أيهم وقراصنة البحار


” أيهم نور الدين “

عند بداية تسعينيات القرن الماضي كنت قد أنهيت خدمة العلم , وقبلها بقليل أنهيت دراستي نصف الجامعية التي أعطتني شهادة قبيحة المنظر ولا تتيح لحاملها أية وظيفة .

كانت حمى البواخر والسفر على سفن أعالي البحار قد اجتاحت البلدة من جديد بعد الموجة السابقة التي انتهت منتصف السبعينيات .

كان حلم كل شاب في البلدة أن يعمل بحاراً بعد أن عقّدت قبرص ومن قبلها اليونان إجراءات دخول السوريين إليها للعمل بالمياومة في قطف البرتقال والزيتون .

كان السمسار أبو محمود ابن حارة التنابل يمتلك علاقات ممتازة مع قباطنة أرواد وملّاك البواخر في طرطوس كعبد الله صبره وأحمد طبالو وأبو العبد الريس مما جعله محج كل عواطلية البلد ومن ضمنهم أنا , وهكذا قررنا جميعاً الذهاب إليه في منزله فرادى وجماعات لتأمين عقود عمل بحرية لنا عند أصدقائه .

طلب منا أن نقف بالدور وبدأ باستنطاقنا , سائلاً إيانا عن خبراتنا البحرية .

كان أكثرنا خبرة لا يعرف أكثر من تشغيل محرك الفلوكة وتبديلها بصعوبة على وضعي الأناوا والسيا ( أمام – خلف ) , أما أنا فلم أكن أعرف أصلاً معنى أناوا وسيّا , لكنه كما يبدو استلطفني فأخذ يوجه معظم حديثه لي سائلاً إياي عن تحصيلي العلمي , ولما أجبته : معهد متوسط كهرباء , هز برأسه معجباً , وطلب مني الذهاب منذ صباح الغد إلى مديرية موانئ اللاذقية لاستصدار جواز سفر بحري , وهو ما قمت به .

أما باقي الشلة فكان مصيرهم الرفض .

استلمت جواز السفر البحري بنفس الساعة بعد أن دفعت للموظف إكرامية مئة ليرة .

..
التقيت أبا محمود مساءً عند مسمكة بيت البحر التي كان نصفها مخصصاً لبيع وتنظيف الأسماك , ونصفها الآخر لبيع المثلجات والشاي والقهوة .

وعندما دخلت إلى المسمكة سألني أبو صافي صاحب المسمكة بكل جدية : بوظة ولّا سمك , فبادر أبو محمود من الداخل : لا هادا ولا هاد .. كاستين شاي خميرة بزنخة سمك على كيفك .

ضحك أبو الصافي وهو يقول لي : احكِ من الأول انك جايه تشوف أبو محمود .

كان أبو محمود صريحاً , طلب 200 دولار سمسرة لتأمين عقد عمل لي على إحدى بواخر شركة الخط السوري الأوربي , لكنه لن يتقاضى قرشاً قبل توقيعي العقد … ثم قدم لي بعض النصائح لاجتياز المقابلة في الشركة بنجاح وأولها أن أقول أن اختصاصي في المعهد كان كهرباء السفن وهو اختصاص لم تكن سورية تعرفه قط , لكنني لم أمانع في ادعاء هذا طالما أنه السبيل الذي سيؤمن لي عملاً على سفينة .

ويبدو أن هذا التخصص مهم جداً لدرجة أن علي ظاظا ( كان رئيس مخابرات سورية ثم وزير الداخلية قبل أن يتقاعد ويؤسس شركة نقل بحري ) وشريكه محمد الريس ( أبو العبد رئيس غرفة تجارة طرطوس حينها ) طلبا مقابلتي شخصياً على وجه السرعة لتعييني كبيراً للمهندسين الكهربائيين على الباخرة بريهيل التي تعاني من أعطال كهربائية فظيعة على الدوام .

كان علي ظاظا القصير القامة نسبياً أنيقاً وهادئاً لدرجة مبالغ بها , أما شريكه الوسيم أبو العبد الريس ذو العيون الملونة والقوام الرياضي فكانت ثيابه كاجوال وتناسب أدق تفاصيل موضة تلك الأيام .

