أسرار آلعشق – ألحلقةُ آلثانيّة

بقلم : ألعارف ألحكيم عزيز الخزرجي
قصّة زليخا و يوسف أحْسَنُ آلقصص

حين نقرأ أو نشاهد أو نطالع قصص آلعشاق عبر التأريخ ينجذب ألجّميع نحوها و يزداد الحديث عنهم و عن الحُبّ خصوصاً في هذا الزّمن ألمالح .. و نتوهّم أنّهم عموماً يُجسّدون أسمى معاني آلنّبل و العشق و الأنسانيّة بمدّعياتهم .. و لكن حين نسترجع حيثيات ما يدّعون نراها تنتهي لمآرب آخرى للأسف بعكس قصص العشاق الخالدة للأنبياء و الصالحين و المخلصين بوعيّ، و بآلتالي نكشف أننا لا نعلم شيئا عن أسرار الحُبّ والوفاء و فلسفة العشق حين نسخّرها لمآرب دنيئة مادية و محدودة، ففي آلماضي كان الحُبّ خالصاً, يُقدّم صاحبهُ بلا مقابل كلّ شيئ, و يُضحّي حتى بروحه، بحيث تكاد لا تجد قصة تشبهها بهذا الشأن رغم تقدم الزمن و تطور العقل و الفكر في زماننا, بل حدث العكس على ما يبدو أيضاً و للأسف حيث تقلّص معنى الحُبّ مع تطوّر الفكر و التكنولوجيا و قوّة العقل, بحيث بدأ يتناسب الحُبّ عكسياً مع العقل!

لقد أحَبّت ملكة مصر (زُليخا) يُوسف الصِّديق وقتها حدّ العشق(1), فكان لا يمض يوم إلّا و يزداد شغفها بجمال و نور يوسف إلى أن راودته عن نفسه ظانّة أنه سيطيعها في معصية الله سبحانه و تعالى، إلّا أنّ يُوسف(ع) أبى أن يرتكب الخطيئة لولا (أن رآى برهان ربّه) وهو إنذاره تعالى له بسوء العاقبة فهرب خارجاً و هو يُناجي ربه:
[رَبِّ ألسِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ ۖ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَ أَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ] (2).
لكنهما وجدا فجأةً (بوتيفار) زوجها عند الباب, حين كان يهمّ بآلهروب للتخلّص مِنْ كيدها و من آلذنوب.

وأخبرت زليخا(3) زوجها (بوتيفار) على آلفور بأنهُ (أيّ يوسف) حاول أن يفعل معها الخطيئة، فحكم بأنّ الفيصل (الفصل) في هذه الحالة هو قميص يوسف (ع) .. فلو كان قد قُدّ بمسمار من الدُّبر فيكون في هذه الحالة بريئاً و إن كان قد قُدّ من قبل فمذنب، و وجد (بوتيفار) أنهُ مُمّزق من الخلف فأيقن وقتها أن زوجته (زليخا) هي الخائنة وهي من راودت يوسف(ع) عن نفسه(4).

و إستشاطت بعدها زليخا غضباً و سعت جاهدة لتبرير صنيعها بإقامة حفل لنساء أكابر مصر اللاتي تكلمن في هذه القصّة ألعجيبة و المشينة لها, و طلبت من يوسف (ع) أن يخرج عليهنّ, فإذا بالنّسوة يُقطعن أيديهن مبهورات من جماله و نوره عندما شهدن جمال يوسف فقُلن: [فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَٰذَا بَشَرًا إِنْ هَٰذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ](5).

و أمرت زليخا بزج يوسف (ع) في السجن حتى ينصاع لرغباتها، لكنه ثبت على موقفه فقضى في السجن أكثر من 10 سنين، لكن زليخا أخذت تعاني من آلام فراقهِ كثيراً و ازداد عشقها و تعلقها به حتى باتت تقضي أيامها بالبكاء شوقاً إليه ممّا أضعف بصرها و جعلها تشيخ بسرعة و تفقد جمالها, لأن فقدان الحبّ أو حتى نصف الحب من طرف واحد و كما قلنا في حكمة كونية في القسم الأول من هذا البحث (6) فأن الأنسان يشيب حتى لو كان شاباً في مقتبل العمر.

ومن شدة إشتياقها له طلبت زليخا من السجان أن يذهب ويضرب يوسف (ع) من أجل سماع صوتة فقال السجان ليوسف لقد أمرتني الملكة أن أضربك لتسمع صوتك ولكني سوف أضرب الأرض وأنت أصرخ، وظلوا يفعلون هكذا لعدة أيام، ولكنها كانت تعلم بذلك فقالت بعدها للسجان أريدك أن تضرب يوسف (س) حقا فقال لها أنا أفعل ذلك، فردت عليه أنك لم تفعل فلو فعلت كنت أحسست بالصوت على جلده قبل أن يصرخ.

