أسئلة مشروعة لمن قاد الثورة

سيذكر التاريخ أن ما حصل في سوريا من نزوح سابقة إنسانية لا مثيل لها في العصر الحديث، لكنه سيذكر أيضا أن البوصلة السورية وأصالتها كادت أن تتوه طويلاً وسط ازدحام الخلافات الإقليمية والدولية كتداعيات لأزمة البديل السياسي وسط الحاجة الملحة لمخرج إنساني، ومازلنا ننتظر القرار الأميركي الحازم، لكنه بدوره ينتظر بصبر مقيت أن تعدل حكومة الملالي بمزاجها عن منهجها المدمر في سوريا واليمن.
عشر سنوات على انتفاضة الشعب السوري، ومازال أغلب السوريين ينتظرون بفارغ الصبر سماع خبر تنحي الأسد، هذا الحدث بات مطلباً جماهيرياً يرمز لمعاناة ملايين من السوريين. لكن للأسف إرادة الشعب ما زالت مجمدة رغم بوادر المجاعة الحقيقية التي تنتظر الشعب بالداخل ورغم الحصار الذي فرضه واقع الحرب في سوريا على ملايين الأبرياء.
وما زال الحل السياسي المنشود غير متوافق عليه، ولا أمل بأي شعور بالمسؤولية من قبل أعضاء الزمرة الحاكمة من الطرفين (نظام ومعارضة) بأمر إيران, وهكذا تتفاقم المعاناة السورية فمن لم يقتله النظام في السجون وتحت التعذيب أو بالقصف بالكيماوي، يقتله الجوع وعدم توفير العلاج واللقاح ضد كوفيد 19. فالدولة السورية فشلت بكافة المعايير لكنها مستمرة بالإرادة الإيرانية.
ويحق لنا بعد عشر سنوات أن نقوم بعملية جرد وتساؤل، لماذا هذا الفشل الذريع لشعب قدم كل شيء ولا يفتقر للكفاءات ولا لشيء مقارنة بغيره ممن نجحت ثوراتهم؟
ولا يكفي أن نقول أن المعارضة فشلت بقيادة الثورة لبر الأمان ولا أن نكرر أن الوجوه التي تصدرت المشهد كانت غبية ومكونة من تنابل ذوي كروش كبيرة لا يملكون الكفاءات ومجرد فئة فاسدة وجشعة وزبائنية, لا هذا كلام أصبح غير مقنع للسوريين. فمن موّلهم وركّبهم على أكتافنا هم قيادات دول مهمة لها أجهزة حقيقية ولها الحنكة والمقدرة على ترتيب الكفاءات. ولو كانت تلك الدول التي تدعي صداقتنا تريد حقاً لنا النصر لما اختارت إهانة الشعب السوري الأصيل بهكذا معارضة؟ وهنا ربما حان الوقت أن نسأل أنفسنا التالي:
يا ترى ما هو النصر المنشود لنا من زاوية نظر تلك الدول وعلى من يجب أن ننتصر؟
هل يعقل أن تقبل دولة حليفة لإيران أن تنتصر إرادة الشعب الواضحة في سوريا على إيران؟
باختصار ووضوح، هل يعقل أن نصدق أن محور الدول الداعمة للإخوان كان يريد إضعاف إيران في سوريا؟
الإخوان لا يقبلون قط خوض أي حرب ضد الملالي، والدليل أن أول ما فعله الرئيس الراحل محمد مرسي لدى استلامه الحكم هو التقارب الرسمي مع إيران, ويومها وقفنا حائرين, نسأل إخوتنا في الثورة من قيادات الإخوان هل نحن في المركب ذاته معكم في حربنا ضد النظام؟ هل حقاً لنا العدو ذاته؟ وهل هذا الإيراني الذي يتلذذ بتعذيب أهلنا في السجون ويغتصب بناتنا ويذبح المدنيين العزل هو صديق كما كان مرسي صديقاً وأخاً لهم، المؤسف في الأمر أن أحداً من قيادات الإخوان في سوريا لم يبرر هذه المواقف حتى الآن؟


وأما قرارات قطر ومصر وتركيا، إن شاءت التودد والتقارب مع إيران، فلا علاقة لنا كسوريين بها إلا من منطلق محورنا الذي هو لماذا قمنا بالثورة إذاً؟
كيف نقنع أنفسنا أن كل تلك الدول التي تزعمت جدول دول أصدقاء الشعب السوري وأرسلت موظفيها للتشدق باسم الشعب السوري الثائر في الجامعة العربية كانت تريد النصر لثورتنا ضد النظام ؟ كيف والداعم الأول لبقاء النظام واستمراره هو إيران صديقتهم وحليفتهم؟
“اتقوا الله في شعوبكم” هكذا وعظ ممثل المعارضة الإمام معاذ الخطيب الحكام العرب في كلمته أمام ألجامعة العربية، وليته توجه يومها لإيران مطالباً إياها باتقاء الله في شعوبنا.
