أنا أتوب عن فنك أنا؟

سناء العاجي
27 مايو 2021
أن تكون فنانا وأنت تعتبر ما تقوم به رذيلة وتتمنى الاعتزال عن هذه الرذيلة، فهذا يدعو لأكثر من تساؤل
أن تكون فنانا وأنت تعتبر ما تقوم به رذيلة وتتمنى الاعتزال عن هذه الرذيلة، فهذا يدعو لأكثر من تساؤل
الفن النظيف.موضة ابتدعها الإسلاميون في مصر والمغرب (وربما في بلدان أخرى) مع بداية الألفية ليترجموا تصورهم الخاص للفن وللفنانين. تصور تسرب تدريجيا في الإعلام ولدى الجمهور… وللأسف لدى عدد كبير من الفنانين أنفسهم.

إن كان مفهوما أن تكون هذه الفكرة حاضرة لدى تيارات إيديولوجية لها تصور معين لما يجب أن يكون عليه المجتمع، فكيف يمكننا أن نفسر أن يخلط الفنان نفسه بين فنه… وبين هذه الإيديولوجية؟

بداية من موجة “الفنانات التائبات” اللواتي ارتدين الحجاب مع نهاية التسعينيات واللواتي بدأن في خلعه تدريجيا منذ بضعة سنوات (حلا شيحة، صابرين، شهيرة، وغيرهن) إلى خطابات وخرجات متعددة يعبر فيها عدد من الفنانين والفنانات عن رغبتهم في “التوبة” بعد حين. “إن شاء الله أتوب وأذهب للعمرة”!

مبدئيا، من حق أي فنان أن يقرر اعتزال الفن للأسباب التي تخصه. تماما كما قد يقرر أي شخص التوقف عن ممارسة مهنة معينة، فقد يفقد الفنان حبه لمهنته أو قد تتغير أي ظروف في حياته تجعله يختار الاعتزال. يفترض أن يكون هذا حقا مكفولا للجميع؛ إذ لا يمكنك أن تكون فنانا بالإكراه.

لكن، أن تكون فنانا وأنت تعتبر ما تقوم به رذيلة وتتمنى الاعتزال عن هذه الرذيلة، فهذا يدعو لأكثر من تساؤل.

أي نظرة يحمل هؤلاء الفنانون لمهنتهم ولما يقومون به داخل المجتمع؟ ثم، وهذا الأخطر، أي تصور يتركونه لدى الجمهور والمتتبعين، سواء حين يعبرون عن “حلمهم” و”تمنيهم” “التوبة” مستقبلا، أو حين يعلنون عن “توبتهم” الفعلية، كما فعل منذ بضعة أيام الفنان هاشم البصطاوي في المغرب، الذي أعلن أنه “يتوب” وأنه “بريء أمام الله من كل الأعمال التي اشتغل فيها ويسأل الله أن يغفر لنا جميعا”، كما طلب من متتبعيه حذف صوره السابقة التي يتوفرون عليها.

اتضح لاحقا أن الفنان الشاب مصاب بمرض خطير ولعله يمر من لحظة هشاشة نفسية نستطيع تفهمها. لكن، أن تتبرأ مما كنت تقوم به (كما فعلت سهير البابلي ذات زمن) وأن تطلب من الله المغفرة، فهذا يعني أنك تؤمن في قرارة نفسك أنك كنت تقوم بـ “رذيلة” وبعمل يخالف الدين.

للأسف، تمكن عدد من الفقهاء ومن رواد الإسلام السياسي من ترسيخ تصور مهين للفن وللفنانين. تصور يقدم الفن كرذيلة مقترنة بالشيطان وبالرجس. لكن، أن يساهم الفنانون أنفسهم في ترسيخ هذا التصور، بل وأن يؤمنوا به في قرارة أنفسهم، هو أمر مؤسف.

المجتمعات لا تتقدم بالصناعة والتجارة والبنيات التحتية والتعليم فقط. كل هذه أمور مهمة. لكن الفن والثقافة والرياضة، كلها عناصر مهمة بقدر أهمية القطاعات السابقة. ليس هناك مجتمع متقدم أهمل الثقافة وبنى أسسه حصريا على الصناعة والبحث العلمي. المجتمعات المتقدمة توفر لمواطنيها بنيات تحتية تحترم كرامتهم، وتضمن تعليما جيدا وقطاع صحة متطور ووسائل نقل جيدة وقطاعات صناعية وخدماتية متطورة… لكنها تهتم بالفن وبالثقافة والرياضة.

على سبيل المثال، حسب تقرير مشترك لكل من وزارتي المالية والثقافة الفرنسيتين، فإن الثقافة تساهم سبع مرات أكثر من قطاع صناعة السيارات، في مجموع الناتج الداخلي الخام لفرنسا.

قد نصادف فنانا يابانيا أو ألمانيا أو روسيا قرر الاعتزال لأسباب تخصه… لكننا لن نسمع من هؤلاء خطابات التوبة والرذيلة. ليس لأن الفنانين المسلمين أكثر تدينا، بل فقط (للأسف) لأننا مجتمعات يخلط فيها الجمهور ويخلط فيها بعض الفنانين أنفسهم بين الفن وبين مفاهيم الخطيئة \ الرذيلة \ الحرام!

فمتى سنتصالح مع الفن ومع الجمال؟

This entry was posted in فكر حر. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.