أيهم في فرع فلسطين


” أيهم نور الدين “

غداة تعرضنا لعملية قرصنة واختطاف أيام عملي كبحار على إحدى السفن المتهالكة التي تعود ملكيتها لبعض أباطرة المال والنفوذ في سوريا , رفضت الشركة المالكة للسفينة أي تواصل مع القراصنة للإفراج عنا بمقابل مالي , وكذلك فعلت دولتنا المناضلة حامية الوطن والمواطن مما دفع القراصنة لطردنا مع سفينتنا بعد أن تبرعوا لنا بما يكفي من الفيول والأطعمة اللازمة لمواصلة الرحلة .

كانت كل الجزئيات تشهد أن القراصنة كانوا أحن علينا من أرباب عملنا ومن دولتنا بجلالة قدرها , ويشهد الله أننا لم نتعرض لصفعة أو كلمة جارحة طيلة وجودنا في الأسر .

اتجهنا بعد الإفراج عنا من منطقة القرن الأفريقي إلى مرفأ كراتشي بباكستان , وبمجرد وصولنا لكراتشي تواصلنا مع الشركة في طرطوس حيث أثنى مالك الشركة على بطولتنا وصمودنا في الأسر , أما شريكه ( الوزير السابق ) فقد ألقى علينا محاضرة حزبية تثقيفية عبر الهاتف .

اعتقدنا من حماس المالك وشريكه الوزير أننا سننال مستحقاتنا المالية على دوز بارة مع مكافأة مجزية قد تسمح لي بشراء غرفة وصالون في منطقة الفيض الشعبية أو مثيلاتها من العشوائيات .

تراءى لي أن مستقبلي الأسري والاجتماعي المخملي قد بدأ , لكن الأيام أثبتت أنني كنت مخطئاً .

فبمجرد ملامسة عجلات الطائرة الباكستانية التي أقلتنا إلى دمشق أرض مطارنا الحبيب تجمهر حولها العديد من سيارات الاستيشن الأمنية .

وعلى سلم الطائرة كان رجل فارع بلباس مدني ونظارات شمسية سوداء ينادي بين الركاب بلطف على طاقم السفينة بريهيل أن يتقدم إليه .

قسمونا على سيارتين ستيشن فيميه , كنت وموريس بسيارة بينما ركب القبطان ومساعده وزيات السفينة في السيارة الأخرى .

كانوا لطفاء جداً قبل أن نركب السيارة , وسرعان ما انقلبت المعاملة على الفور بمجرد ركوبنا .

تلقيت ضربة مؤلمة جداً بكعب مسدس في خاصرتي , وكذلك فعلوا بموريس , ثم أعطونا عصائب جلدية لنربطها على عيوننا , بينما كانت السيارة تمضي نحو المجهول .
..
بعد حوالي ثلاثة أرباع الساعة وصلنا إلى بغيتنا كما يبدو .. أنزلونا من السيارة وساروا بنا في أحد الممرات ثم بدأنا بالنزول على درج لم ينتهِ .

لم يخطر ببالي أن أعد الدرجات التي نزلناها ولكن خيل لي أننا تجاوزنا في نزولنا جميع الطبقات الجيولوجية للكرة الأرضية وبدأنا نقترب من المركز .

كانت رائحة الرطوبة والسهوكة تزداد كلما نزلنا أكثر حتى غدت كرائحة الموت مع برودة لا يمكن احتمالها .

سمعنا قرقعة فتح باب حديدي .. عندها فقط نزع مرافقي العصابة عن عيني ثم دفعني إلى الداخل .

لم أستطع الرؤية جيداً في البداية , وعندما توسعت حدقتي بالقدر الكافي أصبحت أميز ما حولي .

كانت الزنزانة الفارغة إلا منا تبلغ حوالي العشرين متراً مربعاً , وعلى الركن المقابل للباب تواليت مكشوف لم يعرف النظافة قط , لكننا علمنا لاحقاً أننا كنا مدللين للغاية , فزنزانتنا من الزنزانات النادرة في الفرع التي تحوي تواليت .

كانت الزنزانة سيئة الإنارة فارغة من كل أثاث , والأرض الرطبة القذرة تجعل من المستحيل الجلوس عليها , مما دفعني وموريس إلى جلوس القرفصاء والبرد ينخر عظامنا .
..
سرعان ما فتح الباب ليندفع منه القبطان العجوز المسكين وباقي الطاقم .

ثم فتح الباب للمرة الثانية ليرمي السجان بوجوهنا بطانيات قذرة مشبعة بالماء , بمعدل بطانيتين لكل سجين , ولا أذكر كيف عصرناها وجلسنا عليها .

ثم فتح الباب من جديد ليرموا لنا بيضتين مسلوقتين وثلاثة أرغفة يابسة .

كان الزمن بطيئاً ورتيباً لدرجة أننا سرعان ما فقدنا إحساسنا بالزمن , ولا أدري الوقت الذي مر علينا ونحن ساهين يتداخل ليلنا بنهارنا الذي يقطعه فتح الباب ليرموا لنا ببعض الطعام الهزيل الذي لا يشبع طفلاً فنقتسمه بعدالة .