وعاد السجان ليوسف (ع) وحكى له ما دار بينه وبين الملكة فقال نبي الله يوسف افعل ما أُمرت به فأخذ السجان الصوت وضرب يوسف (س)، وفي لحظة وقوع الصوت على جسده الشريف أحست به زليخا قبل أن يصرخ يوسف (س) في حينها صرخت زليخة فقالت “ارفع سوطك عن حبيبي يوسف فلقد قطعت قلبي”.

و لما قام النبي يوسف (ع) بتفسير رؤيا ملك مصر أخناتون “أمنحوتب الرابع” و ظهور براءته بآلتزامن مع ذلك باعتراف زُليخا، و شهادة نساء مصر بكون يوسف (ع) كان عفيفاً تقياً كملك طاهر، قام الملك أخناتون بإطلاق سراحه وتعينه عزيزاً لمصر بعد وفاة بوتيفار زوج زليخا و الذي مرض وتأثر من خيانة زوجته له، و ندمه ألشّديد على سجن يوسف (ع) لسنوات طويلة و قاسية.

و بعد أن تولى يوسف(ع) العرش و أصبحت زليخا كسائر الناس تعبد الله في ركن ليس ببعيد عن القصر مع إحدى وصيفاتها، وقد شَابَ رأسها و تغيير حالها وعميت عينها و تقوّس ظهرها حباً بيوسف (ع) و كانت معظم الأيام تجلس زليخا أمام بيتها وبجوارها جاريتها عسى أن تخبرها بقدوم يوسف (ع) أملاً بملاقاته، فعشقها ليوسف كان له لهيب لا ينطفئ، و بالفعل ظهر موكب يوسف (ع) ذات يوم فاستوقفته زليخا و ناشدتة أن يُحدّثها و تراه لتروي ضمئها من رؤيته بعد تلك الغربة(7)!

و حين رآها يوسف تألّم عليها و إستغرب من وضعها, و سألها:
هذا أنتِ يا زليخا؟

قالتـ: نعم .. كنت أنا يوماً ما .. و آلآن كليّ أنت, و لا زليخا في الوجود.

أَ لَا تسألني عن حُسني و جمالي أين ذهب؟
أَ لَا تسألني عن مالي و ثروتي أين ذهبت؟
أَ لَا تَسألني عن الحشم والخدم أين ذهبت؟
أَ لَا تَسأَلني عن جاهي وجلالي أين ذهب؟

لقد ذهب و ذاب كل ذلك بسببكَ, بعد ما أصبح عشقي لك كل شيئ .. و ما زال ذلك العشق قائمأً و حافظت عليه بسويداء قلبيّ!
و للآن و لم يبق لي أملٌ سوى رؤيتك!؟
قال يوسف و قد بدأت دموعه تنحدر .. حيث كان يحبها أيضاً: ألَمُ آلعشق يُذيب القلب و يجلب الهمّ و النكد و حتى الغربة ..
ثمَّ قالت: بقي لي آخر رجاءٌ .. و هو رؤيتك التي تحتاج لعينيين بصيرتين .. لا أملكهما كما تشهد!؟
فتألّم يوسف كثيراً و كاد أن ينهار من شدّة التأثر لحالها .. و لحظتها دعا نبيّ الله ربّهُ لشفائها ببركة الصلاة على محمد و آل محمد, فعاد بصرها و جمالها و شبابها في الحال و كأنها كانت في الرابعة عشر من عمرها!
و حين لمحت تلك المعجزة الألهيّة التي تجسّدت في وجودها, أسلمت لله و شكرته و عشقته و إنشغلت بآلعبادة في غرفتها تناجي معشوقها و تتلذّذ بعبادتها بجانب خادمتها و عاشت على حالها فترة من الزمن!

