اختلاف الاستجابة لارادة شعوب المنطفة

دمشق في 6/6/2021 المحامي وائل نصري واصل

كشف الربيع العربي أن الأنظمة السياسية الملكية كانت أكثر استجابة لهذا الربيع ولإرادة التطوير فيها، وأيضا كانت أكثر استقراراً ً وأمانا من ارتدادات هذا الربيع عليها، فقد سارعت كل من مملكتي المغرب والأردن لتطبيق بعض الاصلاحات التي كانت تطالب بها بعض الهيئات أو الشخصيات في هاتين المملكتين. وحتى في دول الخليج العربي وبالرغم من حالة الاستقرار القائمة والحالة الاقتصادية المريحة التي تعيشها، إلا أنها أيضا تحركت باتجاه اصلاح وتطوير الحياة السياسية والاجتماعية فيها، وخير مثال لهذه الدول المملكة العربية السعودية التي بدأت مرحلة اصلاحية سياسية واجتماعية وهي مستمرة في ذلك أيضاً.
وفي الشكل الأخر لأنظمة الحكم في المنطقة والتي تسمى ” الجمهوريات ” فإننا رأينا ممانعة في الاصلاح والتطوير، وصلت هذه الممانعة والمعاندة إلى درجة التصلّب، وهو ما عرّض بلادها لنكثات أمنية واقتصادية وإنسانية، وبعضها نكاد نعلن موتها اقتصادياً أو مجتمعياً وربما نعلن موت الدولة نفسها.
وحيث ذلك فإن البحث عن أسباب اختلاف الاستجابة هذه، يصبح أمراً ملحّاّ وضرورياً في تحليل نظم الحكم هذه كي نصل إلى آلية تسمح بالانتقال إلى الديمقراطية في هذه الدول، وحيث اتساع الأمر وتعدد جوانبه وحيث أن البحوث وعلوم النظم السياسية قد قاربت هذا الموضوع من جوانب شتى ووضعت صفات وايجابيات وسلبيات كل من الحكم الملكي والحكم الجمهوري، ورغم أن في الاعادة افادة إلا أننا لن نعيد ونكرر ما جاء في تلك العلوم، بل سنعرض الموضوع بالإيجاز الممكن وفقط من جانب تأثير الحالة النفسية التي تسكن كل من رجالات كلا النظامين، معتقدين أنها العامل الأهم والحاسم في اختلاف الاستجابة لارادة الشعوب، فبضوء هذه الحالة النفسية تبني وتخطط هذه الرجالات لمستقبلها السياسي.
وأذكّر أن الديمقراطية ليست حكراً على نظم الحكم الجمهوري، كما أن الاستبداد يجد طريقه إلى كلا النظامي الملكي والجمهوري.
وحيث ذلك فإننا نعتقد ونرجّح أن الاستقرار النفسي والسياسي للأسر المالكة والذي تتمتع به في نظم الحكم الملكي في حال استجابت لبعض متطلبات الحياة الديمقراطية، هو بسبب أنه ليس لديها هاجس التنافس على السلطة أو هاجس فقدان سلطتها أو حتى تهديد هذه السلطات، وحيث ذلك وحيث ثبات امتيازاتها السياسية وغير السياسية تجاه بما يتعلق بالشأن العام، وحيث ضمان استقرار هذه السلطة دستورياً وقانوناً وفكرياً في المجتمع، فإنها تكون أكثر استعداداً ومقدرة للاستجابة لأي تيار مطلبي أو حالة عامة مطلبية ما دام لا يتعرض إلى هذه السلطة ولا يهدد استقرارها السياسي.


