أيام هامة.. لشخص غير مهم‎

‏اقتربت الحافلة كثيراً من جمرك السلّوم على البحر المتوسط.. أجواء جميلة عصر ذلك اليوم في يونيو.. الأجمل.. سيتحقق الحلم بعد ساعة أو أقل من ساعة.. هل يتحقق.. هل ستطأ أقدامي الأرض الليبية؟.. لا يهم الوصول لمدنها.. أريد الوقوف بين ناسها.. الحديث معهم.. ولو خلف الجمارك بأمتار قليلة

‏تستدير الحافلة ببطء مع الطريق الملتوية الصاعدة لهضبة السلوم المصرية/امساعد الليبية .. وصلَتْ.. أنهى كل الركاب إجراءاتهم وعادوا للحافلة.. بقيت وحيداً مع الموظف بزمن أخذ يطول ولفت انتباه قائد الحافلة .. الذي تململ ورأى التأخير غير مبرر.. هل الحلم سيظل حلم.. التفتُ للوراء.. الصالة خالية

‏عدت ببصري لطاولة التفتيش.. قائد الحافلة يغلق حقيبتي الوحيدة ثم يحملها للحافلة مستعجلاً لتأخره.. وهزّ الموظف لي برأسه بأن أتبعه.. هرولت خلفه.. الحافلة تعبر الدروازة.. خلفنا الأراضي المصرية.. ماذا أمامنا!.. أجل ليبيا.. نقترب.. نقترب.. هي ليبيا.. الفرحة مضاعفة.. لماذا؟

‏عبارات الترحيب والتبسم وحُسن المعاملة من موظفي الجمارك الليبيين.. مقابل القلق والترقب من قبلي.. حوّل الموقف لفرحة مضاعفة.. لا توصف..
‏الحافلة تدخل الأرض الليبية صوب الشمس العائدة لموطنها في الغرب.. هناك خلف طرابلس الغرب البعيدة عنا 2000كم.. لكن! حدث المتوقع المقلق!..

‏سِرنا بما يقارب الساعة.. تتوقف الحافلة.. يعود الترقب والقلق.. يصعد رجل عسكري شاب.. يتجه نحوي.. لم يلتفت لأي راكب آخر.. إنه يعرف أين أجلس.. كيف عرف مكاني.. من أخبره!؟ يأخذ الجواز.. يبدأ بطرح الأسئلة.. أين ذاهب.. من هم.. كيف عرفتهم؟.. وكانت الإجابات التلقائية كافية لإعتاقي..

‏تخترق الحافلة الصحراء الشرقية الليبية.. الطريق طويل.. نتجاوز طبرق على يميننا.. نسير ونسير.. هناك نقطة ضوء وسط الظلمة.. يخيل لك أنك في رحلة بمجرة درب التبانة ووصلت للتو لإحدى النجوم.. نقف في كشك للاستراحة.. يتساقط الناس من الحافلة التي خرجت بنا في 6 صباحاً من محطة ألماظة بالقاهرة..

‏تلفاز صغير لكنه ملوّن يضعه البائع على يساره داخل الكُشك.. أدخل أحد المسافرين رأسه بشغف ليشاهد النتيجة.. كم نتيجة المباراة؟ 4 للفرنسيين.. صفر السعودية أجابه البائع.. يا إلهي لقد نسيت بطولة كأس العالم والمملكة مشاركة فيها.. لكن نتيجة هذه المباراة كانت كافية لمواصلة النسيان..

‏وقفت الحافلة الساعة 3 ليلاً بمحطتها.. بجوار فندق فلسطين.. في بنغازي القديمة.. متعب جداً.. رميت نفسي على السرير الأوسط في الغرفة.. وحاولت ألا أنام حتى أطمئن على حقيبتي ونقودي.. لأن معي شخصين أحدهم على اليمين والآخر على اليسار لا أعرفهم.. لكن نظام الفندق إيجار سرير وليس غرفة..

‏مصباح شديد الإضاءة في السقف مباشرة فوق رأسي أخّر نومي قليلاً..ثم نمت عميقاً.. على أحاديث الشخصين اللذين لا يعرفان بعضهما..كل يسأل الآخر عن مكان عمله.. وأسئلة شخصية تقليدية.. استيقظت باكراً.. خشية تحرك الحافلة لطرابلس بدوني.. تجولت حول المحطة فالوقت مبكراً.. عاد القلق.. بل الرعب..

‏لوحة كبيرة في محطة الحافلات ملصق فيها صور عشرات الشباب الليبيين.. بأسمائهم.. كتب تحتها..”مجرم.زنديق.هارب”.. منظر لم أشاهده في التلفزيون أو الصحف.. شعرت بالخوف.. ما الذي أتى بي لهذا المكان.. وكأني أقف في إحدى مدن ستالين السوڤيتية المرعبة.. هل القدر يخبيء لي شيئاً.. عدت للحافلة..

‏تسابق الناس للحافلة.. وأنساني تسابقهم حكاية الصور.. شقت الحافلة طرقات بنغازي.. لترينا الوجه الحديث الجميل لثاني كبريات المدن الليبية.. عاصمة النفط الليبي.. السواد الأعظم للعمران الليبي والسكان على شاطيء المتوسط.. تقف الحافلة بين المدن والبلدات في الطريق لطرابلس الغرب.. التي قلَبَها الأخ القائد لطرابلس العرب..