بعد فترة إشتاق يوسف لرؤيتها, لأنّ آلجّمال و آلصّفاء و المحبة الألهية و رحمته تعالى التي شملتها جعلتها أجمل مما كانت من قبل و من كل نساء مصر, فسعى للقائها .. و حين وصل الصّديق و طرق بابها, فتحت الخادمة الباب له, و سألها يوسف بعد السلام؛ أن تسمح له لزيارة زليخا!؟
فعادت الخادمة لسيدتها لتأخذ الأذن ليوسف .. فرأت سيدتها تصلي و تتعبد لله, فرجعت و أخبرت يوسف .. بأنها مشغولة بآلصّلاة و لا تستطيع مقاطعتها, فإنتظر يوسف ساعةً على بابها حتى أنهت صلاتها, فسألتها الخادمة؛ يا مولاتي إنّ يُوسيسيف بآلباب يريد مقابلتك, فهل تأذني له!؟
قالت زليخا: إنا مشغولة بآلعبادة ولا وقت لي لرؤيته الآن, فليرحل لوقت آخر!
رجعت الخادمة ليوسف و أخبرته بما قالت زليخا, لكن شوق يوسف إزداد لها!
كيف لزليخا أن تفعل ذلك و أنا ملكها و سلطانها و نبي الله و فوق ذلك أحبها!؟
أرجوك أن تسأليها مرّة أخرى بأني مشتاق كثيراً لرؤيتها و لو للحظات و أرحل؟
دخلت الخادمة مرة أخرى على زليخا ليسألها : أنّ يُوسف يلحّ و يرجو مقابلتها .. فماذا تقولين!؟
قالت زليخا: قولي لهُ: [إنّ عشقك كان لي وسيلة للوصول إلى المعشوق الحقيقيّ, و قد وصلتُ آلآن لمُنيتي و لا شغل لي به]؟ عند ما سمع يوسف ذلك الكلام .. أخذ يبكي بحرقة لأنه هو أيضا كان يُحبّها, ثمّ رجاها للمرّة الأخيرة أن تسمح بلقائها!؟
و عندما سمحت لهُ بعد تلك التوسلات .. دخل يُوسف ملك مصر مندهشاً و الدّموع تنهمر على خدّيه و سلّم سلام حائر مشتاق, و ردّت السلام؛ فعاتبها يوسف بدموعه و نظراته, و قال: لماذا هذا الجّفاء يا سيّدتي؟
قالت: بل أنت آلجافي!
ثم أضافت: نحن كلنا عشاق الله, و أشكرك على الجفاء و آلوصل بيننا .. لقد كنت يا يوسف سبباً لوصولي إلى معشوقيّ الحقيقيّ, و عليكَ أنت أيضاً الأستعداد للقاء المعشوق, و لا تُجادلني في الذي كان .. فآلأسرار آلعشق كثيرة و كبيرة, و أنا كشفت (سرّ العشق) الأزلي الذي به سأخلد, و عليكَ السّعي لبلوغ ما بلغت فقد أحببت أن تلحق بمن أُحبّك! و الحمد لله.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سابقاً في الدّيانة اليهودية كما الدّيانات التي سبقتها؛ كانت المرأة تستطيع أن تتزوّج من رجل ثان و حتى زواج إبن الأخر من العمة(أخت الأب) أيضا كانت رائجة, لكنّ المسيحية كما الأسلام غيّرا هذا القانون و صار العكس فيما بعد, فأصبح بإمكان الرجل أن يتزوج أكثر من امرأة و المرأة لا حقّ لها, مع حرمة زواج العمة من إبن أخيها.
من جانب آخر؛ قد يعلم بعض العرفاء بأنّ هناك فرق كبير بين الحبّ و العشق أو ما أسماه القرآن الكريم بـ (الحب ألشديد), راجع مؤلفاتنا بهذا الشأن.
(2) سورة يوسف / 33.
(3) (زليخا), هي (راعيل بنت رماييل) و زُليخا لقبها, هي زوجة عزيز مصر (بوتيفار), و يقال بأنها تزوجت يوسف بعد موت زوجها بوتيفار.
(4) إستوقفتني مسألة هامة و أنا أطالع تلك القصة لدراستها و تحليلها, حيث كنت وقتها ألقي المحاضرات الشبه يومية على الأسرى و المهاجرين العراقيين خارج العراق, لاحظت أن فرعون مصر بل جميع الفراعنة الذين لم نعرف عنهم سوى الظلم و القسوة و الصرامة في الحكم و التعامل .. و هذه كانت حقيقة لا يمكن نكرانها, لكن بجانب هذا رأيت نوعاً من العدالة الموزونة في سيرتهم و حكمهم خصوصا مع مقربيهم و عمالهم و موظيفهم, بعكس الصورة آلمشينة التي وحدها دخلت عقولنا من الصغر للأسف, فأصبح الناس للأسف ذو حدية و صرامة و كأنها صفات إيجابية .. لقد أوعز بوتيفار الأمر إلى القضاء العادل مع الأدلة كي يحكم بآلأمر .. فكان ما كان و كما يعرف العالم (مسلمين ؛ يهود ؛ مسيحيين) تلك القصة التي أعتبرها القرآن من أفضل القصص, و ليس هذا فقط .. بل نرى أن زوج زليخا بوتيفار, قد إغتمّ و حزن كثيراً لخيانة زوجته و بقي حتى آخر العمر لم يتزوج و مرض و قعد لأكثر من سنة عليلاً حتى مات, لهذا فإن العشق عالمٌ غريب يتعدى آثاره و حدوده حتى حدود المعتقدات و الدّيانات!
(5) سورة يوسف / 31.
(6) راجع القسم الأول عبر الرابط:
https://mufakerhur.org/%d8%a3%d8%b3%d8%b1%d8%a7%d8%b1-%d8%a2%d9%84%d8%b9%d8%b4%d9%82/
(7) عندما رآها يوسف (ع) بتلك الحالة, قال لها: أين شبابك و جمالك؟ فقالت لقد ذهب بسببك، فردّ عليها؛ و كيف بك لو تَرَىن نبيّ آخر الزمان و هو أملح منيّ و أكثر جمالاً و سخاءً و هو سيّد ألرّسل (ص) وخاتمها فقالت (زليخا)؛ آمنت بذلك النبي, فجاء جبريل(ع) ليوسف و قال له: يا يوسف قل لزليخا (أنّ الله تاب عليها ببركة الصلاة على محمد وآل محمد).

