أيهم ملك التهريب


” أيهم نور الدين “

بعد عملي الفاشل كبحار , عدتُ عاطلاً عن العمل , فتقلبت في شتى المهن من كهربجي إلى نجار باطون ثم صياد سمك على فلوكة القرشل .

كان اسم الفلوكة المتهالكة ” القذافي ” تيمناً بمعمر القذافي الذي اشتراها من حر ماله للقرشل كمكافأة نهاية خدمة لأخته التي كانت إحدى مرافقات الأخ القائد .

بالطبع أعطى القذافي مبلغاً مجزياً لبيوضة لكن أخاها القرشل أخذ النقود كلها واشترى بأقل من عشرها أتعس فلوكة في جبلة مطلقاً عليها اسم القذافي وبعزق الباقي .

ويبدو أنني كنت وجه نحس على القرشل , أو أن القذافي نفسه كان وجه النحس بحيث أننا لم نصطد قط سوى سمك البلميدا ( الاسم المحلي لسمك التونة المغزلية المكروهة جداً في الساحل السوري بأسعارها المتدنية للغاية ) إضافة للحداحيد والنايلون ( أسماك أسوأ وأرخص سعراً من البلميدا بكثير ) .

لم تستطع الفلوكة المتقادمة أن تشيل همها نتيجة الصيانة المتكررة والأعطال الطويلة والصيد الفاشل فقرر القرشل الاستغناء عن طاقمه الفذ المكون مني ومن عبود المدعبل ضغطاً للنفقات , وهكذا عدت دون عمل من جديد .
..

كان زنغو ورينغو ( اللوطيان ) يعملان بالتهريب على الموتور من القرداحة إلى جبلة حيث يملآن جيوبهما وصدورهما بدخان اللوكي المهرب وبعض الويسكي المغشوش ليبيعاه لبقالية الأرسوزي ( شقيق زكي الأرسوزي الشهير ) في حارة الجبيبات الغربية مقابل مئة ليرة لكل منهما , وبهذا كانت حياتهما اليومية محط حسد أمثالي من العطالين البطالين , فزينغو ورينغو بعد أن ينتهوا من غزوتهما المباركة يتوجهان بجيوبهما الممتلئة إلى محل معتوق للبروستد والمسحّب بساحة شباط للحصول على وجبة السفاري اليومية ( بروستد مع الثوم والمخلل ) ثم يتجهان إلى محل أحمد اسبر ( ابن أخ الشاعر أدونيس ) ليستأجرا فيلم سكس على كيف كيفكم بعد أن يكونوا قد ظبطوا المراهق المسكين رامي ( المصاب بمتلازمة داون ) ليتناوبا عليه طوال الليل , ولم يحدث قط أن بدلا نمط حياتيهما .

تناهشني الحسد من حياتهم المريحة وجيوبهم الممتلئة على الدوام فقررت في لحظة صفاء أن أتقمصهما وأعمل عملهما بالضبط باستثناء مضاجعة رامي .
..
كان جاري السفنج لديه سنفور صغير ( موتور أشبه بلعب الأولاد ) , فاستعرته منه , واستدنت كذلك بعض النقود لدفع ثمن البضائع متوجهاً إلى القرداحة القريبة من جبلة والتي كانت قبل استلام حافظ الأسد للسلطة مجرد قرية مهمشة تتبع إدارياً لجبلة .
..
وصلت إلى عرين الأسد عند العصر نتيجة السنفور البطيء الذي اضطررت لجره عدة مرات أثناء الرحلة .

كان الناس بالقرداحة صارمين مع جفاصة غريبة وفوقية ونظرات شك بجميع الغرباء , فعلى العكس من باقي القرى العلوية التي يتميز أهلها بالبساطة والدماثة والطيبة , كان أهل القرداحة بصرامة خمسين فرع مخابرات .

دخلت أول دكان لقيتها في طريقي , كان البائع المحقق يريد معرفة أدق تفاصيل حياتي , ولا ينقص إلا أن يطعمني دولاباً ويتهمني بمحاولة اغتيال حافظ الأسد قبل أن يقبل ويبيعني هالكام كروز دخان .

طلبت منه بلطف مشوب بالوجل عشر كروزات لوكي فرد بجفاصة مملوءة بالتهديد : ما فيه غير فايسروي .
لقد قيلت العبارة بلهجة ” إن كنت قبضاي لا تشتري , فقلت لنفسي : فايسروي , فايسروي .. ليش من شو بيشكي الفايسروي .

أخذت كروزات الدخان ووضعتهم بكيس البحارة الذي أحضرته معي لهذا الغرض ثم عدتُ إلى جبلة .

كان طريق العودة أسهل كثيراً من الذهاب , فوصلت البلدة عند المغرب واتجهت فوراً لدكان أحمد فاضل لبيعه رزقي الذي سأربح فيه مئة ليرة بالتمام والكمال , وهنا كانت الصدمة .

كانت شائعة –لم أسمع بها – تسري بالبلدة بأن شركة فايسروي الصهيونية قد زودت – في حربها على العرب والمسلمين – سجائرها بمواد بلاستيكية تسبب السرطان وتقطع النسل , وبهذه الطريقة تحول الفايسروي من دخان لا بأس به لدى البعض إلى شيء أشبه بالجرب أو الطاعون لدى الجميع .
وعليه كان من المستحيل إيجاد زبون يقبل شراء بضائعي , فتوكلت على الله وقررت التضحية بنفسي وبنسلي من بعدي تاركاً الدخان لاستعمالي الشخصي , أما صديقي وابن حارتي السفنج الذي يعمل مليساً ( طياناً ) فقد اتفقت معه على العمل كصانع له مدة أسبوعين مقابل المبلغ الذي استدنته منه .

جبلة – حارة التغرة / ربيع 2012

About أيهم نور الدين

أيهم نور الدين اديب سوري
This entry was posted in الأدب والفن, ربيع سوريا. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.