي. ونشر العديد من المقالات والدراسات في جريدة طريق الشعب العراقية والثقافة الجديدة العراقية والحياة اللبنانية والشرق الأوسط والبيان الإماراتية والنور السورية و"كار" الإيرانية ومجلة قضايا السلم والإشتراكية، وتناولت مختلف الشؤون العراقية والإيرانية وبلدان أوربا الشرقية. كتب عدد من المقالات بإسم حميد محمد لإعتبارات إحترازية أثناء فترات العمل السري. يجيد اللغات العربية والإنجليزية والروسية والفارسية. متزوج وله ولد (سلام) وبنت(ياسمين) وحفيدان(هدى وعلي).
This entry was posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية. Bookmark the permalink.

One Response to اخطاء جسيمة ارتكبها الشهيد عبد الكريم قاسم مهدت لكارثة 8 شباط عام 1963

  1. جابر says:

    برأيي أستاذ عادل ويؤيدني كثير من العراقيين بان ثورة ١٤ تموز نقطة سوداء في تاريخ العراق فبعدها سالت دماء عراقية اكثر من اية دولة عربية حركة الشواف . ٨ شباط. ١٧ تموز والحرب العراقية الإيرانية وحرب الخليج والاحتلال الامريكي كلها بعد القضاء على الملكية تخيل لو كانت الملكية باقية لحد الْيَوْمَ والثروة الكبيرة في العراق وقارنه بالملكية في الاْردن التي لا تملك شيء والمغرب وحتى دول الخليج لكان العراق من أغنى دول العالم اليس كذلك. انا لا أنكر نزاهة عبد الكريم قاسم ولكنه لم يكن بحكمة ودهاء نوري السعيد ورجال الحكم الملكي وقام بثورة فاشلة اوصلت العراق الى هذا الحال.تحياتي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.