أنا … تقدس سري


” أيهم نور الدين “
.
..
قبل عشرين عاماً أتاني حسام ابن حارتي بصدفة بحرية مكتوب عليها بقلم القدرة الإلهية لفظ الجلالة , وهو يقول : انظر إلى هذه المعجزة يا أيهم, بقديش رح تنباع برأيك و وين .

رددتُ ببرود : روق يا زلمه , ألا ترى الكتابة بخط الثلث وفقاً لأدق قواعد الخط العربي مع التشكيل , ولا تشكيل في لوح الأزل , في الأمر لبسٌ كما أظن .
.
زنديق… طول عمرك زنديق ” يصرخ بوجهي ” –
. متل ما بدك –

فتش حسام عن غيري ليبيعه صدفته المؤمنة بينما أشاع في الحارة أنني زنديق ينكر المعجزات الربانية , لدرجة أن بعض الجيران المعاليق بدؤوا بنكش شرش عائلتي فتبين لهم أن العرق دساس , وأنني من أصول علوية نصيرية لأن والد جدي الماسوني الذي فر بأسرته الصغيرة من إحدى القرى نتيجة خلاف مع المختار أيام العصملي قد استوطن جبلة البلد وتسنن نفاقاً لتحقيق غايات مشبوهة تمهد لاحقاً لحكم العلويين .

كنت وعائلتي جزءاً أصيلاً من المؤامرة البعثية – النصيرية , والمؤسف أن والد جدي ومن بعده جدي وأبي ماتوا دون يعلموا هذا , ولولا حنكة حسام وذكائه لمتُّ أنا أيضاً دون أن أعلم شيئاً .

ولما كنت لا أحسب الأواخر ولا توبة لي , فما هي إلا هنيهة ويأتي ملك الموت لسوقي إلى جهنم حيث مقعدي محجوز سلفاً بجانب والد جدي الضلالي وزملائه ” أبو جهل وأبو لهب “.
..

حينها كان لدينا في حاكورة البيت الصغيرة شجرة ليمون حامض دائمة الإنتاج , وعلى الشجرة العديد من الحبات الخضراء , كما كان لدي بعض الدجاج البيوض في قن صغير

أحضرت قلم حبر صيني يستعمله الخطاطون وكتبت على بعض الليمون غير الناضج اسم جارتي ( أم وليد ) متبوعاً بعبارة ” تقدس سرها ” .

كما قمت بنحت قصبة كقلم , جالباً بعض الشحم المعدني من مغسلة الطبنجا و استعملته كحبر مؤقت لأكتب به على بعض البيض الطازج اسم ( أبو وليد دام ظله الشريف ) , ثم نقعت البيض بالخل لمدة يوم كامل , وأعدت بعدها غسله بالماء فتصلب من جديد .

كان اسم أبي وليد مكتوباً بقلم القدرة الربانية على البيض بشكل نافر , فالشحم منع الخل من حل الكالسيوم الواقع تحته , بينما عمل عمله على الوجه الأكمل في باقي البيضة التي ترققت قشرتها ميكرونين على الأقل بعد أن تصلبت من جديد , هذا جعل من اسم أبو وليد المكتوب بقلم القدرة الربانية واضحاً كالشمس .

أخفيت البيض في البراد وانتظرت.
كان الليمون ينضج ويزداد اصفراراً كل يوم , وخلال أقل من شهر أصبح يحاكي وجوه مرضى السل , وحدها المنطقة التي كتبت عليها اسم أم وليد بالحبر الصيني حافظت على لونها الأخضر الغامق , وهكذا فعندما أزلت بقايا الحبر الصيني عن الليمونات ظهر اسم أم وليد مكتوباً هو الآخر بقلم القدرة .
اتصلت بحسام طالباً منه إحضار صدفته الإلهية ودعوت بعض الأصدقاء أيضاً الذين سرعان ما حضروا .
.
.
لن أحدثكم عن تعابير وجه حسام وكمية السخرية التي تلقاها بعد مقارنة بضاعته ببضاعتي , والأجمل أنني وأجدادي بعد الحادثة حصلنا على صك البراءة حيث لم نعد جزءاً من المؤامرة النصيروعلوية .

جبلة – حارة التغرة / خريف 2014

About أيهم نور الدين

أيهم نور الدين اديب سوري
This entry was posted in الأدب والفن, ربيع سوريا. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.