احتياط أمني.. احذروا الكرماء..

وقفتُ في البسطة أمام باب المسجد وعيناي تتبعان جثمانه المسجى فوق خشبة النعش ، محمولا فوق أكتاف الرجال ، يسيرون به عابرين الشارع العام غير آبهين بحركة السير التي توقفت من أجلهم؛ حتى دخلوا به إلى فناء منزله؛ الذي اُخرِج منه حياً قبل ثمانية أشهر وأُركب سيارة سوداء من قبل رجال ملثمين يلبسون الزي الرسمي لقوة أمنية ، وقد وقف في الباب أبناؤه الثلاثة وفي اليد اليمنى لكل واحد منهم بقايا حبات الرز العالقة من وجبة الغداء التي تناولوها مع أبيهم غير مصدقين ما حدث خلال تلك اللحظات السريعة ، وكأنهم يعيشون كابوس حلم مزعج ، أما شقيقتهم فقد أسندت ظهرها على جدار الفناء من الداخل تبكي والدموع تبلل رقبتها فصدرها المندس خلف القميص ، وفي يدها اليمنى خاتم الخطوبة ، وكانت زوجته في الداخل تذرف الدموع في غرفة الطعام وعيناها شاخصة إلى الغداء الأخير الذي حرم زوجها فيه من تناول صحن السلطة التي يحبها .

دار التحقيق معه حول اتهام واحد ، لماذا تستقبل المشبوهين في منزلك ؟ وكانت إجابته التلقائية “بيتي مفتوح للجميع وفي وضح النهار ولو حضرتم لزيارتي لرحبت بكم كما أرحب بالآخرين ، وهذه عادة أبي وأجدادي من قبلي ، وتعلمون أن هذه العادة الحميدة تشتهر بها بلدتنا، ومن مفاخرها ” .

لم يأبهوا بما يقول.

في واحد من أيام شهره الثامن في محبسه دخل حارس الزنزانة يحمل له وجبة الطعام ، فشاهده منكباً على وجهه.. رفعه .. وإذا به ميتاً..
مات الكريم لكرمه.. مات قهراً..

يوسف الشاعل..

About يوسف علي الشاعل

.. يوسف علي الشاعل السعودية مواليد 1975 متزوج ماجستير قانون عام باحث عربي مؤمن بالتضامن الشعبي العربي بغض النظر عن توافق الحكومات
This entry was posted in الأدب والفن. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.