إشارات سِفر طُوبيّا ج10 تأخّر طوبيا ووصيّة رعوئيل وحَنّة لابنتهما


بقلم: رياض الحبيّب، خاصّ- مفكّر حُرّ
…….
نقرأ في مقدمة ترجمة الأصحاح العاشر من سِفر طُوبيّا إلى العربية بقلم الخوري يوسف داود عن همّ والدَي طوبيّا لسبب تأخّره عن العودة إليهما. لجاجة طوبيا إلى رعوايل في الرجوع ونوال الإذن في ذلك. انصرافه مع زوجته وجهازها. توصية رعوايل وحنّة لها
…….
إليك نصّ طوبيا\10 عن موقع الأنبا تكلا وعن ترجمة الخوري
1ولمّا أبطأ طوبيا هناك لسبب العرس، قلق أبوه طوبيا (كان أبوه طوبيا مهمومًا) وقال: لماذا ترى أبطأ ابني؟ وما الذي عاقه هناك؟
2ألعلّ غابيلوس قد مات وليس من يردّ له المال (الوزنات)؟
3وأخذه حزن شديد هو وحنّة امرأته، وطفق كلاهما يبكيان لتخلّف ابنهما عن الرجوع في يوم الميعاد
4وكانت أمّه تبكي بدموع لا تنقطع وهي تقول: آهِ أَوْهِ يَا بُنَيَّ، لماذا أرسلناك في الغربة يا نور أبصارنا وعكّازة شيخوختنا وعزاء عيشتنا ورجاء عَقِبنا (نسلِنا)؟
5لقد كان لنا فيك وحدك كلّ شيء، فلم يكن ينبغي لنا أن نرسلك عنّا
6فكان طوبيا يقول لها: اسكتي ولا تقلقي (لا تحزني) إن ابننا سالم والرجل الذي أرسلناه معه ثِقة (أمين) جدّا
7فلم يكن ذلك يفيدها أدنى تعزية، وكانت كلّ يوم تقوم مسرعة فتتشوّف من كلّ جهة، وتنظر في جميع الطرق التي كانت تظنّ أن ابنها يرجع منها لعلّها تراه عن بُعد مقبلا


8وأمّا رعوئيل فقال لصهره: امكث ههنا وأنا أنفذ إلى طوبيا أبيك مَن يخبره بسلامتك
9فقال له طوبيا: إني لأعلم أن أبي وأمّي يحسبان الأيام وأرواحهما معذّبة قلقا- في حزن شديد
10وبعد أن أكثر رعوئيل من الإلحاح على طوبيا، فأبى- طوبيا- أن يسمع بوجه من الوجوه، أعطاه سارة ونصف أمواله كلّها مِن غلمان وجَوارٍ (إماء) ومواشٍ وإبل وبقر وفضّة كثيرة، وصرفه من عنده بسلام فرِحًا
11قائلا (وقال له) ملاك الرب القدّوس يكون في طريقكما، ويبلغكما سالمين (ويوصِلكما بعافية) وتجدان كلّ شيء عند أبويكما بخير، وترى عيناي بنيكما (أولادكما) قبل موتي
12وأقبل الوالدان على ابنتهما يقبّلانها ثم صرفاها- وَدَّعاها
13وأوصياها أنْ تُكْرِمَ حَمَوَيْهَا، وتحبّ بَعلها (زوجها) وتدبّر عيالها، وتَسُوسَ بيتها، وتحفظ نفسها غير مَلومة
ـــ
واخترت “شرح الكتاب المقدس- العهد القديم- الأنبا مكاريوس الأسقف العام” تحت عنوان- عودة طوبيا إلى نينوى- ففي تفسير الآيات 1-7 أنّ من المؤكد أنّ طوبيا الذي ألِفَ السَّفَر إلى تلك المناطق عارفًا كم تستغرق الرحلة في الذهاب والعودة، وإذا كانت المسافة بين نينوى وراجيس تبلغ 360 كم فإنه يمكن قطعها في أسبوع (حوالي 25 كم في اليوم الواحد) ومثلها أسبوع عند العودة، مع بضعة أيام إضافية لدى جعبئيل (غابيلوس) وربما بدأ طوبيا في القلق من بعد مضيّ عشرين يومًا على سفر ابنه. لم يضع في الحسبان مسألة زواج ابنه، بل لم يشر إليها أساسًا في حديثه مع ابنه قبل سفره. هكذا لم يتوقع أن تسير الأمور على النحو الذي سارت عليه
وطوبيا الشيخ إذْ لم يقابل جعبئيل منذ مدة طويلة جعلته لا يعرف أخباره، قد توقع موته وأنّ مشكلة ما ربّما واجهت طوبيا مع ورثة غابيلوس

