أيهم وكشة الحمام

” أيهم نور الدين “
..
في صيف 1983 كنت أمتلك ألف ليرة بالتمام والكمال وهي مبلغ محترم بمقاييس تلك الأيام .

كانت سوسة الحمام التي تسللت إلى كما تسللت إلى الحارة كلها تؤرقني ..
لم يكن أحد من أخوتي أو أقاربي مشغوفاً بالحمام , ولذا كنت الوحيد الذي ابتلي بهذا الداء وكان على أن أعلم نفسي بنفسي في ذلك العالم الذي يغلب على رواده الخسة إلاّ من رحم ربي .

..
كشة منير هي الأشهر في جبلة , ويبدو أنه ملّها ويريد بيعها جملةً وتفاريق كما أخبرني الأصحاب لأكتشف أن ألف ليرتي اليتيمة لا تشتري ربع طائر من طيور منير الممتازة , وهكذا كان علي أن أبدأ مجموعتي من قهوة الحمام في ساحة أوغاريت باللاذقية .
..
كانت القهوة تعج بالبشر من جميع الملل والأهواء والمشارب وقد ارتمت بعض أقفاص الحمام في الركن .

ما أن دخلت وعلائم الارتباك على وجهي الطفولي حتى سألني أحدهم بلهجة قبضايات حي الصليبة : بدك حمام ما هيك ؟
هززت رأسي بارتباك .
– شو بدك بهالسوسة لك عمي .. الله يلعن الحمام وبلاويه , قديش معك .
– معي ألف
– والألف بجيبك ؟!!
– آي .


– ادع لربك واشكره , فيه كشة بتاخد العقل لعمك أبو علي الجندي الله يرحمه وأهله بدهم فيها ألف ليرة , وأنت زلمة شكلك آدمي , ولهيك ما بدي شي سمسرة .
– لله يكتر خيرك يا عم بس مين أبو علي الجندي ووين الكشة ؟؟
– وطي صوتك , فيه بكري عُمري بالبلد ما بيعرف أبو علي الجندي اللي دوخ الدولة والفروعة سبع دوخات … ااايه , الله يرحم ترابك يا أبو علي , ليكا الكشة هون بالقفص .

قرأنا الفاتحة عن روح المرحوم الشهير واستدرنا نحو قفص يصلح ليكون ملعب تنس فيه ثمانية طيور رمادية كالحة وعلائم الهزال عليها .

– ليك ما أحلاها هالكشة , معروفة بكل اللادئية .

وفتح القفص مخرجاً أول طائر كالح يذكر لونه بجرذان المجاري قائلاً : ما بيجنن هالكشميري
– كشميري شو ؟ .. أنا بدي حمام .

هذا الجواب دل عن جهلي المطبق بهذا العلم الجليل فرد علي :
– ليش شو شايف قدامك ؟!! , بس هاد اسمه كشميري .. كل نوع حمام وإلو اسم شكل .
– كويس يعني ؟
– قال ما كويس ” يهز رأسه بازدراء ” أحلى حمام , وهادا صفي كازندي ” يخرج آخر لا يختلف عنه بالشكل واللون بشيء “
– لك هاد نفسه يا عمو .
– شكلك لسه غشيم بها الشغلة يا روح عمك , ليك كيف هادا عيونه أكبر بشوي ومنقاره أصغر نتفة .

دققت النظر فلم أر فرقاً بين الطائرين لكني خشيت من الاعتراف بجهلي أكثر , فرددت :
– اي والله مظبوط .
– شايف ما أحلاك كيف بلشت تفهم , وهادا بوز مدبج ” يخرج التوأم الثالث ” وهادا اسطنبولي مفلل قلاب , وهادا مجري , وهادا أورفلي , وهدول الاتنين أسود دنب ..

أخرج ثمانية توائم متطابقة بثمانية أسماء مختلفة

– رح انتفلك جوانحهم هلئ منشان ما يهربوا من عندك .
– لك شو تنتفون يا عم , كيف بدهم يطيروا .
– عم قلك غشيم .. بعد أربعين يوم بيطلع ريشون وبيكونوا تعودوا ع السطح عندك .
– ساوي اللي بتشوفه .
..
حملت قفصاً صغيراً متهالكاً يتسع لكدة أو طرنجان وقد تكدست به فوق بعضها ثماني حمامات وعدت إلى الكراج ومنه إلى جبلة .

كنت أعد الأيام منتظراً انتهاء الأربعينية لأبدأ رحلتي مع كش الحمام , كان الزغب قد بدأ يظهر في الأجنحة بينما الكسل والتنبلة بسبب جميع الأمراض يعتري الحمام ..
كان الحمام يقيء الماء كلما حملته , ومصاب بالحمو وتدرن حواف المنقار إضافة لأمراض ( أبو خريون وأبو هدلون ) وأمراض أُخرى لا يعلمها إلا الله .

كان علي تكحيل مناقير الحمام كل يوم بالزيت الحلو وتشميسه بعد العصر لساعتين …
وما عدا ذلك كانت الأمور تسير على ما يرام .
….
جاء اليوم الموعود وقد تحضرت له بصفارة حكم أخذتها من جاري محمد وبشبكة كش مزودة بذراع طويلة .

كششت الحمام فلم يتحرك ثم قفز من جهة إلى جهة …

هجمت عليه بالشبكة فطار بكسل ليحط على أنتين جارنا ” أبو فادي ” .

بدأت أرميه بالبحص وأنا أصفر له فخرج أبو فادي يشتمني بكل ما أوتي قاموس الشتم في الحواري من بلاغة .
..
بقى الحمام على الأنتين حتى المساء ليهبط إلى القن مع أذان المغرب .
..
تكررت القصة في اليوم التالي والأيام التي تليه حتى شكوت الأمر لصديقي أيمن في المدرسة .

كان أحمد شقيق أيمن أحد العتاق في تربية الحمام , وقد وعدني أيمن بإحضاره لمساعدتي وهذا ما كان .

وصل الإثنان قبيل الغروب .. كان وقت تزحزح الحمام عن مكانه التاريخي قد حان

وعندما رأي أحمد هذا المنظر صرخ قائلاً :
– الله لا يعطيك العافية , لك شو هالمصايب اللي لاممها .
– مصايب شو ؟؟ …. كشة أبو علي الجندي أحلى كشة باللادئية , صفي كازندي وكشميري وبوز مدبج ومجري و …..
قاطعني : لك شو عم تحكي … هادا كله قرباطي .
بربك فيه عاقل بيكش قرباطي .. لأ وشو …. أناتي ختايرة , لك هادا الحمام المجلّف حتى تخبيطة للكشة ما بيقبل معلم متل أبو علي الجندي يستعمله , بعدين تعال لقلك , شايف كشة منير …. كلها ما بتعادل نص طير من كشة أبو علي .
– يعني شو
– يعني ضحكوا عليك بقهوة الحمام .

في اليوم التالي ذبحنا الحمام ثم أطعمناه للقطط لأنه لم ينضج حتى بعد أربع ساعات متواصلة من السلق على البابور .

جبلة – حارة التغرة / شتاء 2013

About أيهم نور الدين

أيهم نور الدين اديب سوري
This entry was posted in الأدب والفن, ربيع سوريا. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.