وإن عبارة “أكثر استعدادا للاستجابة ” تصبح حقيقة وواقع كلما كانت تلك المطالب مترافقة مع ظرف دولي أو اقليمي أكبر وأعظم من حدود الدولة السياسية يشجع ويدفع بهذا الاتجاه، وطبعاً نتكلم عن ممالك يتم وصفها “بالمستبدة” نوعاً ما.
وبالمقابل فإننا نرى التشدّد والتمنّع في الاستجابة لمطالب ومتطلبات الشعب لدى حكّام الجمهوريات المستبدة، وذلك لأنهم يخشون أن تؤدي هذه الاستجابة أو الانفتاح على تلك المطالب إلى انحسار سلطاتهم السياسية ومكاسبهم من وراء هكذا انفتاح الذي سيجعلها ملزمة بتقديم انفتاح بعده على مطالب أخرى، وهكذا سؤدي الانفتاح تلو الانفتاح ومع الوقت ونمو الحياة الديمقراطية إلى فقدان حكام هذه البلاد لكل السلطات والامتيازات التي إذا طالما لم يشاركهم بها أحد إلا من يدور في فلكهم ولحسابهم، وطبعاً هذ السيناريو لا تريده حكّام ورجالات هذه الجمهوريات المستبدة.
وما يشجعهم أيضاً على موقفهم وسلوكهم هذا هو مجموعة من الأمور والقضاياً منها الداخلية ومنها ما يتقاطع في المصلحة مع الدول الاقليمية والدولية، فتحاول دائماً توظيف ذلك في سياساتها.
وحيث ذلك فإننا نجد أنفسنا مضطرين إلى ابتكار آلية تسمح بالانتقال إلى الديمقراطية، ألية تلحظ هواجس هؤلاء الحكام ومصالح الشعب والمصالح الدولية.
لذلك أرى أن الانتقال إلى الديمقراطية في هكذا دول يستوجب وجود مرحلة انتقالية طويلة نسبياً، يتم فيها وضع دستوري انتقالي مرحلي يؤمن استقرار حكام هذه الدول في رأس السلطة طيلة حياتهم أو طيلة المرحلة الانتقالية، ولكن بصلاحيات محدودة بعيدة عن الشأن العام، وتحت رعاية دولية من دولة فاعلة بالسياسة الدولية ترعى كل دولة في مرحلتها الانتقالية.( المقصود بالرعاية والدعم هو الرعاية والدعم السياسي في المحافل الدولية وأحيانا أمنياً )، ومن بين صلاحيات هذه السلطة قيادة الجيش ووزارة الدفاع.
بينما باقي السلطات والصلاحيات فيما يتعلق بالشؤون المدنية والسياسية والاقتصادية وكل نواحي الحياة الأخرى، فيكون مرتبط بشكل مباشر وفعلي بالحياة اليومية للمواطن في هذه المرحلة الانتقالية، ويشكّل المساحة الخضراء لممارسة الديمقراطية والتسابق للوصول إلى السلطة، وممارسة كل الحقوق في كل المجالات الاقتصادية والسياسية والمجتمع المدني والشأن العام، لاسيما لجهة إطلاق الحريات العامة وحرية الإعلام والتعبير، خاصة في النقد والمساءلة والمحاسبة.
إذا كانت عبارة ” السياسة هي فن الممكن ” هي عبارة صحيحة فعلاً، فإن كل النداءات المحقّة التي يطلقها معارضو هذه الأنظمة تُعتبر بعيدة عن الواقع ويصحّ وصفها بالمراهقة السياسية والمنفصلة عن الواقع وبطبيعة الحال يمكن وصف مطلقيها بذلك بعيدا عن أي أوصاف أخرى.
إن كسر هذا الجدار الصلب والأصم الذي يفصل شعوبنا ودولنا عن الانتقال إلى الدولة الحديثة، يحتاج إلى آلية استثنائية لمقاربة الموضزع دولياً لدى أصحاب القرار الدولي وأهل الحكم في بلادنا.
وأخيراً أريد أن أشيد بشكل ونظام الحكم في دولة إمارة الكويت التي أعتبرها مثلاً ديمقراطياً يحتذى خليجياً وعربيا يمكن تنقيحه بما يتوافق كل دولة..
دمشق في 6/6/2021 المحامي وائل نصري واصل

This entry was posted in دراسات سياسية وإقتصادية, ربيع سوريا. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.