إشارات سِفر يهوديت ج0 مُقدّمة


بقلم✍️ رياض الحبيّب؛ خاصّ: مُفكّر حُرّ
…….
هذي المقدّمة تمثّل ملخّص مقدِّمات عدّة أو افتتاحيّات لسفر يهوديت عبر التاريخ المسيحي. سأبدأ أوّلا بمقدّمة الخوري يوسف داود السرياني الموصلي الكاثوليكي لأنها الأقدم بين المتوفر لديّ وعلى الانترنت؛ إذْ دوّنها الخوري ما قبل سنة 1875 إذْ صدرت خلالها ترجمة الكتاب المقدَّس إلى العربية بقلمه. عِلمًا أني أتجنّب التكرار قدر الإمكان. وهذا يعني وجود معلومات مشتركة بين المقدِّمات المختلفة بأقلامها أو شخصيّاتها. فالتكرار عندي ليس من البلاغة وليس من سِمات قلمي المتواضع
ــــــــــــــ
سِفر يهوديث سواء بالثاء أو التاء: [ثاني سِفر من الأسفار التي يُقال لها “القانونية الثانية” أي التي لا يدرجها اليهود في قانونهم العبراني. وكان هذا السفر موجودًا يومًا باللغة السريانية التي يسمّيها اليهود الكلدانية. لأنّ القدّيس هيرونمس (إيرونيموس، جيروم) استخرج هذا السفر إلى اللاتينية من نصّ كلداني كما ذكر هو في مفتتح كتابه. ولا يُعلَم بتحقيق مؤلِّف هذا السفر ولا زمانه ولا اللغة التي كُتِب فيها. والأقرب إلى التصديق هو أنه كُتِب في الأصل باليونانية. إلّا أننا في تحريرنا النّصّ العربي لمّا رأينا أن النص اليوناني الموجود الآن مختلف في مواضع شتّى من الترجمة اللاتينية المسمّاة الولغاتا (الڤولگاتا) فضّلنا قراءة هذه الترجمة على قراءة النّصّ اليوناني للسبب الذي ذكرنا في ترجمة سفر طوبيّا



أمّا ملخّص ما تضمّن هذا السفر فهو أنّ أليفانا- رئيس عساكر بختنصَّر ملك نينوى- لمّا أتى إلى أرض اليهودية ليستولي عليها وحاصر مدينة بيت فالو وارتعب بنو إسرائيل منه وانكسرت قلوبهم، حَرَّك الله أرملة اسمها يهوديث لتتقدَّم وتنقذهم. وذلك أنها بعدما صلّت وصامت دخلت معسكر الآثوريّين (الآشوريّين) لابسة أفخر الثياب حتّى بلغت إلى حضرة أليفانا فعَلِقَ قلبُه بها وشرب ممّا أتته به حتّى غرق في النوم. فقطعت رأسَه ورجعت به إلى بني إسرائيل سالمة ظافرة. هكذا نالت أن تُرعب قلوب الآثوريّين حتّى أنهم انهزموا. ونجا شعب الله مِن هَولهم

إنّ يهوديث في هذا السفر المقدَّس تُعرَض علينا بمنزلة قدوة جليلة في فضائل كثيرة ولا سيّما الإيمان والثقة بالله والمحبة الأخوية والعِفّة والتقوى والشجاعة ورزانة العقل. إلى غير ذلك ممّا جعل الآباء القدّيسين يلهجون بوصف هذه المرأة العجيبة ويجعلونها صورة سيّدتنا مريم العذراء المغبوطة. حتّى أنّ الكنيسة المقدَّسة تنسب إلى هذه البتول السعيدة المدائح التي هنّأت بها الأمّة الإسرائيلية يهوديث وبجّلتها في انتصارها على العدوّ]- بقلم الخوري يوسف داود

