أيهم وعلبة الأمبولات

” أيهم نور الدين “

..
الفصل الثاني من العام الدراسي 1991 – 1992 في منتصفه .. الانقلاب الربيعي في بدايته أو كاد .

كانت الشعبة الثالثة من الصف العاشر في ثانوية محمد سعيد يونس بجبلة هي الشعبة المدللة .. فمعنا في الصف اثنان من آل مخلوف أحدهما مخلوفي أصلي والثاني ع البيعة إضافةً لعدد لا يستهان به من أولاد الضباط العلويين الكبار وأثرياء السنة ولا أدري كيف جاء حظي لأكون بينهم .

..
كان ناصر ابن العز والأكابر يسافر مع أهله على الدوام إلى أوروبا , أخته تزوجت من دبلوماسي يعمل في السفارة السورية بلندن فسافر مع أهله في عطلة الربيع إلى هناك لحضور العرس وأطالوا المقام شهراً إضافياً .

بدأ الفصل الدراسي الثاني ثم بدأت بعد شهر منه المذاكرات ولم يعد ناصر … وفي يوم ربيعي مشمس بارد شرّف إلى الصف مع أبيه والموجه بعد بدء الحصة الثانية ..
أهلين .. طولت يا زلمة .. بدأنا الحديث معه بهمس وأستاذ العلوم العصبي جداً يشرح الدرس ..
.
– بتحبوا تعطلوا وتروحوا ع البيت ” بادر ناصر بالقول “
– شو ما منحب .. لك ايدنا بزنارك .
– بدنا شي قبضاي يفقع هيدي بالصف , وأخرج من جيبه أمبولة تشبه الحقن الطبية لونها عسلي فيميه .
سألته بفضول : شو هيدي ؟؟ قنبلة ؟؟
– لك شو قنبلة .. هيدي إبرة فسي (( فساء )) .
– شو فسه ؟ هلئ بفسوة بدك ياهن يخلونا نعطل … شو هالجلطة لك ناصر .
– هنت ولَك ابن نور الدين بدك تضل حامل السلم بالعرض , خود فقعها وشوف .
– هات .

كنت جالساً في المقعد الأخير و ناصر أمامي , أمسكت الأمبولة وضربتها بالأرض , انبعث صوت مكتوم تبعته رائحة خفيفة تشبه رائحة البيض المسلوق .. الرائحة أتفه من أن يُعبأ بها

– لك شو هالفسوة الأوربية الناعمة ” بدأنا بالسخرية ” … معك غيرها ..
– معي علبة ونص .
– هات لنشوف .

مد يديه لجيبه وبدأ يخرج عدداً لا ينتهي من الأمبولات , وكلما أعطاني واحدة أضربها أرضاً حتى انتهت كلها .

في هذه الفترة كانت الرائحة قد تنامت لتحاكي رائحة البصل المعفن المشوب بنكهة جزمة بلاستيكية أدمن صاحبها فرك قدميه بالشنكليش لسنين , ثم أصبحت لا تطاق .. وقف الأستاذ فجأة ثم تلفت ببطء وهو يحرك أنفه بطريقة بدري أبو كلبشه , لينفجر صائحاً :: ولاه .. مين فشكا عند الصبح …. اففففف , افتحوا الشبابيك , لعما لهل قلة الأدب , أهاليكن بعتوكن تتعلموا ولاّ تتفسوا بالمدرسة .

كانت الرائحة تتزايد بشكل فظيع .. بدأت أعيننا تدمع وشعر بعضنا بالغثيان كما بدأت الكحات المكتومة من الجميع , وسرعان ما تحولت إلى نوبات لا تتوقف من السعال المشوب بالقيء الواقف في الحلق .

طلعوا كلكم لبره .. ” صرخ الأستاذ وهو يهرب من الصف ” …

خرجنا لا نلوي على شيء … بس القبضاي يرجع يجيب الكتب ..

جاء الموجه ثم المدير وبعض الأساتذة المتفلسفين لكن أكثرهم تحملاً لم يستطع الاقتراب من الباب لأكثر من أربعة أمتار .. المصيبة أن الرائحة بدأت تدخل الصفوف الأخرى … وخلال نصف الساعة التي تلت لم تعد أي شعبة في الطابق تقوى على البقاء في مقاعدها ..

خرج الجميع وساد الهرج والمرج .

بدأت التحقيقات على الفور ..
كان ناصر شهماً , ولم يشأ إقحامي بالموضوع فقال للمدير أنه أحضر معه إبرة فساء من أوروبا وانفجرت دونما قصد في الصف .

صرخ عليه المدير : ولك لا تكذب , متقول إبرة فسي .. ولك ع ذمتي هايا معمل فسي …
لكنه لم يجرؤ على ضربه خشية أبيه المتنفذ الذي حضر في اليوم التالي وطيب خاطر المدير بهدية محرزة , لكن الدراسة بالصف توقفت لأكثر من ثلاثة أيام , وعندما عدنا في اليوم الرابع ظلت رائحة الفساء تلاحقنا لأكثر من شهر .

جبلة – حارة التغرة / شتاء 2013

About أيهم نور الدين

أيهم نور الدين اديب سوري
This entry was posted in الأدب والفن, ربيع سوريا. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.