أيهم وتحضير الأرواح

” أيهم نور الدين “
..
قبل أكثر من عشرين عاماً أحضر شقيقي أحمد المولع بالقراءة كتاب 200 يوم حول العالم لأنيس منصور .

أصابه ولع غريب بالكتاب , فما أن يخرج من البيت حتى يعود ويتابع القراءة ثم يحكي لنا نتفاً من طرائف الكتاب ويعود للقراءة من جديد .

استوقف عقلي المراهق قصة في الكتاب عن تحضير الأرواح بالسلة .. كانت جدتي أم محمود تحوقل وتبسمل وتتعوذ عند كل جملة وفاصلة , طالبة منه السكوت كي لا تأتي (( جماعة بسم الله الرحمن الرحيم )) ويتلبسونا .

كانت طريقة التحضير سهلة للغاية .
صليب خشبي يتم إلباسه قميصاً مهلهلاً وتوضع عليه من الأعلى ورقة دائرية مرسوم عليها رأس آدمي …

يتم وضع خيال المآتة هذا في سلة عادية ويربط بها , فتكتسب السلة نوعاً ما شكلاً بشرياً لشخص كراكوز بدون ساقين .

يغرس في رأس كراكوز عودا ند ويتم إشعالهما حال بدء الطقوس .

يحمل السلةَ شخصان من ذراعيّ خيال المآتة هذا بأطراف أصابعهما وبكل سلاسة بحيث تكون السلة قادرة على التأرجح عند حضور الروح العزيزة , ويُغرس في قسمها الأسفل قلم رصاص ستستخدمه الروح للكتابة لاحقاً .

يقف شخص ثالث أمام السلة ممسكاً ورقة ويضعها أمام قلم الرصاص
..
يقوم أحد المشاركين بالطقوس المطلوبة لتأتي روح من تريد وتتلبس خيال المآتة هذا لتبدأ بالإجابة عن كل ما كان وما سيكون إلى يوم الدين عبر الكتابة بقلم الرصاص المغروس في بطن السلة على الورقة المقابلة له .

كانت الطقوس بسيطة , فكل ما على المستحضر أن يقوم به هو أن يردد عبارة : جالان كون .. جالان بيس
..
أعجبتني الفكرة جداً فحكيتها لمحمد وأيمن اللذَين رفضا التصديق :
– حاجتك جلط ولو .
– والله العظيم مكتوبة بالكتاب وإذا بتحبوا هلئ بعد الغدا تعالوا لعندي منطلع ع السطح ومنساويها .
لانا قليلاً واشترطا رؤية الكتاب أولاً ليطمئن قلبيهما قبل البدء بالطقوس ثم تخليا عن الشرط بعد أيماني المعظمة .

.. اشترط أيمن ( السريع التصديق ) استحضار روح جارنا المخبر البخيل (( أبو فؤاد )) المكروه من جميع أهل الحارة لسؤالها عن مكان أمواله الطائلة التي لم يعثر عليها أحد بعد وفاته .
..
لم أنهِ طعامي بعد عندما أتى محمد وأيمن يصرخان علي لأنزل لهما .. سمعتهما جدتي :
– لعما لهالولاد ما عندهم اهل يربوهم , من بيت شقاع لبيت رقاع , ” ثم تصرخ بهم ” :: ولاه تومي وجيري ( توم وجيري ) قولوا بسم الله الرحيم وانطروا الزلمة ليخلص أكل .
.
أنهيت لقمتي الأخيرة عند الباب .
– بوشكون ع السطح
– ما بدنا .. ما سامع ستك ؟؟ معقول ما قدرت تربيها لهلئ .
– والله لتقبرنا كلنا (( ولم يكن هذا صحيحاً فقد غيبها – رحمها الله – الموت بعد أقل من عام على القصة )) .