بدا واضحاً منذ اللحظة الأولى أن الكلمة الأولى والأخير لمحمد الريس , أما علي ظاظا الذي جلس في الركن مستمعاً فلم ينبس بحرف .

ويبدو أنني نلت إعجاب الاثنين حيث طلب مني محمد الريس أن أكون جاهزاً للسفر خلال 48 ساعة لأن البريهيل ( السفينة التي سأتعلم فيها أبجديات الكهرباء التي لم يعطوها لنا في المعهد ) موجودة على رصيف الفوسفات في مرفأ طرطوس , وستقلع بعد 72 ساعة إلى لارنكا ( قبرص ) ثم تتجه بعدها إلى مامايا ( رومانيا ) لنقل حمولة خشب إلى اللاذقية .

ثم سألني إن كان مبلغ 600 دولار مناسب لي كبداية , مسكين أبو العبد الريس , لا يعرف أنني من الطفر سأوافق على العمل بأكلي وشربي ودخاني فقط .

طلب مني جواز سفري البحري ثم اتصل بسكرتيرته طالباً تجهيز عقد كانت صيغته كما يبدو جاهزة سلفاً .

كانت هي المرة الأولى التي أوقع فيها عقداً حقيقياً ذا قيمة , فشعرت بالفخر وكأنني أوناسيس .
…..

وصلتُ ميناء الفوسفات في اليوم الثالث سائلاً عن السفينة بريهيل .

بدت سفينة عملاقة جداً وهي تقف على الرصيف بمهابة وكأنها حاملة طائرات أو مدمرة عسكرية ضخمة مع غاطس مرتفع جداً , من الواضح – حتى لغير الخبراء مثلي – أنها سفينة تفوق حمولتها الخمسين ألف طن .

اقتربت من السفينة , فبدت متهالكة ومتقادمة جداً , أما مساحاتها الداخلية وعنابرها المفتوحة فتبين لي بعد صعودي إليها أنها ضيقة للغاية ولا تتسع لشيء .

ثم علمت من قبطانها محمد أنها من مواليد ما قبل الحرب العالمية , وأن وزنها من الحديد يفوق أضعاف قدرتها على التحميل , حيث لا تتجاوز حمولتها الألف ومئتي طن , بحيث أن السفينة رمزا 2 القزمة التي تبدو كبنتها الصغيرة تمتلك حمولة أكبر.

صدمني ضيق مساحتها وتهالكها .
كان الطاقم مكون من القبطان وأنا وخمس بحارة من بانياس وأرواد يحمل كلٌ منهم لقباً فخماً ( الشيف كوك ” الطباخ ” وهو الكمرتو ” السفرجي ” في الوقت نفسه , والبسطرمّو ” كبير البحارة ” , والشيف أوفيسر , والسكند انجنير , والماركوني ” ضابط اتصال السفينة ” ) وجميعهم أميون لا يقرؤون ولا يكتبون بمن فيهم القبطان , وما من أحد يعرف كيفية استخدام البوصلة غير الموجودة أصلاً , لكنهم جميعاً يجيدون العمل على الراديو وجهاز مورس الذي يدعونه الخشطبّة , ولم يحدث قط أن أخطأ القبطان السبعيني محمد ولا مساعده ” أبو عبد الله السبعيني مثله ” في الرسو على ياطر أي من مرافئ المتوسط كله .

كانت خبرتهم الكبيرة حقاً , معززة بشهادات مزورة يختمها ويجددها لهم بروكر نصاب يأتي من لبنان ليختم وثائقهم ويمنح السفينة نفسها وثائق جديدة وجنسية جديدة بعلم جديد كلما فرت من حجز أو مخالفة جسيمة في أحد المرافئ مما يضطرها لتغيير جنسيتها .

لقد غيرت البريهيل اسمها وجنسيتها أربع مرات خلال الشهور التسعة التي قضيتها على متنها , فقد كانت تحمل جنسية بنما أولاً , بينما كانت جنسيتها الأخيرة تتبع دولة اسمها سان كيتس التي لا يعرف القبطان ولا مالك الشركة أين تقع على الخريطة , لكننا بقينا بين بعضنا نسميها البريهيل .