أما حَنّة- زوجته- فقد صارت نهبًا للهواجس بسبب غياب ابنها؛ فها هي تبكي بحرقة وتبكّت نفسها لأنها وافقت على سفر ابنها، فقد خسرت الحياة الناعمة عندما كان زوجها مؤثرًا، ثم فقد زوجها بصره ومن ثم فقد اضطرّت للعمل لتقوت الأسرة، وها هو الابن الوحيد المتبقي لها في الحياة يتعرض للضياع بل ظنت أنه مات، فبكت وأبت أن تتعزى {تغرسين بعد كرومًا في جبال السامرة. يغرس الغارسون ويبتكرون}+ إرميا31: 5، {صَوْتٌ سُمِعَ فِي الرَّامَة، نوح وبكاء وعويل كثير. راحيل تبكي على أولادها ولا تريد أنْ تتعزّى، لأنهم ليسوا بموجودين}+ متّى2: 18 إنه الضعف البشري وعاطفة الأمومة الجارفة نحو الأولاد… إلخ
ـــ
وفي تفسير الآيات 8-12 في وسط هذا المحفل البهيج وبعد نجاح المهمة في استرداد الوديعة المالية، لم ينس طوبيا أن والديه يترقبان عودته بقلق بالغ، وهو يرفض عرض رعوئيل في إرسال مَن يخبر أباه بتلك الطائفة من الأنباء السارة
لا شكّ في أن حلول طوبيا في ذلك البيت قد جلب إليه السعادة، وأدخل البهجة على كل من فيه، من بعد طول وحشة واجترار للآلام النفسية. من هنا كان عذر رعوئيل في محاولة الإبقاء على طوبيا أيّامًا أخرى. وهكذا فإنّ حفاوة رعوئيل وكرمه لم تُنس طوبيا مشاعر والديه وقلقهما، بل توسَّل إلى رعوئيل ليطلقه بسلام؛ هكذا ألحّ ألعازر الدمشقي على بَتُوئِيلَ في أن يطلقه ليفرح سيده إبراهيم بنجاح مهمّته قائلًا: {لا تُعَوِّقُونِي والرَّبُّ قد أنجَحَ طريقي. اصرِفوني لأذهَبَ إلى سَيِّدي}+ تكوين24: 56 وكذلك يعقوب إذْ أنّت أحشاؤه إلى أرضه فطلب إلى لابان أن يصرفه مع زوجتيه وأولادهما قائلًا: {اصرفني لأذهب إلى مكاني وإلى أرضي}+ تكوين30: 25 … إلخ
ومن هدايا رعوئيل لطوبيا وسارة بمناسبة زواجهما، يتضح أن الرجل كان ثريًّا جدًّا، له أملاك واسعة، غير أنه استهان بكل ذلك في سبيل سعادة ابنته، ولا سيّما مع شخص موثوق به- طوبيا- ويعود بنا مشهد القطيع الذي خرج مع طوبيا وسارة بركْب إبراهيم وهو راجع من مصر، وركْب يعقوب وهو عائد من عند خاله لابان
لا تكمل سعادة الكنيسة بعريسها إلّا في مجد الآب وعن يمينه: {خَرَجْتُ من عند الآب، وقد أتيت إلى العالم، وأيضًا أترك العالم وأذهب إلى الآب}+ يوحنّا16: 28 آمين

والجدير ذِكره ممّا في تفسير القسّ أنطونيوس فكري للآيات 10-12 هو أنّ رعوئيل قال لابنته وزوجها {ملاك الرب القدّوس يكون في طريقكما} ولا يدري أن هذا يحدث، لكن الله يستجيب لصلواتنا

وتعليقي: لاحظ-ي قول رعوئيل لطوبيا وسارة عن والدَي طوبيا {أبويكما} وهذا صحيح؛ فوالد الزوج= حَمُو الزوجة هو بمثابة والد الزوجة بالتبعية ووالدة الزوج= حماتها بمثابة والدتها، لأنّ الزوجين {جسد واحد} في ناموس موسى (تكوين2: 24) فعلى الزوجة أن تكرم والدَي زوجها إكرام والدَيها. وينطبق ما تقدَّم على الزوج أيضا من جهة حَمِيه وحماته
ـــــــــــــــــــــ
تمّت مطلع الـ29 من أكتوبر2018 حسب التوقيت الاسكندنافي

About رياض الحبَيب

رياض الحبيّب ّخاصّ\ مفكّر حُر شاعر عراقي من مواليد بغداد، مقيم حاليًا في إحدى الدول الاسكندنافية. من خلفية سريانية- كلدانية مع اهتمام باللغة العربية وآدابها. حامل شهادة علمية بالفيزياء والرياضيات معترف بها في دولة المهجر، وأخرى أدبية. حظِيَ بثناء خاصّ من الأديب العراقي يوسف يعقوب حداد في البصرة ومن الشاعر العراقي عبد الوهاب البيّاتي في عمّان، ومارس العمل الصحافي في مجلة لبنانية بصفة سكرتير التحرير مع الإشراف اللغوي. بدأ بنشر مقالاته سنة 2008 إلى جانب قصائده. له نشاطات متنوعة. ركّز في أعماق نفسه على الفكر الحُرّ الراقي وعلى حقوق الإنسان وتحديدًا المرأة والأقلّيات وسائر المستضعَفين أيًّا كان الجنس والعِرق والاتجاه
This entry was posted in فكر حر. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.