” أسباب هجرة #السريان من #الجزيرة_السورية “

الكاتب نور دوشي
هاجرت أسرتي و أنا في الثامنة من عمري من رأس العين في الحسكة إلى طرطوس, و كانت النقلة بالنسبة لي نوعية. شعرت ذات شعور من يذهب من سوريا إلى أوروبا. هذا مخجل و محزن و معيب. الحسكة أو الجزيرة السورية تحتوي على النفط ما يعادل نفط ولاية تكساس. كنت أذهب إلى الحسكة في التسعينيات و كانت الحسكة, عاصمة المحافظة, معظم شوارعها غير معبّدة. كانت جحيماً. كل شبابها السرياني هاجر المدينة و تركها و كان يحلم بترك سوريا إلى الأبد. قبيل الاحتلال الفرنسي, هاجر سوريا 330 ألف مواطن سوري (الغالبية الساحقة من المسيحيين, و الغالبية الساحقة من أولئك هم من السريان). للقارئ أن يتحقق في كتاب
“An Economic History of the Middle East and North Africa by Charles Issawi”
كان يضحك علينا أهل الساحل بسبب تأخر أوضاعنا كأهل محافظة في قلبي صرخة تريد أن تقول “لأن كل مالها مسروق من شعبها الذي بناها على مدار 3000 سنة لكي يبني من الساحل قلعة و شبه دويلة أوروبية”
و المحزن أن معظم شبابنا السرياني منذ أول يوم و هو يتعلق بسفينة غارقة حتى بات الجميع يحتقره و لا يأبه لقتله. قال دنحو داوود, محافظ طرطوس, سرياني من الحسكة, للرئيس حافظ الأسد, طلب من حافظ الأسد مترجياً أن يحسّن من وضع الحسكة لكي لا يهجرها شعبها الأصلي. كانت رأس العين و الحسكة و الدرباسية و القامشلي و عامودا و تل تمر و غيره ذات أغلبية مسيحية ساحقة. أتذكر من طفولتي في الجمعة العظيمة كانت شارع الكنائس و هو الشارع الرئيسي الآخر الذي يتقاطع مع شارع المحطة يمتلئ إلى آخره. كانت المسيحية بالآلاف. كلهم هاجروا. كلهم تركوا أرضهم هرباً من ذل الفقر و المعيشة المجحفة و كل ثروتهم ذهبت إلى جيوب آل الأسد


و اليوم يقولون عن نظام الأسد أنه يحمي المسيحيين. كيف حمى المسيحيين و هو من جعلهم مواطنين من الدرجة الثانية. وضع في الدستور مادة “دين رئيس الجمهورية الإسلام” و يتحججون بأنه لم يرد أن يزعج الأخوان المسلمين لأنهم تظاهروا. يا سلام. تظاهروا؟ و منذ متى يخاف من مظاهرة؟ لقد أعاد وضع ذات المادة بشار الأسد مع أن المحامين أزالوها. فقام بالإصرار على وضعها مرتين. نعم. ذلك في السنة قبل الماضية
و لكن ما يزعجني أكثر هو أنه لم يرد ذكر مذابح المسيحيين في مناهجنا الدراسية و لا مرة واحدة, و لا حتى على الهامش في كتابٍ ما. لقد ثقبوا آذاننا بمجزرة دير ياسين مع أن أعداد القتلى كانت أقل من 500. و هذا واجب. علينا أن نعرف عن تلك المذابح, و لكن بالعقل. بالعقل. هل الشعب الفلسطيني شعب سوري و نحن لسنا شعب سوري؟ في قرية أبي جدي, قرية الكولية وحدها فقط, تم ذبح 5000 رجل و امرأة و طفل و لم ينجو سوى 70 شخصاً فقط, بينهم خمسة رجال و سبعة نساء. هذه قرية واحدة من الكثير غيرها ممن تمت تصفيتهم في فترة زمنية خيالية.
قال لي أحد المسيحيين: “يا أخي ربما معطيات الواقع لم تكن تسمح للحديث عن تلك المذابح بسبب علاقاتنا مع تركيا”
فقمت بتذكيره أن علاقاتنا مع تركيا كانت سيئة جداً حتى أتى أردوغان قبل عدة سنوات و أصبحنا مع مثل السمن على العسل قبل أن يصبح عدونا اللدود. و منذ متى كان ذكر الحقائق مثل هذه تخضع للمعطيات السياسية؟
لا يا سادة, إن نظام الأسد مثله مثل الإسلاميين لا يأبه بالمسيحيين بل يستخدمهم كورقة ضغط فقط. في النهاية هو يريد دولة علوية (و إن كانت تبدو تعددية ظاهرياً و إن كانت أفضل من البديل الإسلامي) و لكن إن هذا الجهل لدى الشعب بمآسينا هو ما خلق هذا الحقد و الكره للمسيحيين الذين يرونهم على أنهم شعب لا يعترف بجميل المسلمين عليهم. يروننا على أننا شعب يتمتع بالحرية و الكرامة و لا يقتنع و هم لا يدرون ما نمر و ما مررنا به. بل هم لا يدرون هويتهم الحقيقية, أن غالبيتهم سريان أيضاً و لذلك يتم غض النظر عن مذابح السريان
نعم, حتى قبل فترة عندما تم الحديث عن مذابح الأرمن على قناة الدنيا لم يذكروا السريان. ما زالوا يصرون على طمس هويتنا و ما يزال شبابنا الذي يهرب لكي ينعم بحريات الغرب لا يريد لشعبنا أن ينعم بذات الحرية. و يقولون بأن هذا الإرهاب هو ما أنتجته مطالبنا. بل إن هذا الإرهاب هو نتيجة تهور و استهتار النظام الذي قام بتشتيت الشعب و دفعه نحو الهاوية بينما كان من الممكن أن نتحول إلى دولة تعددية يكون فيها أمل لشعبنا بالعودة و بناء بعضٍِ من مجدنا السابق. و لكن هيهات.

This entry was posted in فكر حر. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.