في هذه الفترة استحصلوا لي على وثيقة من البروكر النصاب تثبت أنني الشيف انجنير الخاص بالسفينة كوني الوحيد الذي يعرف فك الخط لكنهم خصموا من راتبي 300 دولار ثمن الشهادة القيّمة .


تهالكت البريهيل وازدادت أعطالها كثيراً خلال الشهور التسعة التي قضيتها على متنها حتى أننا اضطررنا مرة لعمل أكطرما عند جزيرة رودوس ( الأكطرما تعني بلغة البحر : جر السفينة إلى أقرب ميناء بمعونة سفينة أخرى ) , أما طباخنا اللوطي العجوز فكان طوال الوقت يشتم القبطان في غيابه متهماً إياه بالمثلية الجنسية , وعندما واجهناه بلواطه هو لم ينكر لكنه قال بكل بساطة : صحيح أنا معي داء المحن , بس ما برمي حالي على اللي بيسوى واللي ما بيسوى , هيك بعبي مركزي وبضل بقيمتي واحترامي .

….
كانت حياتنا على السفينة تسير على ما يرام , سفر لا ينتهي من أوربا الجربانة ” قبرص واليونان والبحر الأسود باتجاه سورية وبالعكس ” .. أما موانئ أوربا الحقيقية فكان يستحيل على البريهيل الرسو في أصغر موانئها نظراً لتقادمها كسفينة إضافة لافتقادها للطاقم المؤهل ولأي من بنود سلامة الإبحار .

ومع ذلك كانت البريهيل سفينة نحبها وتحبنا , ولذا حزنا كثيراً عندما علمنا ببيعها كخردة لشركة سكراب في كراتشي بالباكستان لتقوم بتفكيكها وإعادة صهر حديدها .
..
تم تسريح نصف الطاقم , وبقيتُ مع الطباخ والقبطان وزيات المحرك إضافة للبحار الماهر موريس ابن قرية ضهر صفرا , وكانت مهمتنا هي الوصول بالسفينة إلى مقبرتها بكراتشي بأمان , ولما كان مالك السفينة يجيد أكل الكتف ببراعة فقد نجح بتأمين حمولة أغنام إلى مرفأ الحديدة باليمن , إضافة لعقود وهمية عن حمولة مفترضة سنقوم بنقلها من ميناء المكلا إلى طرابلس بلبنان , وبهذه الطريقة نجح بتأمين نفقات وصول السفينة إلى كراتشي دون دفع قرش من جيبه ونجح أيضاً بالتهرب من دفع ضريبة عبور قناة السويس التي تتقاضى رسومها الفادحة من السفن المتجهة من البحر الأحمر إلى المتوسط وليس العكس طالما ثبت لإدارة القناة أن السفينة ستعود من نفس الطريق .

قمنا في كونستانزا بصنع مشارب ومعالف للأغنام على عجل ثم وقفنا ليلاً عند خط نظر ياطر مرفأ فارنا البلغاري القريب جداً منتظرين وصول سفينة الأغنام ربنيون 11 التي يمتلكها وغيرها المليونير الحلبي زيدو , وقمنا بتعليق سقالات عرضية في منتصف البحر بين البريهيل وسفينة زيدو لننقل أكثر من 1200 رأس غنم نوع بيلا روماني مع علفهم خلال أقل من 9 ساعات , لننطلق إثرها بمحاذاة قبرص متجهين نحو بور سعيد ومنها إلى خليج السويس عبر القناة .

كان المرشدون المصريون وطاقم عبّارة الجر لطفاء للغاية وقد حصل كل منهم على خروف وبعض السجائر والويسكي , وما عدا ذلك كان عبورنا القناة التي يصل طولها لحوالي 200 كم سلساً للغاية .

..

وصلنا ميناء الحديدة بعد أسبوعين من الإبحار تقريباً , وقد تحولنا جميعنا – وأولنا القبطان – من بحارة إلى رعاة غنم , كان ثغاء الأغنام الذي لا ينقطع مزعج للغاية ثم اعتدنا عليه , أما الطعام فكنا نذبح خروفاً عند كل وجبة لدرجة أن درايدك السفينة ( سطح السفينة ) أصبح أقرب لمسلخ قذر ذي رائحة لا تطاق , كما كنا من البطر نرمي اللحم الباقي في البحر.