لم ندرِ أبداً سبب وجودنا في هذا المكان ولا تهمتنا حتى فتح الباب مرة ليأخذوا موريس الذي غاب لحوالي ثلاث ساعات ثم عاد وهو لا يستطيع المشي لتورم قدميه وخواصره , لينادوا علي وتبدأ نفس الرحلة التي قاموا بها مع موريس .

كانت هي المرة الأولى التي أجرب بها الدولاب في حياتي … لقد ظلوا يضربوني ويشتموني بأمي وأهلي بأقذع الشتائم , وعندما ملوا من ضربي أعادوني إلى الزنزانة بعد إجباري على ارتداء حذائي من جديد .. خبراء هؤلاء الجلادون ويعلمون استحالة إدخال قدم تورمت لتصبح نمرة خمسين في حذاء 42 لكنني على العموم فهمت من شتائم الجلادين شيئاً مهماً , فنحن خونة الوطن .. هذه تهمتنا إذن .. ولكن كيف خنّا هذا الوطن ومتى وكيف , فعلمه عند ربي .

..
تكررت الدواليب وارتقت التقنيات لنجرب بعدها وضعية الشبح والكرسي الألماني وباقي التقنيات لتزداد معها المعلومات الشحيحة التي كوناها عن الموضوع من خلال شتائم الجلادين أثناء ضربنا .

كانت تهمتنا ببساطة هي نقل الأسلحة من دول الاتحاد السوفيتي حديث التفكك والذي سيطرت عليه الامبريالية والصهيونية إلى أذنابهم جماعة اتحاد المحاكم الإسلامية في الصومال لمساعدتهم بتهميش الشرعية المتمثلة بالرفيق المناضل سياد بري وإضعافها .

لقد كنا جزءاً من مؤامرة دولية تستهدف الصومال الشقيق أولاً ثم سوريا الحبيبة ثانياً , هذا ما أفهمني إياه لاحقاً بالبنط العريض العميد أمين شرابة والعقيد سهيل رمضان اللذان تناوبا على التحقيق معي .

إن فكرة تعاون البحار المسيحي موريس مع اتحاد المحاكم الإسلامية تبدو غير منطقية وغير مفهومة , فبدلوا تهمته لتصبح : التعاون مع النظام الشمولي اليساري للعميل سياد بري ضد شعب الصومال الطيب مقابل المال , وإن قوى اليسار الطفولي العالمية التي زرعت موريس ابن قرية ضهر صفرا للتجسس علينا هي التي أدت لمعرفة القراصنة لموقعنا الدقيق والقبض علينا , يعني من الآخر , لا هوه خالص ولا نحن خالصين .
..
جهز لنا المحققون كمية مهولة من الأوراق نعترف فيها بالعمالة للخارج للتوقيع عليها أمام رئيس الفرع مصطفى التاجر شخصياً .

كنت مستعداً للتوقيع على جميع الوثائق التي تثبت عمالتي لجميع التنظيمات الإرهابية والجهات المعادية في الكون بس يوقفوا الضرب عني , أما قبطاننا العجوز فقد تبرع من تلقاء نفسه معترفاً بعمالته للموساد , لكن سهيل رمضان أوقفه عند حده صارخاً : كول خرا وبلا تفنيص , ما ناقصين تحقيقات جديدة ووراق لسه .

يبدو أن الحالة النفسية السيئة لسهيل رمضان ساهمت بنجاة القبطان العجوز من هذا الاعتراف غير المفهوم , فقد علمنا لاحقاً أن سهيلاً عرف في تلك الأيام بإصابة ابنه بالسرطان مما جعله يخفف عن المعتقلين غلواءه قليلاً .


كانت تهمتنا كبيرة حقاً , ولما كنا مجرد بحارة على سفينة , فمن المنطقي أن يكون مشغلونا هم أصحاب السفينة , حيث أن كل سفينة تتبع أوامر مالكها المباشر , وتلقى عادةً تلك الأوامر من البروكرية الموجودين في جميع المرافئ .

إن هذه البديهية تعني أن ملّاك سفينتنا , ومن بينهم علي ظاظا الذي هو بالمناسبة رئيس فرع فلسطين السابق ثم رئيس شعبة المخابرات العسكرية ( لدرجة أن علي دوبا الشهير كان نائبه في حينها ) , ثم وزيراً للداخلية هو بالضرورة رئيس العصابة وسبب البلاء , وهذا يستدعي إما جلبه ليؤنس وحدتنا ويسند خواصرنا بنفس الزنزانة وهو أمر أكبر كثيراً من مصطفى التاجر وعلي دوبا ويستدعي أمراً مباشراً من حافظ الأسد , وإما لفلفة هذا العلاك من أصله وإرسالنا إلى بيوتنا وهو ما حصل بالفعل .

..
خرجنا من سجن الفرع بمنطقة القزاز بدمشق بعد خمسة أشهر من الشنشطة بالزنازين .
كانت ليلة ممطرة لكننا سرنا طويلاً تحت المطر , ثم أوقفنا تكسياً وسألناه إن كان يقبل بتوصيلنا سكارسة إلى الساحل , فوافق .
.
وبعد يومين ذهبنا جميعاً إلى مقر الشركة بطرطوس لقبض رواتبنا المتأخرة ومستحقاتنا المالية فطردونا عن الباب .

جبلة – حارة التغرة / ربيع 2012

About أيهم نور الدين

أيهم نور الدين اديب سوري
This entry was posted in الأدب والفن, ربيع سوريا. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.