أوكازيون الجنسية التركية

بقلم نيرڤانا محمود/
مبروك! إن كنت غنيا وتريد الحصول على الجنسية التركية، بات بإمكانك تحقيق رغبتك هذه.
عدلت القيادة التركية قانون الجنسية، وأصبح بإمكان الأجنبي الحصول على الجنسية التركية عند استيفاء أحد هذه الشروط: شراء عقار بقيمة 250 ألف دولار أميركي، أو إيداع 500 ألف دولار في البنوك التركية، أو استثمار مبلغ 500 ألف دولار في تركيا.
“يا بلاش”، كما نقول في مصر. هذا “أوكازيون” الجنسية وبأرخص الأسعار. فقد كانت الشروط السابقة للحصول على الجنسية التركية أكثر صرامة.
فتح أردوغان، منذ توليه الحكم، الباب لشريحة أخرى من الأتراك، يطلق عليها لقب “العثمانيون الجدد”، للاستثمار وإدارة الأعمال
الهدف المعلن لهذا التعديل هو جذب الاستثمارات الأجنبية بعد انهيار الليرة التركية ومساعده قطاع العقارات بعد أن انخفض الطلب على العقارات التركية بنسبه 12.5 في المئة ؜هذا العام.
كما انخفض الاحتياطي الإجمالي للعملة الأجنبية في البنك المركزي التركي إلى أقل معدل له منذ نيسان أبريل 2010.
إذا ألقينا نظرة على التصنيف الدولي لجوازات السفر حول العالم فسنصل إلى استنتاج واحد: قانون الجنسية التركية الجديد ليس موجها إلى العالم الغربي. فجواز السفر التركي، طبقا لهذا التصنيف، في المرتبة الـ 39 في العالم.
بينما صنفت جميع جوازات السفر الغربية بمرتبات أعلى بكثير من الجواز التركي. ولذلك فمن الطبيعي ألا ينجذب حاملوها لجواز السفر التركي.


