إيران تريد الحرب وترامب يريد التفاوض

Abdul Badrakhan

استهداف إيران للسعودية وانتاجها النفطي أراد تحريك الأزمة الى تصعيد أعلى، بعدما أدركت طهران أن الوساطة الفرنسية تضعف، وأن التفاوض السرّي لا يتقدّم، وأن واشنطن لا تزال تراهن على الوقت والعقوبات.

أي ردٍّ غير متناسب على الضربة الإيرانية لمنشآت النفط السعودية سيشجع إيران على مواصلة الحرب التي تخوضها فعلاً، وأي ردٍّ متناسب ينذر بإشعال حرب موسّعة ويحقّق هدف إيران. والحديث المتكاثر عن ردّ “محدود” أو “دقيق” أو “منسّق”، على غرار ذلك الذي رُتِّب لـ “حزب الله” ضد إسرائيل (في الأول من أيلول/ سبتمبر)، سيكون متعذّراً ترتيبه مع إيران حتى بوساطات فرنسية أو روسية، إلا بشرطين: أن تحصل على شيء في المقابل، وأن لا يمسّ أراضيها. فلا مشكلة لديها في أن يُضرب بعضٌ من أدواتها الأتباع لتُقفل مرحلة تكون أكّدت فيها أن ادارتها وليس الإدارة الأميركية للأزمة هي الأكثر فاعلية، إذ نفّذت تهديداتها وأحدثت هزّة في الأسواق النفطية ورفعت مستوى التحدّي بالاعتداء على السعودية.
لم يتوقع دونالد ترامب مأزقاً كهذا، على رغم أن كل العناصر واضحة منذ بداية الأزمة. وقد أفصح الإيرانيون مسبقاً عن جلّ ما أعدّوه وخططوا له ولم ينفذوا بعد سوى القليل منه: ضربوا الناقلات وسلّطوا الخطر على الملاحة عبر مضيق هرمز، أسقطوا الطائرة الأميركية المسيّرة الأكثر تطوّراً، كثّفوا هجمات الحوثيين من اليمن على مواقع في السعودية، اختبروا هجوماً أول من جنوب العراق على أنابيب “شرق غرب” السعودية في أيار (مايو) الماضي، أرسلوا تهديدات مغلّفة بدعوات الى “اتفاقات عدم اعتداء”، وأخيراً شنّوا الهجوم الأخطر على منشآت بقيق وخريص… لذلك يقول الإعلام الأميركي أن ترامب وقع في “الحفرة” التي جهّزتها له إيران.


