ألآنسة كورونا (مسرحية)‎

أحدهم يطرق الباب.
التجوّل ممنوع منذ شهرٍ تقريباً، من القادم في مثل هذه الظروف؟
أنا لا أتوقع زائراً في هذه الساعة،،، الحمد لله، كورونا ألغت كل المواعيد.
جرس الباب لا يهدأ،، آه، رُبّما ساعي البريد ليس غيره، إنه يأتي في أيّ وقت.
نعم،، يبدو هوَ، أو ربّما هيَ ساعية البريد، عرفتها، نعم هيَ، عسى أن تحمِلُ هديةً من……، فَعيد ميلادي بعد يومين.
سأفتح الباب و أعرف كل شيء.
+ أهلاً تفضلّي، هل تحملين شيئاً لي،، مفاجأة مثلاً،،؟
= أنا لستُ ساعية البريد، بل أنا الآنسة كورونا، حَضرتُ لزيارتكم، هل تسمح لي بالدخول؟
+ آسف ليس عندي وقتٌ للضيافة و ابقي بعيداً، فأنا مشغول.
= لكنني كنت في داركم يوم أمس، و قد نسيت بعضاً من أشيائي عندكم، و أريد أن أستردّها الآن قبل أن أزورَ جارَكم.
+ أصحيحٌ ما تقولين، هل دخلتي بيتي يوم أمس؟
وَ… وَ.. أين وضعت حاجاتكِ؟
= لا أتذكّر، لكن بعضها على هذه الطاولة و على تلك التي هناك في المطبخ، و كثيرٌ منها على الريموتات و الستائر، و أكيد على مقابض الأبواب و الشبابيك،، وَه…..
+ وَ أين أيضاً، تكلّمي بسرعة.
= لا أدري بالضبط، لكن ها، تذكّرْتُ، أنا في كيس الطماطة و كارتونة البيض التي وضَعَتْها زوجتك في الثلاجة يوم أمس بدون تعقيم.
بالمناسبة ثلاجتكم باردة و مُظلمة، و هذا يُسعدني كثيراً، سأتخذها بيتاً لي لو تكرّمتَ.
+ هذا فوق الخيال، أيّ ثلّاجة، أيّ طماطة، المهم أن تُركّزي جيداً، هل نسيتِ شيئاً ما عندي؟ على جسمي أقصد.
= قُلت لك لا أتذّكَر، لكنّه سؤالٌ جيد، فرُبّما نسيت بعضاً من لوازم السفر في رئتيك حينما قُمتُ بجولةٍ سياحية في قصباتك الهوائية لغرض الاستجمام و التمتّع بالرطوبة قليلاً.


+ ماذا تقولين؟ أي استجمام و أي رطوبة، اسمعي يا كورونا،.
إنّ زيارتِكِ تُسبِّب تهديداً لحياتي، ألا تعلمين ذلك؟
= نعم أعلم، لكن هذا واجبي و الساعةُ قد آنت.
+ أيّ واجبٍ، بل أيّ ساعة سوداء تتحدثين عنها؟
= إنّها ساعة الإنتقام التي تأخرت كثيراً.
+ لكن من أرسلكِ إلينا؟ و ممَّ تنتقمين، و لماذا؟
= أنا ساعي بريد الطبيعة التي عبثتم بها،
أنا حارسة الجَمال الذي تريدون تشويهه.
أنا زُرقةُ السماءِ التي جعلتموها غبراءً رمادية.
أنا زَبَدُ البحرِ الذي أثقلتموه بنفاياتكم البلاستيكية.
أنا شبح الأسماك التي نَفَقتْ بسبب تسرب نفط بواخركم العبثية.
أنا زفير الطيور التي انقرضت بسبب تجريفكم للغابات الاستوائية.
فاستعدّوا الآن لمواجهتي،
سأضعُ حدّاً لدخان مصانعكم و طائراتكم.
استعدّي أيتها الصين و روسيا و أميرِكا و أوروبا الصناعية.
استعدّوا بكل صواريخكم و طائراتكم و قنابلكم النووية.
فأنا أريدها حرباً شريفة.
بل أريدها المعركة الفاصلة.
استعدّوا أيها المؤمنون،
أنا الطبيعة، لقد أرسلت إليكم كورونا الكافرة، فاستلّوا سيوفكم.
بل توجّهوا للدعاء وَ عَلّوا التكبير في الجوامع، فهذه فرصتكم الأخيرة قبل أن أضع حدّاً للتلوّث السمعي الذي تسبّبه مآذنكم ليل نهار.
دُقّي يا أجراس الكنائس قبل أن أكتم طنينك التي طالما أفزعت طيور الحب و عصافير الكنار.
استعدّوا لمواجهتي، بكلِّ ذخيرتكم و مُختبرات علمائكم و ترانيم صُحِفكم.
فمن أجل بقيّة أبنائي و المياه و الأشجار،
قررتُ أن أضحّيَ بالإنسان،
لكي تعود السماء صافية من غير دخان.
ليرقص السمك في البحر و في الخُلجان.
لكي يعود المطر إلى البراري،
لكي لا يبقى زرْعٌ عطشان.
أنا الطبيعة، لكي أستعيد نضارتي المسلوبة، أرسلت إليكم الآنسة كورونا، كورونا الوزيرة الكافرة.
كورونا تتحدّى العِلمَ و الشيوخ و الأديان.
كورونا الكافرة تُنسيكم الراحة و الأمان.
كورونا، رسولي إليك أيها الإنسان
كورونا لا تعرف بابا الفاتيكان،لا نبيٌّ يشفع لكم ولا صاحب الزمان.
لا إلهٌ ينقذكم ولا توراةٌ ولا يسوع و لا قرآن.
لقد بدأت الحرب و للدفاع عن النفس أحكام،
وقد آن الأوان.
جنرال الحرب،
الآنسة كورونا
وزيرة دفاع امبراطورية الطبيعة العُظمى.
نيسان 2020

About حمدي تمّوز

مواليد بغداد 1959، وفيها أنهيت مراحل دراستي. حصلت على بكالوريوس هندسة مدنية 1981. عملت في مجال الهندسة لغاية 1990، ثم أعمال تجارية حتى هجرتي سنة 2002 إلى الأردن ثم إلى كندا. كتبت الشعر و المقال، لكن لم أنشر شيئاً بسبب معارضتي الأيديولوجية للنظام السابق، و قد صُودِرت منّي مسودة كتاب يكشف زيف بعض روايات التاريخ الديني. أسست أول غاليري للفن التشكيلي العربي في تورونتو بإسم ( تمّوزي آرت سنتر) سنة 2011-2015. كتبت عدة مقالات في الجرائد العربية التي تصدر في كندا بين 2009-2011 انتقلت للعيش في تركيا سنة 2018-2020 و هناك أصدرت أول كتاب مطبوع بعنوان ( هيّا إلى الجنّة ). لكن لم أبدأ توزيعه على نطاق واسع. كتبت مجموعة مقالات لم أنشرها خلال السنوات القليلة الماضية. أعمل حالياّ على كتابة رواية قصيرة من 140-160 صفحة، تتناول موضوع الظلم الاجتماعي للمرأة في الشرق الأوسط، واخترت إحدى الدول مثالاً. أتوقع أن يصدر الكتاب في الربيع المقبل. أتنقل حالياً بين كندا و تركيا. شكراً لاهتمامكم الكريم، حمدي تمّوز. تورونتو.
This entry was posted in الأدب والفن. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.