في الواقع ما حصل كان خدعة للسوريين لا تغتفر من قبل الإخوان المسلمين، وهنا لا بد من توضيح تاريخي حول الصراع السني الشيعي المزعوم فالصراع الحالي في منطقة الشرق ليس صراعاً مذهبياً شيعياً وسنياً قط، وهناك روابط تاريخية تربط الملالي بالإخوان المسلمين.
كلا الطرفين يحملان القيم نفسها ولهما الأحلام ذاتها في الخلافة العالمية. ومن المهم أن نتذكر أن لم يكن للإخوان المسلمين تاريخياً أي تباين كبير في وجهات النظر مع الجمهورية الإسلامية . لقد مولت إيران حماس ورحبت بانتصار مرسي في مصر.
ووفقاً لتصريح مصطفى الزهراني، مدير المعهد السياسي للدراسات الخارجية، وهو مركز أبحاث تابع لوزارة الخارجية الإيرانية :”كان فكر الإخوان مهماً لمؤسسي الجمهورية الإسلامية ونظام الملالي يتقاسم القيم ذاتها مع الإخوان المسلمين” وقال أيضاً : “نحن نؤمن بالديمقراطية الإسلامية وبالإسلام المعتدل، تماماً مثل منظمات الإخوان المسلمين المقربة من تركيا ومصر.”
قد يفسر هذا السرد بعضاً من واقع فشل المعارضة السورية حيث لا مبررات منطقية لهذا الفشل.
ولقد حصلت المعارضة الرسمية المعتمدة من تركيا وقطر على سيطرة الإخوان وتواطؤ حلفائهم على كافة الدعم اللازم مادياً وعسكرياً لإنقاذ الشعب السوري ونصر الثورة، ولكنها عملياً لم تفعل شيئاً ولم تتمكن حتى من تنظيم ذاتها أو تنظيم قرية واحدة في ريف إدلب بل تنازلت عن كافة مناطقها المحررة للجماعات المتطرفة وأفشلت الثورة دون أي شعور بالمسؤولية.
فهل كان كل هذا المشهد الحزين لمعارضة ساقطة بطلب إيراني من قطر؟
حتماً كان هناك دور إيراني مهم في صناعة كافة المنصات السياسية التي ولدت في إستنبول وموسكو وأستانة وإلا فكيف نبرر هذا الفشل؟
لقد أُعطي المعارضون السوريون، كما سمّاهم الإعلام، كل الفرص والدعم اللازم لإنشاء بديل مقنع عن الأسد على غرار مصر وتونس وليبيا ولكنهم رفضوا التحرك جدياً, فكان المجلس الوطني السوري أول من عارض على لسان رئيسه برهان غليون حلاً على الطريقة الليبية, كان هذا بأمر من قطر حينها وإرضاءً لإيران، وانتهى بعد هذا المجلس الوطني وصنع بعده الإخوان خلفه الائتلاف ليبقى هو أيضاً في غرفة الإنعاش وسط محاولات إنقاذه بكافة السبل, وككل مرة يقفز أعضاؤه من المركب ساخطين عليه ليمتطوا المركب القادم وهكذا بهدف إحباط أي عمل جاد ضد النظام. هذا المشهد السوري المكرر على مدى عشرة أعوام يجسد النصر الإيراني على الشعب وسط صمت دولي.