أدركت واشنطن خطورة الاعتداء على السعودية لأنه مسّها مباشرة، فهذا عمل حربي مخطّط وسافر، ولا علاقة له بالحوثيين وحرب اليمن ولا بأيٍّ من ميليشيات “الحشد الشعبي” في العراق. لذلك ذهب مايك بومبيو مباشرة الى تحديد الجهة الفاعلة: إيران. لكن ما معنى تسمية المعتدي إذا لم يكن هناك عزم على معاقبته، وما قيمة القول إنها ضربة تهدّد إمدادات النفط واستقرار الاقتصاد العالمي، أي بإحدى الثوابت الاستراتيجية الدولية، إذا لم تكن هناك قدرة على إزالة التهديد المرشح للتكرار في أي وقت. إذ يمكن وضع ضربة المنشآت النفطية في سياق تصاعدي للدوافع الإيرانية، من ضرب الناقلات واحتجازها لتحدّي أمن الملاحة، الى مسار خفض الالتزامات النووية للضغط على الأوروبيين وابتزازهم بغية كسر العقوبات الاميركية. وهناك مَن يعتبر أن استهداف إيران للسعودية وانتاجها النفطي جاء لتحريك الأزمة الى مرحلة تصعيدية أعلى بعدما أدركت طهران أن تلكّؤ واشنطن أضعف الوساطة الفرنسية وأن قنوات التفاوض السرّية مع الاميركيين لم تحقق التقدّم الذي تأمل به، وبالتالي فإن واشنطن لا تزال تراهن على الوقت لتفعل العقوبات فعلها.
صحيح أن ترامب اتصل بولي العهد السعودي، متضامناً ومؤكّداً الدفاع عن المملكة والحماية لها، وأنه اتفق مع وزير خارجيته على تحميل طهران المسؤولية، وأنه عنى ما يقوله عندما تحدث عن “ردّ”، لكنه بين ساعة وأخرى يقولب موقفه بين الشدّة واللين. حاول حصر الردّ بتعويض النقص في الإمدادات من المخزون الاحتياطي، ثم تبيّن له أن هذه ليست المشكلة. جرّب الظهور بشيء من الحزم لكنه كرّر أنه “لا يريد حرباً”، وطهران تعرف أن نقطة ضعفه هذه هي نقطة قوّتها. واصل استبعاد العوائق عن اجتماع مزمع بينه وبين الرئيس الإيراني ليعطي الديبلوماسية فرصة “حتى الـ 12 ثانية الأخيرة” مع أن الجانب الآخر واصل الإصرار على شروطه لعقد اجتماع كهذا. من الواضح أن الرئيس الأميركي وضع نفسه بين احتمالَين: إما أنه لا يعرف مع أي عدو يتعامل، وإما أنه يعرف ويعتبر أن ما تتعرّض له السعودية مجرّد “أضرار جانبية” متوقّعة لن يتوقف عندها في ادارته للأزمة. كلا الحالين يناسب إيران.
الصراع بين السعودية وإيران لم يبدأ مع مجيء ترامب الى البيت الأبيض، بل اتخذ وجهة مختلفة عما كان في عهدَي جورج دبليو بوش وباراك أوباما. اميركا-ترامب طمأنت السعودية ودول الخليج عموماً على رغم أنها لم تعد ملتزمة حمايةً أو دفاعاً ما كانا يوماً مجانيين كما توحي الوقاحة الترامبية لتبرّر رفعاً مستمرّاً لكلفتهما. أما التأزيم الأميركي مع إيران فلم يكن ولن يكون من اجل السعودية ودول الخليج بل من أجل أميركا. وفي مواجهتها مع الصين تحتاج الولايات المتحدة الى إيران وتريد استعادتها الى فلكها، لكن هذه بَنَت عقيدتها وسياساتها وتصديرها للثورة وعسكرتها للشيعة وغزوها التخريبي لدول عربية على العداء لأميركا، ولن تتخلّى عنه لأنه غدا عنواناً لاستقلاليتها ورمزاً لقوتها. لذلك فإن العقوبات ماضية في شحن هذا العداء وتعميقه، وليس من تفاوض يمكن أن يحوّله الى توافق حتى لو كانت اميركا-ترامب مستعدة لإعادتها “شرطيّاً للخليج”، فهي تتحدّى الآن بأن “أمن الخليج” هو شأنها وليس أي تحالف دولي يمكن أن تتوصل الولايات المتحدة الى إنشائه.
على هذه الخلفية التي تتأكّد مخاطرها أكثر فأكثر يُمكن أن يُقرأ الردّ أو عدم الردّ على إيران، فهي وحدها الممسكة بطرفي اللعبة حرباً وتفاوضاً. ويعرف المتخوّفون من حرب، ولا سيما الأوروبيين، أكثر من سواهم أن ايران انخرطت في الحرب منذ فُرضت عليها العقوبات وتعتبر أي تصعيد تُقدم عليه “دفاعاً عن النفس”، وبالتالي فهي لن تفاوض إلا إذا رُفعت عنها العقوبات وبعدا أن تتمكّن من تصدير نفطها وتستعيد مكانها في النظام المالي العالمي يمكن أن تفاوض بشروطها لتحصين مكاسبها الاستراتيجية في المنطقة. وحتى الآن نجحت إيران في استثمار كذبة أنها “لا تريد حرباً” الى حدّ يجعلها تصوّر لمحورها أنها أصبحت ندّاً حربياً للولايات المتحدة وستكون ندّاً لها في التفاوض. لذلك يبدو أمل ترامب في التفاوض صيداً في الأوهام، فهو دفع بالمواجهة الى أقصاها وهو الأقوى الذي لا يريد استخدام قوته، لكن الاختلالات في استراتيجيته تزجّ حلفاءه في مواقف مستحيلة. إذ اتفق موضوعياً مع إيران على تحييد كلٍ منهما الآخر لكن لم يمنع إيران من أن تحارب السعودية مباشرةً أو متواريةً وراء ميليشياتها، ومن جهة أخرى يريد فقط أن يفاوض لكن حرصه على اجتذاب إيران وإرضائها سيكون بالضرورة على حساب حلفائه.

This entry was posted in دراسات سياسية وإقتصادية, ربيع سوريا. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.