أن ترمي في حقيبتك سيرة وتذكارا قبل أن تسافر

الاديبة السورية سوزان محمد علي

عندما أخذت غطاء المخدة معي، الغطاء الأبيض مع نمنمات وزهور على الأطراف، شعرت بالحزن كثيرا، فأن ترمي في حقيبتك سيرة وتذكارا قبل أن تسافر، هذا ما يفوق ألم وصول تلك السيرة معك إلى بلاد غريبة، ورؤيتها على سطح حقيبتك ثم في درج الخزانة وأنت معزول ووحيد وبعيد.
كمن يقرأ كتابا ثم يضع علامات مهمة تحت سطر ما…علامات تؤرق بصيرته، وتوسوس له بكهوف أخرى، كأنه سيتوه إن لم يمشي وراء العلامة ويأخذها له.
أحب ذاك الغطاء، ليس لأن أمي أحاكته عندما كانت خياطة تجلس وراء الماكينة وتتسامر مع أقربائها وأصدقائها وصديقاتها حتى الصباح في ممر دار جدي…
إنني أحب تلك السير التي رافقت نسجه، الضحكات التي جعلت الإبرة تنهي زهرة هنا وتبدأ بزهرة هناك، الخيبة والصراخ وقصص العشق وأم كلثوم وفناجين القهوة وسعال جدي البعيد…وأيضا سؤالي المتكرر لأمي أن تحكي لي عن خياطة قديمة ماتت في أعماقها، عن ممر غدا مهجورا، ورفاق ذهبوا في قواربهم إلى ضفاف أخرى…كنت أرى كلام أمي بالأبيض والأسود، وعندما أتذكره أرسمه أمامي على صوت أم كلثوم بالأبيض والأسود أيضا…رغم أن غطاء المخدة الأبيض الناصع في يدي الآن، غيمة مرت فوق ذاك الماضي…والتقطتها أنا، إلا أن كل ذاك الدرب يعود إلي ويتركب ويبنى أمام عيني، بسبب هذا الغطاء الذي قرأ أكثر مني، وسمع روايات أكثر مما سمعت، منذ أكثر من أربعين سنة وهو يعيش في اللاذقية، في سقيفة صغيرة للنسيان، يشم مواسم الزيتون ويسمع سوط الجنود عند الفجر، لا أعلم كيف شعوره الآن بعد أن انطوى في حقيبة وصعد الطائرة لأول مرة في حياته،

وجاء يسكن مدينة قرب نهر، في درج أبيض بارد، لربما علي استعماله كي يقرأ كتبا جديدة، سأختار مخدة تناسب صمته، وأنتظره أن يحكي…يجب أن يقول لي شيئا آخر بعد كل هذا العمر.

الاديبة السورية سوزان محمد علي

نرجو متابعتنا على فيسبوك وتويتر بالضغط على الايقونتين
This entry was posted in الأدب والفن. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.