وتعليقي- أوّلا- على قول الخوري “فضّلنا قراءة هذه الترجمة على قراءة النّصّ اليوناني…” هو كما ذكرت في أزيد من مناسبة؛ أنّ الكتاب المقدَّس معنيّ بالروح لا الحرف [انظر-ي 2كورنثوس3: 6] لهذا فلا شكّ في أنّ الاختلاف المقصود هو على الحرف وصياغته ووضوحه لا على روح الكتاب المقدَّس، أي ليس الاختلاف على معاني هذا الكتاب أيّا كانت لغة الترجمة وأيًّا كانت جنسيّات المترجمين ودرجاتهم الوظيفية. لعلّ خير دليل هو ترجمة الملك جيمس للكتاب المقدَّس التي لا يفهم بعض كلماتها الانگليز من جيل اليوم، لأن فيها مفردات قديمة فلا أحد منهم يستخدمها. وهذا ما لاحظت شخصيّا في اللغة اليونانية يوم زرت اليونان أزيد من مرة خلال التسعينيات، فاللهجة اليونانية الجديدة هي غير القديمة التي دُوِّنت بها أسفار العهد الجديد! وهي أيضًا غير التي تُرجَم إليها الكتاب المقدَّس العبري بأقلام 72 حَبرًا يهوديّا، ما اضطر أهل الترجمة إلى ترجمة الكتاب المقدَّس بلغة العصر المفهومة لدى العامّة ما بين حقبة زمنية ما وبين أخرى

ثانيًا- لهِجَ بالأمر: [أَولع به فثابَرَ عليه واعتاده]- عن معجم المعاني الجامع؛ آثرت اقتباس المعاني من هذا القاموس لأنّه متيسّر على الانترنت فيستطيع القارئ-ة الرجوع إليه للتأكّد بنفسه من صحة المعنى
ــــــــــــــ
هذا واقتطفت التالي من مقدّمات أخرى- أرثذوكسية: [كتب هذا السفر كاتب يهودي جمع بين الملاحظة الدقيقة للناموس مع الروح الوطنية القومية، والكاتب غير معروف، لكن يحسن بنا أن نتخيلّ أن يهوديت نفسها قد دوّنت ما حدث ووضعته ضمن الهدايا التي أوقفتها على الهيكل إذ تلقّتها كهدايا تذكارية من مَتاع أليفانا. وهذا رأي القديس إيرونيموس

حدد العلماء الفترة التي لا بُد من أن السفر كُتِب خلالها، ممتدة من القرن السابع قبل الميلاد، ولهم في كل قرن من تلك القرون الستة دلائل استندوا عليها

إن اليهود ولو أنهم لا يعترفون بقانونية سفر يهوديت، إلّا أنّ القصة معروفة لديهم ويُذكَر السفر في ليتورجية عيد الحانوكّا، وهو عيد تجديد الهيكل (انظر-ي يوحنّا10: 22) بواسطة يهوذا المكابي في 25 كسلو (ديسمبر) وتظهر القصة عندهم في أشكال متعددة في نصوص مدراشيم صغيرة بالعبرية وقد تمّ طبع بعضها. ويشير القديس كليمندس الروماني إلى السفر في رسالته إلى أهل كورنثوس- الفصل 55: 4 و5- باعتباره معروفًا. ويحتجّ اليهود على السفر لأنه لم يكن موجودًا في عصر عزرا الكاتب، وكذلك لأن يوسيفوس- المؤرخ اليهودي- لم يورده في قائمة الأسفار التي ذكر، لكن يجب الانتباه هنا إلى أن بعض الأسفار القديمة لم يعثر عليها عزرا عندما جمع الأسفار المقدسة، ربما بسبب الشتات، كما أن البعض الأخر لم يكن مكتوبًا بعد، ومنها: سفر يشوع بن سيراخ وسفرَا المكابيّين. أمّا يوسيفوس فقد أشار إلى أن هذه الأسفار- مثالًا: يهوديت- كانت موقّرة عند اليهود وإن كانت ليست بمرتبة الأسفار الأخرى، مع الملاحظة أن من بين الأسباب التي جعلت اليهود ينظرون إلى الأسفار التي ظهرت بعد عزرا نظرة شكّ هو عدم ثقتهم في الكتبة الذين ظهروا في تلك الحقبة

على رغم انتشار قصة أستير أكثر من قصة يهوديت، فإن السفرين متساويان في القيمة والمضمون، لكن أحداث سفر أستير وقعت في البلاط الإمبراطوري بينما وقعت أحداث يهوديت في مدينة صغيرة غير مشهورة

وعلى رغم موقف البروتستانت المعادي للسفر فإنهم قد أقرّوا بصلاحيّته للتعليم، بل أن الناقد البروتستانتي و. والف (أو ڤالف) قد دافع عن السفر وتاريخه، كما دافع عنه العالم جي. أل. بور والسفر يزداد تأييدًا بين البروتستانت مع الوقت. لكن الذي تجب الإشارة إليه هنا هو أن كنيسة الإسكندرية كانت على مرّ التاريخ بعيدة عن الصراع حول قانونية السفر، حيث قبلته منذ البداية مستندة في ذلك على قوانين الآباء الرسل وتعاليمهم، كذلك على المجامع المقدسة وقدّيسيها الأوائل