About عزيز الخزرجي

ألسيرة الشخصيّة _ للفيلسوف الكوني عزيز حميد الخزرجي * ولد الفيلسوف عام 1955م في الأول من شهر تموز وسط العراق – محافظة واسط ثم إنتقل إلى بغداد لأكمال دراسته الأكاديمية و الحوزوية في نفس الوقت, حيث درس في عدة جامعات و حصل على عدّة شهادات عالية في مجموعة من الأختصاصات إلا أن تأريخه الحقيقي هو - إمتدادٌ لتأريخ آلحركة آلفكرية آلأنسانية - الكونية لأجل المحبة و آلعدالة و آلحرية و آلمساواة كوريث للتراث الفكري الأنساني - الكوني, لذلك تحَمّلتُ قيادة آلصراع ضد آلظلم و آلأفكار آلوضعية كأمين عام لحركة آلثورة الأسلامية بدأ حياته الفكرية - التغييرية في بداية آلسبعينات, بجانب تعاونه مع باقي الحركات الفكرية و السياسية و الأسلاميّة التي شاركتنا المحنة في نفس تلك الأهداف المقدسة ضد النظام البعثي الصدامي )المجرم و كل أنظمة الفساد في العالم بقيادة (المنظمة الأقتصادية العالمية, و مرّتْ آلسّنون علينا كالجّمر و لا زلنا نكابد الضيم و الظلم و الجشع بسبب فساد المفسدين في الأرض. * ولأّنّ والده(رحمه آلله) كان له نشاطاً سياسياً في بداية حياته ضد الأنظمة الظالمة و منها آلنظام البعثي الهمجي ألهجين, لذلك واجهت العائلة و الأصدقاء و الأقرباء الكثير من المحن و المواجهات مع الظالمين و تَطَبّعوا منذُ آلبداية على آلرفض المطلق لتلك آلأنظمة الجاهلية ألتي خنقت آلأنفاس و آلحرّيات و هدرت حقوق الناس و قتلت آلمفكرين و آلعلماء و آلمثقفين ليحلّ آلموت بَدَلَ آلحياة في كلّ حدبٍ و صوب في آلبلاد وآلعباد وآلعراء ليترك شعباً معوقاً جسدياً و نفسياً و روحياً و ستمدد المحن لأجيال أخرى .. و بذلك بيّضَت تلك الأنظمة و على رأسها نظام صدّام الجاهل بظلمه و جرائمهِ وجْهَ كل طغاة التأريخ بما فيهم آلحجاج بن يوسف ألثقفي و هتلر و موسيليني. * و لإنّ الفيلسوف الكوني الوحيد في هذا الوجود أمن بأنّ آلفكر هو وحده الذي يُمثّل حقيقة وجود آلأنسان؛ لذلك لم يترك كتاباً فكريّاً أو فلسفياً أو تأريخياً أو إجتماعياً..إلّا و طالعهُ بدقة و تأنٍ, كي لا يفوته شيئ من تأريخ الكون و الأنسان, لكونه إنسان إرتقى سلم الآدمية بعد ما كان مجرد أحد البشر .. فدرس إيبستيمولوجيا المعرفة من وصية أبينا آدم(ع) ألتي أتى بها إلى آلأرض ثم تنقل من يد لآخر, مروراً بنزول "إقرأ" في آلقرآن آلكريم كآخر كتاب سماوي في الأرض و إلى آخر نتاجٍ فكريّ مُعاصر .. سريعاً أو متأملاً؛ مُسْتطلعاً أو باحثاً - لكنّه و يا للحيرة كلّما كان يغوص في أعماق معارف آلآفاق و آلأنفس أكثر؛ كلّما كنتُ أحسّ بآلمزيد من آلجّهل و آلحيرة أمام عظمة آلحقائق و آلعلوم و الجمال و آلأسرار آللامتناهية في هذا الوجود كانت تؤرّقه و تشلّ إرادته حد التسليم مسبباً له الدوار في رأسه, و كاد أن يستسلم أمامها .. مِراراً .. لولا آلألطاف آلألهية ببركة أهل آلبيت(ع) المظلومين و عشقه الكبير لله تعالى آلذي أعانه في كلّ نجاح حقّقته حتى صار أميناً على رسالة الكون العظيمة التي تركها الناس الذين فقدوا الضمير و الوجدان و آلرحمة .. و وُفّق إلى حد كبير في آلرّبط و ليس – آلدّمج - بين آلأفكار و آلعقائد و آلعلوم