إعادة صناعة عطر رافديني عمره 3200 سنة !!

إعادة صناعة عطر رافديني عمره 3200 سنة !!

بقلم : عضيد جواد الخميسي

كانت عالمة الكيمياء الأولى في تأريخ بلاد الرافدين امرأة مميزة تُدعى
“تاپوتي Tapputi “
، وهي الصانعة الأولى للعطور في العالم منذ حوالي 3200 سنة. ومن خلال تجربة باستخدام وصفة عطر من بلاد الرافدين ابتكرتها تاپوتي ومنقوشة على لوح طيني قديم ؛ نجح فريق مكوّن من 15 عالماً في إعادة صنع أحدى الروائح في المختبر مُستعيناً بتلك الوصفة.

قام العلماء الأتراك الذين يعملون بالتعاون مع أكاديمية الروائح التركية وجمعية ثقافة العطور
(Koku Akademisi ve Koku Kültürü Derneği)
بإجراء بحث مكثف حول فكرة تاپوتي في صناعة العطور. وكان هدفهم من ذلك ؛ فهم التفاصيل الدقيقة حول أولى الخطوات التي ابتدأتها تاپوتي في صناعة عطورها . وقد حقق الفريق المشترك بعض النتائج الأولية الناجحة إلى الآن ، على الرغم من استمرار الجهود المبذولة في ترجمة كامل النصّ، والتفسير العلمي لتركيبة تابوتي التاريخية.

وجد علماء الآثار اسم تاپوتي منقوشاً على زوج من الألواح الطينية المسمارية المُكتشفة خلال عمليات التنقيب في مناطق جنوب تركيا ، والتي كانت جزءاً من الامبراطورية البابلية في الألفية الثانية قبل الميلاد. والألواح كانت تحمل عنوان “تاپوتي ـ بيلا ـ تاكيلم” ، بمعنى (تاپوتي مشرفة القصر). ويعود تاريخ هذين اللوحين إلى حوالي عام 1200 قبل الميلاد ، ومن مضمون النصوص؛ وُصفت تابوتي بأنها أول كيميائية معروفة ومنتجة وخبيرة للعطور في بلاد الرافدين ، وهي ألقاب غير مسبوقة لامرأة عاشت في ذلك الوقت من التاريخ .

لقد كشفت الألواح أن تاپوتي ولصنع عطورها القديمة ؛ استخدمت مزيجاً لأنواع مختلفة من الزهور ، الزيت ، الوجّ
(قصب عطري Calamus) ،
السُعد (Cyperus )
، المر( مادة صمغية نباتية Myrrh )
، الفجل ( فجل الخيل Horseradish )
، عشبيات، والبلسم . فمن تلك المكونات المحددة ؛ كانت تاپوتي تعمل خلطاتها المختلفة مع الماء أو مع المذيبات ، بعد ذلك تقوم بترشيح كل خلطة ثم تقطيرها عدة مرّات، لتحصل على منتجها العطري النقي . ومن هذا الخليط المعقّد عن عطور بلاد الرافدين ؛ تمكن فريق العمل في النهاية وبنجاح من إعادة تحضير إحدى وصفات العطور بالكامل .

أوضحت خبيرة العطور القديمة ورئيسة أكاديمية الروائح “بيهتر تركان إرگول” في مقابلة مع صحيفة (حرييت ديلي نيوز) المنشورة في عددها الصادر 25 / 7 / 2022 .

” في هذين اللوحين ، تمكنّا من العثور على إجابات لأسئلتنا مثل؛ كيفية إنتاجها للعطور، وعن عملية التقطير. وكانت كل كلمة مكتوبة على اللوح ؛ تثير فينا أحاسيس مختلفة ، وعندما شممنا ذلك العطر في المختبر ، أرفقنا برحلة إلى عالم تاپوتي .”

كجزء من خطوات عملها تكشف الخبيرة إرگول ، إن تاپوتي كانت تصنع عطورها عندما يكون القمر بدراً ، وهي تبحث في التواصل مع النجوم عند سماء الليل .

كان هذا الجانب الروحي لنشاطها في صناعة العطور؛ يُعد واحداً من أسرار عديدة التي تمّ الكشف عنها أثناء ترجمة اللوحين ؛ وهما يبينان الطريقة المبتكرة في عمل تاپوتي .وقامت إرگول وفريقها من الخبراء بترجمة اللوحين بـ 27 صفحة ، وذلك عندما تم العثور عليهما خلال أعمال التنقيب بالقرب من مدينة حرّان في تركيا ، والتي تُعدّ مركزاً حضرياً مهماً في بلاد الرافدين القديمة.