وفيما يلي قائمة بالمجامع التي أقرت قانونية السفر:- 1مجمع نيقية سنة 325م 2مجمع هيبو سنة 393م 3مجمع قرطاجنة الأول سنة 397م 4مجمع قرطاجنة الثاني سنة 419م. ومن مجامع الكنيسة الكاثوليكية:- 5مجمع فلورنسا سنة 1124م 6مجمع ترنت سنة 154م واعتبر الفولجاتا هي الترجمة المعتمدة لدى الروم والكاثوليك 7مجمع القسطنطينية سنة 1642م (مجمع الروم) 8مجمع الفاتيكان الأول سنة 1870م

وورد السفر كذلك في قوانين الآباء الرسل- هيبوليتس- وضمن لائحة الكتب القانونية التي وضع إينوشنسيوس- بابا روما- سنة 405م كما وردت هذه الأسفار ومن بينها سفر يهوديت في قوانين الشيخ الصفيّ بن العسال في مصر وقوانين العلّامة شمس الرياسة المعروف بابن كبر. أمّا بخصوص الكنائس الأخرى فقد عقدت الكنيسة اليونانية مجمعًا في أورشليم سنة 1672م برئاسة البطريرك دوسيناوس حيث أيّد قرارات المجامع السابقة. وأمّا الكنائس الهندية والحبشية والأنجليكانية في إنجلترا فهي تقرّها بطبيعة الحال

وأمّا القدّيسون والعلماء الذين أقرّوا قانونية السفر واقتبسوا منه في تعاليمهم وكتاباتهم، فإليك قائمة بأسماء بعضهم بالإضافة إلى القديسَين كليمندس الروماني وإيرونيموس المذكورَين: كليمندس السكندري، العلامة ترتليانوس، العلامة أوريجانوس، أثناسيوس الرسولي، أمبروسيوس، أغسطينوس، باسيليوس الكبير، البابا غريغوريوس الكبير، يوحنا ذهبي الفم]- عن شرح الكتاب المقدس- الأنبا مكاريوس الأسقف العام- تفسير سفر يهوديت- المقدمة

وتعليقي أوّلًا- تجد-ين أيضًا في شرح الأنبا المذكور كلّا ممّا يأتي: القيمة اللاهوتية للسفر، صفات الله المذكورة في السفر، القيمة الليتورجية للسفر وقيم إيمانية أخرى، الصلاة، التسبيح، العفّة، الصوم، اقتباسات العهد الجديد من السفر، أوجه الاعتراض على السفر ومناقشتها، المسألة الجغرافية في السفر، بقية الاعتراضات

ثانيًا- البابا إينوشنسيوس الأوّل (رقد سنة 417م) المذكور هو أيضًا قدّيس لدى الكاثوليك [كانت حبريته سلسلة اعمال مجيدة في تاريخ الكرسي الرسولي. كان شديد الحرص على تقاليد الكنيسة. مُحبّا للفقراء. غيورًا على الكنائس. له رسائل عدة وبراءات جزيلة الفائدة. ويُعزَى اليه منع قبول الدرجات المقدسة عمّن يتزوج ثانية، وفرض الصيام يوم السبت، تذكارًا لقبر المخلّص وحزن سيدتنا مريم العذراء والرسل. وإثبات التقليد بامتناع الكهنة عن التقديس يوم الجمعة العظيمة. وحدّد الاسفار المقدسة القانونية التي تلتزم الكنيسة باعتبارها والتقيّد بها]- عن مجلة مسيحية فلسطين