..
سلمنا الأغنام في الحديدة التي لم نمكث بها أكثر من خمسة عشر ساعة لننطلق منها إلى مضيق باب المندب ثم إلى بحر العرب باتجاه المحيط الهندي .

كان مسارنا غبياً للغاية , فقد كنا سفينة متهالكة بطيئة في منطقة قرصنة مرعبة , وهكذا , وبمجرد خروج السفينة من باب المندب واتجاهها يميناً نحو بحر العرب خرجت علينا زوارق سريعة للغاية ومزودة بالرشاشات وهي تطلب منا التوقف … لقد وقعنا في فخ القراصنة , أما الراديو المزودة به السفينة فكان في حالة صمت مطبق نظراً لمجاله الترددي المنخفض جداً ومن المستحيل بالمحصلة طلب النجدة .

كان القراصنة الفارعي الطول والشديدي النحف قد أصبحوا على سطح السفينة ببنادقهم الرشاشة وقنابلهم المتدلية من خصورهم , فاستسلمنا لهم على الفور .

استلم أحد القراصنة دفة السفينة ملتفاً بها ببراعة عكس سيرنا متجهاً نحو مرفأ غير شرعي في منطقة القرن الأفريقي , أما نحن فكنا مذهولين أكثر مما نحن خائفين , وما فتئ القراصنة يطمئنونا طيلة الطريق بأنهم لا ينوون بنا شراً , وأنهم بمجرد التواصل مع مالكي السفينة ودفع الفدية سيطلقون سراحنا .

مساكين هؤلاء القراصنة , لا يعرفون أن مالكي السفينة لن يدفعوا قرشاً , فحتى رواتبنا لم يدفعوها لأكثر من أربعة أشهر , فهل سيدفعون بنساً لافتكاكنا أو لافتكاك سفينة متجهة إلى حتفها في كراتشي .

..
كانت المنطقة التي رست بها السفينة تشبه الجنة لشدة جمالها , واللافت أننا كنا أحراراً في حركتنا ومبيتنا في أكواخنا البسيطة والجميلة فعلاً , كما كانت نوعية الطعام أكثر من رائعة ولم نعرفها قط لا على السفينة ولا في بيوت أهلنا , فالقراصنة الذين سيقبضون من شركة ظاظا وريس ملايين الدولارات ثمناً لحريتنا لم يقصروا أبداً في تدليلنا .

أما أرباب عملنا فوضعوا أذنا من طين وأذناً من عجين متجاهلين كل محاولة للتواصل قام بها القراصنة , حتى أنهم غيروا رقم التلكس الخاص بالشركة , وأما سفارتنا المصونة في الخرطوم , وهي المسؤولة قانوناً عن خدمة الرعايا السوريين في دول القرن الأفريقي فقد قطعت كل محاولة من قبل القراصنة للتواصل معها أيضاً .

يأس القراصنة من استجابة أحد لهم أو حتى من الرد على سلاماتهم بعد أربعة أشهر من المحاولات العقيمة كنا فيها نعيش كعائلة سبع نجوم , ويبدو أننا أفلسناهم لدرجة أن كبيرهم شخصياً جاء لطردنا مع سفينتنا ولسان حاله يقول : يا فكيك , ونحن نقول له بتضرع : استهدي بالرحمن يا زلمه وطول بالك , إلا ما يردوا .

..

في المحصلة وصلت السفينة إلى كراتشي حيث استلمتها منا شركة سكراب آند سكراب العالمية التي قطعت لنا تذاكر العودة إلى دمشق على متن طائرة الخطوط الباكستانية ( بيا ) .

وفي دمشق كانت مذكرات جلب لصالح جميع الأفرع الأمنية تنتظرنا على باب الطائرة .

جبلة – حارة التغرة / ربيع 2012

About أيهم نور الدين

أيهم نور الدين اديب سوري
This entry was posted in الأدب والفن, ربيع سوريا. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.