وأفادت إرگول بقولها :

“بصفتنا جمعية لثقافة العطور ، فإننا نحافظ على تقاليد العطور التي كانت معروفة في تلك الأراضي . كما نحن نعيش على أرض لها ثقافة عطرية عمرها 8000 سنة “.

كما أشارت خبيرة العطور إلى أن ؛ هناك مئات الألواح الطينية التي تتعلق بإنتاج العطور في بلاد الرافدين القديمة والتي اكتُشفت أثناء عمليات التنقيب ، ولا يزال هناك الكثير من العمل لترجمتها جميعاً .

وأضافت إرگول في تصريحها كما ورد في الصحيفة :

“أن السبب الرئيسي وراء ثراء بلاد الرافدين بثقافة الروائح العطرية هو تربتها الخصبة. فعندما ننظر إلى الحضارات السومرية والبابلية والآشورية والحثية والسلجوقية والعثمانية، والدولة التركية الحديثة ؛ نجدها حضارات عطرية. ونحن نعمل على هذا المشروع منذ حوالي ثلاث سنوات لنبحث عن ثقافة العطور في بلاد الرافدين . ومن خلال أبحاثنا المستمرة ، توصلنا إلى أن تاپوتي؛ هي أول صانعة عطور معروفة بالاسم في العالم “.

بالإضافة إلى إرگول ، شارك 15 خبيراً في هذه الدراسة الجديدة حول تاپوتي وصناعتها المبتكرة . ومن بين هؤلاء البروفيسور “محمد أونال” ، عالم الآثار من جامعة أوزيگين الذي قاد مجموعة التنقيب في حرّان ، وبمشاركة البروفيسور “جينكر آتيلا” ، وهو عالم آثار من جامعة سيڤاس جمهوريت ، وخبير في أعمال الخزف القديم و الزجاج والعطور.

وقد تمت دراسة القطع الأثرية المكتشفة سابقاً وترجمتها بعد ثلاث سنوات من الجهد الجماعي المتواصل .

وأوضح آتيلا في سياق حديثه عن اللوحين المذكورين :

“هناك نوعان من الألواح في العالم يحملان اسم تاپوتي ؛أحدهما لدى متحف اللوفر في باريس ، والآخر لدى متحف البنات في ألمانيا. اللوح الذي في متحف اللوفر، يذكر أن تاپوتي كانت صانعة للعطور تعمل عند الملوك. أمّا اللوح الآخر الذي في ألمانيا؛ولسوء الحظ فقد كان متضرراً إلى حد النصف عند اكتشافه . على الرغم من ذلك ، فقد توصلنا إلى أن تاپوتي كانت لديها مُساعِدة متخصصة في التقطير ينتهي اسمها بـ نينو “.

عندما حددً المعنيون ما يكفي عن جميع المكونات المستخدمة في واحد من عطور تاپوتي ، فإن تجاوز هذه النقطة كانت يمثل تحدياً لهم . وقد سلّط البروفيسور آتيلا الضوء على مشكلتين واجههما فريقه أثناء محاولتهم معرفة المزيد عن تاپوتي وعطورها ؛ حيث قال :

“أولى الصعوبات التي واجهناها كانت في أن أحد اللوحين فيه تلف جزئي ، بذلك نكون قد فقدنا بعض المعلومات المهمة. والصعوبة الثانية تتمثل في أن بعض النباتات والمعدات المستخدمة منذ 3200 سنة ؛ في الحقيقة ليست لدينا فكرة عنها . فعلى سبيل المثال لا الحصر؛ نحن لا نعرف بالضبط ما هو الوعاء “هرسو”. ومع ذلك ، طالما استخدم في عمليات التقطير ، بالتالي يجب أن يكون وعاءً مثل إناء للزهور على سبيل التقريب. بالإضافة إلى ذلك ، وإننا في الحقيقة لا نعرف الأسماء الحالية لبعض العشبيات والزهور التي دخلت في إنتاج العطور، وهذه تبدو مشكلة صعبة “.

ان الانتقال من فك شفرة الصيغ وحيثيات العمل في اللوحين ؛ يمثل خطوة كبيرة إلى الأمام في إعادة تصنيع العطور القديمة في المختبر. وقد نجح الأمر تماماً من خلال تجربة واحدة حتى الآن . ويأمل الباحثون في أن يتمكنوا من إحياء المزيد من العطور والروائح في المستقبل ، مما سيوفر دليلاً صادقاً على مهارة تاپوتي؛ كأول صانعة عطور معروفة في العالم .

المصدر : موقع علم الآثار القديم .

About عضيد جواد الخميسي

كاتب عراقي
This entry was posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.