الطبيعية و الأنسانية من خلال نتاجات عديدة كسلسلة ؛[أسفارٌ في أسرار آلوجود] و [ألسياسة و آلأخلاق ؛ من يحكم من؟] و [مستقبلنا بين الدين و الديمقراطية] و [محنة الفكر الأنساني] و [ألأزمنة البشرية المحروق] و [فلسفة الفلسفة الكونية] و غيرها, بجانب "آلمقالات" التي ملأت الآفاق - لأنّ الدّمج و آلخلط بين آلأفكار يُسبّب آلفوضى و آلتناقض و آلجنون في فكر آلأنسان المثقف الأكاديمي و الباحث و كل من يسلك طريق الثقافة و الادب, و بالتالي ألتّشتُتَ و آلضياع, و تلك لعمري هو حال معظم - إن لم أقل كل - ألمُتثقفين ألمعاصرين! لذلك كان الفيلسوف الكوني و ما زال يستقبل و يستمع لكلّ آلآراء كي يعرف مواقع الخطأ و آلشبهة للوصول إلى خفايا الحقيقة مهما كان الثمن لبيان آلحقّ للناس كما يستحق. * و يعتقد الفيلسوف الكوني بأن آلأنسان لا يمثل إلّا آلفكر بجانب المحبة, لأن [الدين و العلم تؤأمان؛ إن إفترقا إحترقا], و قوله أيضا: [الأشجار تتكأ على الأرض لتنمو و تثمر لكن الأنسان يتكأ على المحبة لينمو و يثمر]؟ و لا يتكامل الفكر إلا مع القلب الرؤوف في اجواء الأمن و الهدوء .. و آلأهم ما في آلفكر هو مرجعية ذلك آلفكر و قواعده, و إذا ما أردنا لذلك آلفكر أن ينتشر من قبل آلنخبة فلا بُدّ من تحديد آلمنهج ألأمثل و آلعمل آلفكري جنباً إلى جنب مع آلتواضع و آلأخلاق والسلوك السوي؟ لأنّ آلمجتمع ألذي لا يصنع أفكارهُ آلرئيسية بنفسه لنيل آلكمال؛ لا يُمكنه حتّى من صنع آلحاجات آلضرورية لأستهلاكه و معيشته,وهكذا المنتجات الضرورية لتصنعيه! كما لا يُمكن لمجتمعٍ في عصر آلنهضة و(المعلومات)أن يُحقّق آلبناء و آلإعمار والرّقي بآلأفكار آلمستوردةِ ألجاهزة التي قد يستطيع النطق بها وكتابتها؛ لكن من المستحيل وعيها و درك أبعادها, لأنها مُسلّطة عليه و تكمن فيها الأسرار من الداخل و آلخارج و لذلك بقيت حال الدول العربية و الأسلامية كما هي تُراوح في مكانها: إلأمة التي تريد أن تتطور تحتاج إلى آلأصالة آلفكرية و آلتوحيد آلعملي ألضّامن للنهضة و الأستقلال آلأقتصادي و آلسّياسي, و آلمفكر و فوقه الفيلسوف يتحمل مسؤولية ذلك لتحقيق آلعدل و آلخير, و كذا آلوقوف بوجه آلظلم قبل آلغير .. وفي أيّ بقعة ومكان من آلأرض. * و يعتقد باننا لو قدرنا على ربط آلأفكار و آلمفاهيم و آلقيم و آلعلوم و برمجتها منطقياً للتطبيق بدون آلدّمج؛ لتمكّنا من آلعيش أحراراً و لحقّقنا آلكثير لدُنيانا و آخرتنا, من غير أنْ يفرض آلآخرون آرائهم علينا أي إستعمارنا! فالمعرفة بجانب الأيمان هي القدرة و آلأستكمان لنشر آلعدالة وتقليل زوايا آلظلم و آلفساد و الفقر و آلأستغلال على آلأقلّ, و هذا هو فنّ آلسياسة اللأنسانية الكونية آلمشروعة في آلفكر آلأسلامي و نقطة آلأنطلاق آلصحيحة للبدء بآلأسفار الكونية للوصول إلى مدينة العشق! و لأجل تلك آلمقدمات, وآلجهل بسِرّ آلأسرار في آلكون و آلخلق بدأ الفيلسوف الكوني الخزرجي .. بالبحث عن فضاآت أرحب للمعرفة و لأطلاق عنان الفكر, لذلك لا بد من التوكل على الله و البدء بآلأسفار شرقاً و غرباً, خصوصا بعد ما عجزت حوزةآلنجف بكل ثقلها العلمي و تأريخها من إرواء ضمئه آلروحي و آلفكري .. حيث لم يجد ضالته فيها خصوصاً بعد إستشهاد أستاذه آلروحي ألعارف ألفيلسوف محمد باقر آلصدر(قدس), فقد بدأ يشعر من بعده بالموت آلبطيئ مع إستمرار البعث آلهجين بفسادهِ في آلحكم لتقرير مصير الشعب العراي الذي عاش و مازال يعيش في أعماق الجهل, فمضي باحثاً عن جواب شافي لقلبه و روحه ألمتلهفة لمعرفة الحقيقة و ما كان يدور حول العالم وفي هذا آلكون من آلألغاز و آلأسرار و آلرموز آلتي أحاطتْ بفكره وسط أمواجٍ و إعتراضات و أسئلةٍ عصيّةٍ على آلمقاومةأباحت حتى دمه! * كانتْ مدينتا (قمّ و طهران) بعد أوربا .. ألمحطة ألسابعة وآلثامنة بعد هجرته الأولى من آلعراق عام1979م, حيث لمس فيهما آلحقيقة كلها تقريباً لوجود أساطين العلم و الفلسفة أمثال المطهري والآملي! فعكف على مطالعة أفكار آلعلماء وآلعرفاء و إلتقاهم شخصيّاً و تباحث معهم لسنين منهم فيلسوف العصر جواد الآملي الذي طمأنني بأني مُؤهل لزعامة الفكر الأنسانيّ - الكوني وإن كان قد خسر عمراً مع أحكام المنطق و الاصول و التقليد الشخصية البالية التي لم تغن و لم تسمن من جوع والتي تعلّمها في النجف, و مؤكّداً بأن الحكمة العملية قد ينالها صاحب القلب السليم فجأة بإذن الله, و كما كان حال السهروردي و السلطان شاه آبادي و الملا صرا و (إبن سينا) الذي قال :[ لقد كان (أبو سعيد أبو الخير) سبباً في تقدّم إيماني 50 عاماً للأمام] كان هذا بعد لقائه و مرافقته للعارف أبو سعيد في نيشابور التي تسمى بخراسان ومدينة(مشهد اليوم)في قصة وحادثة معروفة عرضناها في مباحثنا, لكنّه - اي الفيلسوف الكوني - ترك تلك آلبلاد ألآمنة ألعامرة بآلعرفان و آلعشق و آلأسلام آلأصيل عام1995م بإذن شرعيّ, إلى أقصى آلدّنيا شمال أمريكا(كندا) لتكتمل غربته في هذا آلوجود(الروحية والمادية), حيث إنقطع عن آلأصل والفرع تباعاً, و إنْ إرتاح وإنتعش آلجسم - ببعده المادي قليلاً لكنه بآلمقابل عانى ألم الفراق والبعد عن معشوقي الأزلي وسط غربة مضاعفة أضيفت لغربته الأولى حين أنقطع عن الأصل يوم ولد في هذه الدنيا بكل معنى الكلمة, و رغم كل المعوقات والغربة فقد إنطلق آلفكر و في جولة أخرى وسط مجتمع يختلف كثيراً عن شرقنا, و ما إستقرّت روحه و ما إرتاحت حتى هذه اللحظة.. بل عانى آلكثير حين أدرك محنة حقيقة الأنسان في بلد "آلديمقراطية" بكلّ أبعادها, و أحسّتْ بتفاهة – بل خطورة - ألبعد آلمادي عندما يتجَرّد آلأنسان من بُعدهِ آلرّوحي و آلفكريّ في معركة الحياة مهما كانت تلك البلاد متطورة مادياً و تكنولوجيا, لأنّ آلمادّة لا تُمثّل حقيقتنا الأساسية, بل آلأصل هو قلب آلأنسان و ضميره آلباطن و وجدانهُ - بآلطبع يقصد الحكومات و الأنظمة و ليست الشعوب المغلوبة فيها بسببهم! و رغم هذه آلمأساة .. لكنه لم يستكين و لم يستسلم في آلبحث عن ضآلته! لهذا بقي غريباً بحقّ .. عن آلدّيار و آلآثار و آلأصول و الجذور .. فطباعه الشرقية بقيت هي الأصل الذي يحرّكه! *في تلك البلاد طالع بشغفٍ أسباب محنة آلأنسان و وجهته المعاصرة وسط زبرجة الحياة و صوت التحرر, و قارنها مع قصة آلفلسفة و آلوجود, و أصل آلأفكار و دواعيها, و آلصراع آلأزلي بين الخير و آلشر, و علّة تفنّنْ آلأنسان في آلأستغلال و آلتسلط, و نشأة آلكون و أصل آلوجود, و نظرية ألـ (ألبَك بَنك), و حقيقة المادة ونشأتها و مكونات الذرة و آلزمن .. و سبب "قَسَم" آلله تعالى بـ " آلعصر"؟ و هل يتقدم أم يتأخر مع آلحركــــة؟ يزيدُ أم ينقص مع إســتمرار آلحياة؟ ثم أسرار و مقياس آلجمال في آلوجود! و علاقة آلقلب مع آلعقل, و آلجسم مع آلروح, و رابطة تلك القوى آلمجهولة مع آلنفس! و آلكلّ مع منبع آلفيض آلألهي. و آلحكمة من كل تلك آلألغاز في آلوجود! وهل آلأنسان و كلّ تلك آلألغاز خُلقتْ لغاية عظمى؟ و هل حقاً لنا وجود في آلوجود؟ أم إننا قائمون بوجود أصل حقيقي نجهله؟ و هل نُفنى و يفنى كلّ هذا الوجود .. بعد "آلصّورَتَينْ" ليبقى فقط وجه ربك ذو آلجلال و آلأكرام؟ وإذا كان كذلك؛ فلماذا إذن كل تلك المحن و المكابدة و آلأسفار في آلآفاق و آلأنفس و آلملكوت؟ ماذا وراء تلك آلحِكَمِ ألمكنونة؟ و أين يكمن سرّ آلأسرار؟ و تأسف بل كثيرا ما بكى ولا زال لمحنة أخيه الأنسان و لمحنته و لمحنة"جبران خليل جبران" و"إيلياأبو ماضي" و "أبو سعيد أبو الخير".. لأنه عندما إلتقى بآلعارف أبو الخير .. كان من وراء حجاب في عالم آلبرزخ الذي يتوسط بين الدنيا و الآخرة .. لذلك لم يجديه جواب الفيلسوف على حِمَمِ أسئلتهِ آلكبيرة آلتي تركها بعد ما نثرها على آلعالمين قبل قرنٍ تقريباً.. معلناً "لستُ أدري" .. ومن أين أتيْت؟ و كيف أتيتْ؟ و إلى أين أتيتْ؟ و لِمَ أتيتْ؟ و مع من أتيتْ؟ و إلى أين أرجع؟ أمّا فيلسوفنا القدير فقد علم .. لكنه تأسف من تلك المعلومة و تمنى بان لم يكنْ قد علم!؟ لأنه علم أنه لا يعلم شيئاً من سرّ آلوجود و آلزمن و آلجمال و أصلّ آلشر في آلأنسان .. سوى حقيقة واحدة .. هي حبّه للأنسان رغم كل الذي لاقاه منه, فقد جبلت نفسه عليه مُذ كان صغيراً! ليعيش بين حقائق و تناقضات كثيرة! لأنّ ألصدق في آلحب مع آلناس يعني تدمير النفس, كماآلصدق مع آلذات يعني قتل الذات. و هل هناك أصعب من أن يعيش آلأنسان مُحمّلاً بأثقالٍ عجز عن حملها آلسمواتُ و آلأرض و أشفقن منها!؟ لذلك طالما كان يقول؛ شيّبتني تلك الأمانة آلتي إحتوتني بإختيار و بلا إختيار! فأكتملت محنتي و زاد تواضعي حين أدركتُ آلحقيقة آلكبرى و تلك آلأمانة آلثقيلة .. خصوصاً عندما طالع وصيّة العارف الكبير "إبو سعيد أبو الخير" للعارف آلفيلسوف " أبن سينا" حيث قال له عقب حادثة محيّرة: [عليك يا أبن سينا أن تخرج من آلأسلام آلمجازي و تدخل في آلكفر آلحقيقي], فأعقب آلفيلسوف آلهمام أبن سينا على تلك آلوصية بالقول: [ لقد سبّبتْ لي تلك الجملة تقدميّ في مدارج آلأيمان خمسين عاماً"! * بعد هذا السفر العظيم, بقي الفيلسوف الكوني مهموماً .. كئيباً .. مثقلاً .. أذاب آلصبر على آلمعشوق جسده النحيل وأثقل روحه حتى عاد لا يتحمّله, و ما يُدرينا .. لعله سيبقى لولا رحمتهِ حائراً وحيداً مكتئباً مكسور القلب مغترباً بقية العمر كقدر كونيّ حتى يلقى محبوبه الأولي في يومٍ موعود لا شكّ فيهِ!؟ * و رغم كونه فيلسوفاً كونيا وحيداً بعد ما كان مجرد مهندسا و مدرسا ثم مديراً و متخصصا و أستاذا جامعياً, و حائزاً على دبلوم إختصاص في تكنولوجيا آلتربية, و ماجستير في علم النفس, و متخصص في الفلسفة بالأضافة لدورات علمية عديدة – إلّا أنّ كل ذلك آلخزين آلعلمي و آلمعرفي و آلتجارب آلعملية لا تعادل دُروس آلعرفان و العشق و آلأخلاق ألتي تعلّمها و أخذها مباشرةً من أستاذه ألأنسان بل الآدميّ ألشهيد ألفيلسوف محمد باقر آلصدر(قدس)أثناء زياراته له في آلنجف آلأشرف خلال السبعينات نهاية كل شهر و مناسبة! و لم يترك في وجوده كل تلك الأختصاصات بجانب عشرات آلآلاف من آلأساتذه أثراً يذكر – لكون كل كتاب قرأهُ كان أستاذاً له – لكنها لم ترتقى للقدر الذي تركه ذلك آلأنسان الآدميّ ألشهيد ألكامل من حقائق علّمته كيف السبيل لمعرفة الحقيقة وسط الهرج وآلمرج والنقاق و الكذب الذي يعيشه العالم .. كل العالم! * ترك التنظيمات ألحزبية - آلحركيّةرغم تأسيسه لحركة آلثورة آلأسلامية 1975م, حين رأي بأن آلأطار آلحزبي يُقيّد حركته و حركة آلآخرين و تكاد آلصنمية تطغى على حياة الحزبي - آلحركيّ, رغم أهدافهم آلعالية بآلدعوة للأسلام لإنقاذ الأنسان من شر (المنظمة الأقتصادية العالمية) و تأسيس آلحكومة آلأسلامية العلوية بدلها, هذا على الرغم من مباركة كلّ آلمرجعيات آلدّينية للعمل الأسلامي, لأن الكوني لا يمكن أن يحصر نفسه ضمن تنظيم لمنفعة الرؤوساء و كما هو حال كل التنظيمات العاملة إسلامية و غير إسلامية, بلا جدوى ونتيجة, خصوصاً بعد ما لاحظ عملياًإنقطاع حبل الولاية في مسعاهم و بُعد المتحزب عن محبة الله و الأنسان و التكور حول ذاته ونفسه الأمارة بآلسوء, بسبب دورانهم في حلقات و مدارات آلتنظيم و العمل آلحزبيّ آلمحدود الذي يحجم فكر و روح الأنسان, حيث لم تعد تُناسب حجم و قوة آلأفكار وآلأهداف وآلموضوعات التي كان بصددها خصوصا بعد إنتصار ثورة آلحقّ في آلشرق! * كتب الفيلسوف الكوني مئات آلبحوث و آلاف آلمقالات آلمختلفة و البيانات العامة في آلسياسة و آلفكر و آلأعلام و آلمنهج و آلفلسفة و آلعلوم و آلمناهج, و شارك في ألتمهيد لتأسيس آلمجلس آلأعلى آلعراقي عام1981م, و تأسيس أوّل صحيفة لها بإسم(آلشهادة), وقبلها تأسيس صحيفة آلجهاد بعد ما كانت مجلة شهرية بإسم الجهاد ثم (بيام دعوت) بآلفارسية, و أسّس ألمراكز و آلمواقع و آلمنتديات آلأعلامية و آلفكرية و آلمنابر الثقافية العديدة تباعاً, كان ولا زال تربطه علاقات و صداقة مع الفيلسوف سروش الذي يُعد من أبرز الفلاسفة العشر المعاصرين في العالم, حيث عمل معه لأصدار مجلة سروش ولأعوام و عمل مع كبار المثقفين و السياسيين العراقيين منهم عزّ الدين سليم و أبو محمد العامري حيث كان مستشاراً و منظمماً و مخرجاً لصحيفة(الشهادة)المعروفة و قبلها (الجهاد) و قبل ذلك مجلة (الجهاد) و (رسالة الدعوة) و النشرة الخاصة المحدودة التداول (العيون) والتي كانت توزع على خمسة أشخاص فقط هم: السيد محمد باقر الحكيم و آلشيخ سالك ممثل الأمام الراحل و رئيس قسم المعلومات في المجلس,و كذلك موقع (المنهج الأمثل)وغيره و قصته تطول و تطول نكتفي بهذا ولا حول ولا قوة إلا بالله آلعلي آلعظيم ألسيد الموسوي
This entry was posted in فكر حر. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.