اختزال الإسلام من رسالة رحمة عالمية خاتمية، إلى رسالة محلية خاصة بزمان معين

الدكتور محمد شحرور

يختلف فعل “بلغًّ” عن “أبلغ” بأن البلاغ غير مباشر أي حين يصدر رئيس الوزراء بلاغاً لا يتطلب التزام المواطنين به أن يسمعهم إياه فرداً فرداً، بينما الإبلاغ يجب أن يكون شخصياً مباشراً، إلا أن الثقافة الموروثة لم تفرق بين الفعلين، ففهمت قوله تعالى (وله المثل الأعلى) {مَّا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاَغُ وَاللّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ} (المائدة 99) على أن مهمة الرسول هي إبلاغ الرسالة لمن حوله فقط، وبالتالي فهي خاصة بمن سمعها منه شخصياً بشكل مباشر، ولكي نفهمها علينا الاعتماد على فهم الصحابة لها، وبالتالي اختزل الإسلام من رسالة رحمة عالمية خاتمية، إلى رسالة محلية خاصة بزمان معين، واعتبر محمد (ص) مثل هود وصالح، وكلاهما نبي ورسول ولكن إلى اقوامهما فقط، لذا كان عليهما الإبلاغ لا البلاغ، بينما محمد رسول إلى الإنسانية ومهمته كانت البلاغ لا الإبلاغ، والبلاغ الذي بلّغه هو التنزيل الحكيم، ومهمتنا فهمه وفق معرفتنا، أما فهم الصحابة له فلا يلزمنا بشيء.


والإسلام الذي وصلنا من التنزيل الحكيم هو دين قيم ارتضاه الله للناس جميعاً، يقوم على الإيمان بالله واليوم الآخر والعمل الصالح، إذ لا يمكن أن يخلق الله الناس ويدخل خمسة أسداسهم النار، كما أراد لهم الفقه الموروث، وهو سبحانه ترك بيده الكلمة الفصل في تحديد مصيرنا في الآخرة، فلسنا نحن من يقرر، لكنه أعطانا إشارات تدل على أن عمل الخير لن يضيع {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ} (الزلزلة 7 – 8) بغض النظر عن الملة والطائفة والقومية، وأن رحمة الله وسعت كل شي بينما عذابه محدود.

This entry was posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, ربيع سوريا. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.