‏القائد كاره للغرب.. مصر وليبيا جزء من الشمال الأفريقي.. لكن الفؤاد والهوى يأخذ هذين الكيانين باتجاه المشرق العربي.. فهناك الثِقل: مكة؛ القدس؛ دمشق؛ بغداد.. هناك نبع العروبة ومهد الإسلام ومركزية قضية فلسطين وعاصمتا الأمويين والعباسيين..

‏اقتربنا من طرابلس.. نزل أكثر شخص قرباً مني في الرحلة بمدينة الخُمس.. كان قبطيا.. ودعني بنزوله.. رغم أنّا لم نتبادل الحديث في الحافلة.. وعرفت ديانته من اسمه في الحدود (جرجس).. لا زلت أتذكر ذلك الشاب الوسيم رغم أن العِشرة لم تجاوز يوماً واحداً.. لكن بعض اللحظات تظل معك طيلة عمرك.. يبدو أن وجوده المستمر بالحافلة رغم التنقلات حوله لمصــدر أمــان لي..

‏تمنيت لو كانت وجهتي مدينة ⁧#الخمس⁩ لأتعرف عليه أكثر وأستأنس معه حتى حين.. لكن الحافلة غادرت وغادرنا بعضنا للأبد.. نحن على مشارف العاصمة.. طرابلس الغرب أو العرب.. المدينة التي يحج لها كل ثوّار الأرض واليساريون والقوميون والمناضلون.. فأهلاً بهم طالما يعادون ⁧#اسرائيل⁩ وأمريكا..

‏هناك مقولة: “أن ليبيا لكل العرب”.. يتندر عليها الليبيون بإضافة عبارة “..إلا الليبيين”.. وكنت قد اتصلت من فندقي بمصر الجديدة قبل التوجه لليبيا بالسفارة الليبية بالقاهرة لأتأكد أني لا أحتاج تأشيرة دخول كما يردد الإعلام الليبي.. وأجابني الموظف.. تأشيرتك العروبة أهلاً بك..

‏أسير في شارع عمر المختار.. أصبح الحلم واقع.. والجنون عقل.. لم يكن الوصول لهذا المكان يسيراً.. واشنطن وبرلين وسيول وسدني أسهل من الوقوف في شوارع طرابلس.. فالوقوف هنا كان بحاجة قرار داخلي.. إرادة.. تصميم.. لنقل مغامرة..
‏رحلة الحياة كلها مغامرة والمخاطر تحيط بالإنسان بكل مكان..

‏لكنها المغامرة المحسوبة.. كما أسماها أنور السادات.. واصفاً قرار حرب أكتوبر.. المغامرة تعطي الحياة لذة.. لكنها بحاجة حكمة للبقاء في دائرة السلامة.. لتستمر هذه اللذة ما شاء الله لها الاستمرار..
‏أقف وسط نموذج لأنبوب إسمنتي قطره 2م قرب فندق الواحات.. يرمز للنهر الصناعي العظيم..

‏بجوار الأنبوب كتبت العبارة التالية: بتوجيه الأخ القائد المهندس المعلم المفكر الأديب المناضل العقيد معمر القذافي.. ولدت فكرة النهر الصناعي العظيم وتحققت..
‏فوق اللوحة صورة العقيد مرتدياً اللباس الليبي التقليدي (الجَرد) ويضع نظارة سوداء ويرفع رأسه للأعلى قليلاً كعادته..

‏بمسافة قريبة من مكان وقوفي تقع السفارة السعودية.. تبين لاحقاً أن السعودية كانت تعمل جاهدة لإعداد اتفاق ليبي بريطاني أمريكي يخرج ليبيا من أزمة ⁧#لوكربي⁩ .. وقد تكون تلك المفاوضات والزيارات السرية لبندر بن سلطان لليبيا بدأت أثناء وجودي صيف العام 1998 أو بعدها بأشهر..

‏ودخلت ⁧#لوكربي⁩ في تراث الليبيين حتى قال الشاعر الجريء وهو يقف أمام العقيد:
‏احنا ما إرهابيين.. ولا فجّرنا لوكربي..
‏آهو اللي فجرها (وأشار بيده لمعمر الذي خفض من رأسه المرفوع متفاجئاً) آهو اللي فجرها في الفاتح تسعة وستين..

‏أدى الحصار الجوي بسبب قضية لوكربي لتنشيط الملاحة البحرية لجزيرة مالطا وغيرها من موانيء البحر المتوسط والملاحة البرية لتونس ومصر..
‏بعد أسابيع.. وقد قررت المغادرة.. تجنبت العودة مع ذات طريق القدوم.. فحاولت التوجه لتونس أو مالطا.. في الأخير.. أثناء تنقلي بشارع امحمد المقريف (امحمد ليست خطأ مطبعي فلديهم محمد وامحمد).. عثرت على إعلان ملصق بباب مكتب ملاحة عن رحلة بحرية من ميناء طرابلس لميناء اللاذقية السوري..

‏تحركت السفينة غرناطة صوب سوريا حاملة 1000 مسافر.. وقد حرمهم الحصار سهولة السفر.. من المفارقات أن غاية بعضهم فقط استخدام مطار دمشق الدولي للعودة للخرطوم أو القاهرة..
‏صباح اليوم الخامس للرحلة البحرية أقف بأعلى السفينة.. متأملاً جمال جبال اللاذقية الخضراء وزرقة البحر وبياض السحب..

يوسف الشاعل

About يوسف علي الشاعل

.. يوسف علي الشاعل السعودية مواليد 1975 متزوج ماجستير قانون عام باحث عربي مؤمن بالتضامن الشعبي العربي بغض النظر عن توافق الحكومات
This entry was posted in الأدب والفن. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.