يبدو بوضوح أن هذا القانون موجه أساسا لجذب رجال الأعمال من البلاد العربية، وإيران، وبعض البلاد الأسيوية. فهل ينجذب هؤلاء ويهرعون إلى تركيا لطلب جنسيتها؟
قد يجد الإيرانيون، على وجه الخصوص، هذا العرض جذابا، خصوصا مع اقتراب تطبيق المرحلة الثانية من العقوبات الأميركية على إيران وتدهور قيمه الريال الإيراني. فالحصول على الجنسية التركية بالنسبة للبعض داخل إيران يمكن أن يعد طريقا سهلا لتفادي العقوبات ونقل الأموال من الداخل الإيراني إلى الخارج وحتى وسيلة شرعية للانفتاح على الدول الأوربية.
لكن الحال قد يختلف بالنسبة للأغنياء ورجال الأعمال العرب. لن يجد البعض، وخصوصا في دول الخليج، الجواز التركي جذابا، في الوقت الحالي. فتصنيف جواز السفر الإماراتي، على سبيل المثال، أعلى بكثير من مثيله التركي. أما بالنسبة لمواطني الدول الأخرى، فربما تمنعهم الخلافات السياسية بين بلدانهم والقيادة التركية من اتخاذ هكذا خطوة، باستثناء الإسلامويين منهم.
إذا، قانون الجنسية التركي الجديد ليس موجها إلى المستثمرين العرب بوجه عام، ولكن إلى الإسلامويين، كالقطريين وغيرهم من معارضي الأنظمة العربية.
هدف الرئيس التركي ببساطة هو إعطاء الجنسية التركية لأتباعه الأغنياء من غير الأتراك، ليس فقط لإنقاذ الاقتصاد التركي ولكن لخدمة أهداف أردوعان السياسية والاجتماعية وأهمها التغيير الديموغرافي في أوساط الطبقة المتوسطة والغنية في تركيا.
إذا كنت قد سمعت عن تعبير “الأتراك البيض ـ وايت ترك” فستفهم ماذا أقصد. وإن لم تسمع فتذكر المسلسلات التركية وأبطالها الذين يعيشون في ڤيلات جميلة ويتصرفون على النمط الأوروبي في حياتهم الخاصة. معظم هؤلاء من العلمانيين ويطلق عليهم في تركيا مصطلح دارج هو “الأتراك البيض”.
تقلص التأثير السياسي لهذه الشريحة من الأتراك منذ تولي أردوغان سدة الحكم، كما هاجر العديد منهم إلى خارج تركيا، خصوصا في الأعوام الأخيرة.
يحاول أردوغان في هذه المرحلة تقليص أي نفوذ اقتصادي متبق لهم. فمثلا، أعلن الرئيس التركي أخيرا عزمه نقل حصة مؤسس الجمهورية التركية الحديثة مصطفى كمال أتاتورك في بنك إيش التركي، أقدم وأعرق البنوك التركية، إلى خزينة الدولة. كما طالب بالتحقيق مع أعضاء إدارة البنك الذين ينتمون لحزب الشعب الجمهوري المعارض. وبالطبع أدت هذه التصريحات إلى هبوط حاد في قيمة أسهم البنك.
في المقابل، فتح أردوغان منذ توليه الحكم الباب لشريحة أخرى من الأتراك، يطلق عليها لقب “العثمانيون الجدد”، للاستثمار وإدارة الأعمال.
استثمر هؤلاء في قطاع البناء ومشروعات أخرى عملاقة، وأصبحوا أكثر غنا ونفوذا. ولكن في المرحلة الأخيرة، وخصوصا بعد هبوط قيمة الليرة التركية، تشعر هذه الطبقة بضغط مادي حاد.
ولذلك جاءت التعديلات الجديدة في قانون الجنسية بهدف دعم “العثمانيين الجدد” بمستثمرين من الخارج يحملون راية الولاء للرئيس التركي وإدماجهم في المجتمع التركي، وخصوصا أن تركيا على أعتاب انتخابات محلية مهمة في آذار/مارس المقبل.
درسنا في كتب التاريخ كيف نقل السلاطين العثمانيون أمهر الحرفيين العرب إلى اسطنبول بعد سيطرة جيوشهم على البلاد العربية. لا يريد أردوغان اليوم أصحاب الحرف أو الخبرات، بل أصحاب المال والنفوذ. لا يهتم أردوغان كثيرا بمصدر المال، ولا يهمه أيضا هدف المستثمر من حصوله على جواز السفر التركي.
المهم هو تقوية نفوذ الرئيس التركي وإنقاذ اقتصاده.
بالطبع، قد يقدم بعض الإسلامويين الذين دعوا مرارا وتكرارا إلى دعم الليرة التركية، إلى شراء الجنسية التركية والاستثمار في تركيا. فاقتناء ڤيلا جميلة على البوسفور بأرخص الأسعار أمر جميل، وإذا جاء هذا ومعه جواز سفر تركي فسيكون أجمل.
لن يجد البعض، وخصوصا في دول الخليج، الجواز التركي جذابا، في الوقت الحالي
ولكن لن يهرول كل الإسلامويين للحصول على الجنسية التركية. فبعضهم يفضل دعم الرئيس أردوغان بالعبارات الرنانة، وحث البسطاء على دعم الليرة التركية. لكن عند الحديث عن أموالهم الشخصية يفضلون جوازات سفر بلاد الفرنجة “الكافرة” ذات القوانين الآمنة التي تراعي حقوق العملاء، وليس جواز سفر في بلد يغير قوانينه كما يهوي الحاكم، مثله مثل بلدان العالم الثالث.
يذكرني الرئيس أردوغان بالرئيس المصري الأسبق جمال عبد الناصر، فبالرغم من الاختلافات الجوهرية بين الزعيمين، يتشاركان الكره لأفراد الطبقة الأرستقراطية العلمانية بحياتهم الرغدة وتشبههم بالغربيين وتحكمهم في الاقتصاد.
رحلت معظم الطبقة الأرستقراطية عن مصر وتركتها لعبد الناصر يعبث بها كما يشاء. بيعت أملاكها بأقل الأسعار، وتغيرت التركيبة السكانية شيئا فشيئا وظهر في مصر الإسلامويون والسلفيون. والآن، بعد عقود عدة يشاهد المصريون أفلام سينما ذلك الزمن بالأبيض والأسود ويتباكون على أيام “الزمن الجميل”.
الآن تركيا مهددة بفقدان زمنها الجميل. فحتى لو تهافت كل إسلاميي الشرق الأوسط على “أوكازيون” الجنسية التركية، فلن تفلح أموالهم وحدها في إنقاذ الاقتصاد التركي المترنح. فليست بالأموال وحدها تبنى الاقتصادات.

شبكة الشرق الأوسط للإرسال

This entry was posted in دراسات سياسية وإقتصادية, ربيع سوريا. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.