ثالثًا- الشيخ الصّفيّ بن العسال؛ كنيته: أبو الفضائل، من أولاد العسّال الثلاثة ومن علماء الأقباط فى القرن الـ13 أمّا العلّامة “ابن كبر” فهو القسّ المؤتمن شمس الرئاسة أبو البركات؛ ترك خدمة بيبرس الدويدار- السلطان البندقداري- وسِيمَ كاهنًا لكنيسة العذراء الشهيرة بالمعلَّقة في حيّ مصر القديمة. فاهتم بالرعاية الروحية للشعب، كما وضع مؤلفات تكشف عن شخصه كعالم فاضل ولاهوتي ضليع ومؤرخ كنسي، وقد رقد سنة 1323م
ــــــــــــــ
والجدير ذكره ممّا قد يلفت الانتباه هو ما يأتي تحت عنوان- لماذا رفض اليهود سفر يهوديت؟: [رأى بعض حكماء اليهود القدامى في شخصيتها خطورة على المجتمع اليهودي! فمع أمانتها للناموس بحرفية لكنها لم تكن مدققة في طرق سلوكها حسب التقليد اليهودي بل لم تخشَ سوى يهوه (الله) وحده؛ إذ قامت بتوبيخ قادة المدينة، كما قامت بالتخطيط والتنفيذ دون أن تبوح بما في قلبها وفكرها حتى لقادة بلدها… إلخ. فتساءل بعضهم: ماذا يكون حال المجتمع اليهودي لو اقتدت النساء جميعهن بيهوديت؟
ماذا يكون الحال إن صار مِن حقّ النساء توبيخ قادة المجتمعات وكانت لهنّ الجرأة للتخطيط والتنفيذ في أمور تتعلق بالبلد كلّها في سرّيّة، دون إباحة ما في أفكارهنّ للقادة؟
ماذا لو رفضت النساء الزواج مثل يهوديت؟
ماذا لو صارت للنساء ملكيّتهنّ من أموال وعبيد وجَوار- إماء؟
ماذا لو استأجرت النساء وصيفات يدبّرن أموالهن مثلما فعلت يهوديت؟
فتخيّل الحكماء القدامى أن نساء المجتمع سيتمثّلن بيهوديت حاملات مواهبها وقدراتها

وتحت عنوان- قصة يهوديت حقيقة تاريخية كما يقول الكاتب ليهي: إنها تاريخية حسب التقليد اليهودي والمسيحي ومفسِّري الكتاب المقدَّس إلى القرن الـ16
التفاصيل التاريخية والجغرافية والخاصّة بالأحداث والأنساب تشير إلى أن القصة تمثل واقعًا تاريخيًا. وقد تحدَّث الكاتب كَيري أ. مور عن نسل أحيور بكونهم أحياء في عهده (يهوديت14: 6) وأنّ الاحتفال السنوي مازال في أيامه قائمًا حيث يمجدّون نصرة يهوديت16: 31
هذا وقد قَبِل بعض الدارسين هذه القصة بكونها واقعية لأنها لا تحمل معجزات خارقة. وكتب كيري مور “دمار هولوفرنيس تحقق خلال مجهودات بشرية أكثر ممّا تحقّق بتدخل إلهي معجزي. ولتأكيد ذلك فإن يهوديت وشعبها دعوا الله بالصلاة والصوم! ومع هذا فقد تحققت النصرة بشجاعة قاتلة ومَكر. وبينما اعتبر بنو إسرائيل كلهم ومن بينهم يهوديت أنّ الفضل الأوّل هو لله، اعتبروا أيضًا باتفاق جماعي أنّ يهوديت كانت وسيلة لتحقيق ذلك]- عن شرح الكتاب المقدس- القمّص تادرس يعقوب- تفسير سفر يهوديت- المقدمة

وتعليقي: تجد-ين في هذه مقدّمة القمّص تادرس عناوين كما تقدّم في “مقدّمة الأنبا مكاريوس” بالإضافة إلى معلومات أخرى
ـــــــــــــــــــــ
تمّت ب ظ الـ12 من نوفمبر2018

About رياض الحبَيب

رياض الحبيّب ّخاصّ\ مفكّر حُر شاعر عراقي من مواليد بغداد، مقيم حاليًا في إحدى الدول الاسكندنافية. من خلفية سريانية- كلدانية مع اهتمام باللغة العربية وآدابها. حامل شهادة علمية بالفيزياء والرياضيات معترف بها في دولة المهجر، وأخرى أدبية. حظِيَ بثناء خاصّ من الأديب العراقي يوسف يعقوب حداد في البصرة ومن الشاعر العراقي عبد الوهاب البيّاتي في عمّان، ومارس العمل الصحافي في مجلة لبنانية بصفة سكرتير التحرير مع الإشراف اللغوي. بدأ بنشر مقالاته سنة 2008 إلى جانب قصائده. له نشاطات متنوعة. ركّز في أعماق نفسه على الفكر الحُرّ الراقي وعلى حقوق الإنسان وتحديدًا المرأة والأقلّيات وسائر المستضعَفين أيًّا كان الجنس والعِرق والاتجاه
This entry was posted in فكر حر. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.