محور الإخوان في العمق إيراني ومشروعهم واحد. يعاندون ببراغماتية مطلقة الولايات المتحدة الأميركية وحليفها الأوروبي والغرب وقيمه الإنسانية وهذا كله دون أن يعطوا لروسيا الضمانات الكاملة, بل يقفون على حد السيف بين اللعب والجد, موسعين تحالفاتهم الإقليمية والدولية, رافضين التغيير في سوريا إن كان لا يوصلهم لرأس الهرم. وكل ما اقترفته إيران في سوريا ولبنان لا يزعجهم ورغم موت أخوة كثيرين لهم تحت التعذيب والقصف إلا أنهم يعتبرون استشهاد السوريين مجرد أضرار جانبية في سبيل الهدف الأسمى وهو امتداد خلافة إسلامية جديدة تحكم هذا العالم.
فنهاية النظام لا تؤرقهم وهم يرون النصر قريباً, حيث النصر بالنسبة لهم هو نصر على إرادة الشعب السوري المنهك. كما حال الشعب الإيراني الذي سلبت ثورته واستعبدت نساؤه على يد عصابات الملالي. وفي العمق الفكري لا فرق كبير بين داعش ومشروعهم السياسي فالمنبع ذاته والقيم ذاتها وإن كانوا أكثر تحضراً في الخطاب.
وما يعرفه السوري عبر خبرته التاريخية في هذا الشرق أن لا صوت يعلو على صوت الرصاص ولا سياسي يمكن أن يفرض وجوده دون تواجد دعم دولي جاد، وهنا ينتهي بنا المطاف إلى طلب رسمي للمعارضة بتوضيح المشهد, خصوصاً الآن بعدما أصبح لكل معسكره الواضح. لكن المعارضة السياسية التي يسيطر عليها الإخوان في كل من قطر وتركيا، ترفض توضيح موقف جدي، هذا رغم كونها تعرت تماماً أمام الجميع , ولكنها ما زالت تسعى بكامل الرضا للفوز بهزيمة رمادية أمام نظام الأسد. هي تعي كروسيا وإيران أن هذه الرمادية مكلفة جداً لكنها مستمرة.
هدا التآمر على الشعب السوري الذي انتهجته إيران مع نظام الأسد ومعارضته أدى لسحق وإلغاء أي صوت سوري غير تلك الأصوات الخادمة لمشاريع ايران وروسيا في المنطقة، وبالتالي لم يظهر في سوريا محور آخر، باستثناء حالة قوات سوريا الديمقراطية في الشمال, والتي ما زال تبلورها السياسي مرهوناً بالتطورات السورية والإقليمية القادمة والحسم الأميركي وهذا لكون مشروع التغيير السوري لا يمكن أن يبقى محصوراً في الشمال.
ولحسن الحظ هناك واقع اقليمي جديد غير ملائم لحرس إيران في سوريا، وهذا الواقع الجديدة فرضته دول عربية بحنكة وذكاء. وكل هذا قد يبشر بنهاية الكابوس أو بإمكانية نصر ولو جزئي للشعب المظلوم.
وتواكب هذه التحولات في الملف السوري تحركات جديدة في أوروبا لتجريم نظام الأسد ونظام الملالي، تأتي هذه التحركات الخجولة بعد صمت غربي طويل, فهل يا ترى تغير هذا التواطؤ الأممي على الشعب السوري؟ هل ضعفت اللوبيات الموالية لإيران في الأمم المتحدة وأوروبا؟
في هذا العام العاشر لثورتنا الأصيلة نرثي أخوتنا وأبناءنا الذين سقطوا على طريق الحرية والديمقراطية ونقول لشعبنا المنكوب فقدنا الكثير وانتصروا كثيراً ولكنا لن نهزم طالما نملك الأمل

About لمى الأتاسي

كاتب سورية ليبرالية معارضة لنظام الاسد الاستبدادي تعيش في المنفى بفرنسا
This entry was posted in دراسات سياسية وإقتصادية, ربيع سوريا. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.