صعدنا إلى السطح .
كانت سلة أخي أحمد الموجودة مع قصبات الصيد خاصته مركونة جانب قن الحمام , .. بقى علينا القميص وباقي الترتيبات .. قررت نزع قميصي وإيثار الروح الغالية به .
تذكر محمد : لك من وين بدنا نجيب البخور .
– هاد أسهل شي , عود الند ما في أكتر منه عند ستي , هلئ بشفطلها تنين .
– تمام , ولاتنسى تجيب معك دفتر وقلم والمقص وشوية صمغ .
– عندنا سرسيون
– لسه أحسن

وهذا ما كان .. نزعنا من الدفتر ورقة ورسمنا عليها ( رجّال ملح ) .. كان القصب المكسر يملئ السطح أحضرنا قصبتين وصنعنا منهما صليباً اعتباطياً ألبسناه قميصي وألصقنا عليه ( رجّال الملح ) بعد تشذيبه بالمقص .

أتى محمد بالسلة المليئة بالأكياس التي تحوي جميع أنواع السنانير وخيطان السمك من الركن وأراد إفراغها فصرخت عليه أن لا يفعل لأن أخي أحمد لا يريدني أن ألعب له بعدة الصيد , وقد نالتني منه علقات مرتبة من أجل هذا الموضوع , ولذا علينا أن نجعله لا يشعر بشيء .

وضعنا الهيكل شبه البشري بالسلة وربطناه بمسكتها ثم غرسنا القلم في مكانه المطلوب وأردنا المباشرة بالطقوس لنتذكر أننا نسينا غرس عودي الند في رأس كراكوز .

وضعناهما على عجل وأشعلناهما على الفور ” ألم أخبركم سابقاً أننا كنا جميعاً ندخن خفية عن أهلنا ” .

أمسك كل من محمد وأيمن بذراعي السلة ووقفت أنا أمام القلم حاملاً الدفتر المفتوح وأنا أصرخ بتضرع وخشوع : جالان كون جالان بيس .

.. تحركت السلة قليلاً ثم بدأت بالتأرجح , ربما بفعل الروح أو الهواء , وربما لفرط التوتر المصاحب لحالة الرعب التي تلبستنا نحن الثلاثة .
ازداد التأرجح جيئةً وذهاباً , وبدأت ترتسم على أوراق الدفتر المفتوح بعض الخربشات غير المفهومة بسبب اصطدام القلم وسلته بالدفتر عند كل حركة … حينها بلغ الرعب أقصاه..

وباتفاق خفي غير معلن ألقينا نحن الثلاثة ما بأيدينا .

اصطدمت السلة بالأرض وطجت مرتين فبل أن تستقر .. استمر اهتزاز السلة يمنةً ويسرةً حتى بعد استقرارها , ولولا الصليب الذي يحد دحرجتها لاستمرت بالتشقلب إلى ما لا نهاية … كانت روح أبي فؤاد في أشد الغضب , ويا ويلنا من غضبها ..

بدأ القميص الذي تلبسته الروح بالانتفاخ عند القبة , لم تعد أرجلنا تقوى على الحركة من فرط الرعب … لحظات قليلة مضت قبل أن تبدأ الروح بالتسلل خارجه .. مدت رأسها بحذر أولاً ثم انطلقت بلمح البصر نحو قن الحمام المهجور .
..

كان جربوع ضخم قد طابت له السكنى في سلة أخي وبقى مختبئاً بين الأكياس داخلها عند أداء طقوس الجالان كون جالان بيس , ثم قرر الفرار بعد الرعب الذي أصابه نتيجة الرمي المفاجئ للسلة .
..
بقى أيمن لسنوات يجزم أن الله مسخ (( أبو فؤاد )) جربوعاً لبخله وبراعته في الأذى وكتابة التقارير .

جبلة – حارة التغرة / شتاء 2013

About أيهم نور الدين

أيهم نور الدين اديب سوري
This entry was posted in الأدب والفن, ربيع سوريا. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.