#أردوغان و #نظرية_التطور


د. ميسون البياتي
الولي الفقيه السني أردوغان المحمَّل بأحلام ورديه امبراطوريه مع قرب إنتهاء معاهدة لوزان في 2023 التي كبّلت تركيا مدة قرن كامل , نراه يتخذ خطوات بإتجاه إمامته وولايته على المسلمين , وكانت واحده من هذه الخطوات اعتراضه المعلن والصريح وعلى رؤوس الأشهاد على نظرية دارون , فقد قال رئيس المجلس الوطني للتعليم في تركيا ، ألب أرسلان دورموش ((إن نظرية التطور لدارون حُذفت من المنهج في المدارس الثانوية التركية لأنها مادة مثيرة للجدل .. إذا لم يكن لدى طلابنا الخلفية والمعرفة العلمية أو المعلومات اللازمة لإدراك النقاش حول القضايا الخلافية ، حذفناها مع التركيز على تدريس قضايا تهم تركيا والأمة الإسلاميه

طبعاً الخلاف مع نظرية دارون ليس خلافاً إسلامياً وإنما هو خلاف لاهوتي مسيحي تجاوزه البحث العلمي لإثبات ماهو أشد قسوة على قلوب المؤمنين من عبارة أن أصل الإنسان قرد , إثباتاً علمياً صرفاً لا يقبل الدحض بأي شكل من الأشكال , ومع هذا نشاهد كل كم يوم رجل دين جاهل ( من جميع الأديان التوحيديه ) ينط ليتبارز مع نظرية دارون التي أكل الدهر عليها وشرب وأصبحت من كلاسيكيات البحث في نظريات التطور , ولا ندري هل يمتلك أردوغان مستشارين علميين يوضحون له أن القضايا الخلافيه مع دارون أصبحت مضحكة في ظل تطور علوم البحث في هذا المجال , أم أنه اتخذ قراره ( سياسياً ) وبمعزل عن أية إستشارة علميه

أكبر ديانتين في العالم هما البوذيه والهندوسيه وهما ديانتان تتعدد فيهما الألهه ولا يهمهما في شيء تكريم الإنسان عن غيره من المخلوقات ودليلنا على ذللك هو وجود عقيدة التناسخ في كلتا الديانتين . بنظرهما الحياة عناء وكلما أخطأ الشخص فلم يرتقي بنفسه فإنه سيعيد دورة العناء في حياة ثانيه عبر التناسخ .. إن كانت اخلاقه ساميه فقد يتحول الى حياة انسان افضل . وإن لم تكن فقد يتحول الى حيوان أو نبات أو جماد . الى حين يسمو المخلوق بروحه وصفاته عندها ينعتق من التناسخ وينطلق الى النيرفانا فيعيش في أبدية النعيم متخلصاً من عبودية التناسخ وعناء الحياة

أصحاب الديانات الإبراهيميه .. الإبراهيميون واليهود والمسيحيون والمسلمون يرون غير هذا فالله أو الرب أو يهوه قد خلق الإنسان في أحسن صوره وأحسن تقويم وفضّله على سائر خلقه , وأعطاه أحسن مهمه على الأرض ووعده بالنعيم أو الجحيم بعد الموت

وحيث أن الكتابه كانت على رقم طينية على عهد سيدنا ابراهيم لهذا كان نقل تعاليمه يتم شفاهاً ثم ضاعت التعاليم مع الوقت لهذا نعود الى سفر التكوين في الكتاب المقدس الذي يعد اليوم أقدم وثيقة للديانات التوحيدية على الأرض . سفر التكوين يخبرنا أن الخالق يهوه خلق كل شيء في 6 أيام , وأنه خلق الكائنات مختلفات عن بعضهن منذ بدء الخليقه وكل تم خلقه لوظيفة محددة مختلفه , هذا الإيمان التوراتي أثر على مسيرة العلم في اوربا للعديد من القرون

بوصولنا الى العام 1654 قام المطران الآيرلندي جيمس آشر بدراسة تواريخ القصص الوارده في التوراة وإستنبط من تلك الدراسه أن عمر الأرض هو 6 آلاف عام فقط , خلقها يهوه يوم الأحد 23 تشرين الأول عام 4004 قبل الميلاد

بوصولنا الى العام 1735 ولد أول نظام للتصنيف في العالم على يد عالم النبات كارلوس لينايوس , حيث قسم النباتات وفق جدول سماه ( تقسيم نظام الخلق الرباني ) قسم فيه النباتات الى ممالك ثم طبقات ثم أصناف ثم أجناس ثم أنواع , ثم أعطى كل كائن إسمين لاتينيين مشتقين من جنسه ونوعه وهذا التصنيف معمول به حتى اليوم

في العام 1749 صدر كتاب ( قوانين بافون في الطبيعه ) وهو عباره عن كتاب من 44 فصل توالى نشرها بين عامي 1749_1804 تحدث فيها بافون عن أن جميع الكائنات تعود الى أصل واحد تم تحديثه حسب متطلبات البيئات المختلفه التي عاش فيها فأنتج لنا أجيالاً مختلفه عبر العصور , وكان الكتاب صادماً في وقته لأنه عارض قصة الخلق التوراتيه بدون دليل دامغ , لهذا عومل الكتاب ومؤلفه بإعتبارهما ملحدين وتم إجبار المؤلف على سحب كتابه من التداول

في العام 1809 قام طالب من طلاب بافون يدعى( تشيفالير دي لامارك ) بنشر كتاب ( نظرية التطور ) ناقش فيه وبكل ثقه بأن الكائنات تتطور تبعاً لعاملين . العامل الأول هو أن الكائنات تنشأ بسيطه وبمرور الوقت يتعقد تركيبها وأن الإنسان في هذه الكائنات قد إرتقى الى مرتبة الكمال . العامل الثاني هو أن الحيوانات يتم تغيرها لكي تتماشى مع متطلبات بيئتها الزرافه مثلاً طال عنقها لكي تصل الى أغصان الأشجار العاليه . واقترح لامارك أن هذين العاملين يتحركان بفعل ( سوائل خفيه ) تدور في جسم الكائن فتحدث الحركه والتغيير

حتى نهاية القرن الثامن عشر كان الإعتقاد بأن سطح الأرض قد تمت إعادة تشكيله مع فيضان نوح الذي تحدثت عنه التوراة حين غرقت الأرض 40 يوماً و40 ليله وأن فيضان البحر دفع مخلوقات قاع البحر الى أعالي الجبال وتركها هناك لتشكل كائنات جديده عندما إنحسرت المياه , ولكن في العام 1817 ظهرت النظريه الكارثه التي هدّت كل هذا البنيان التوراتي .. بعد العمل على دراسة علم المتحجرات والعثور على كهوف سحيقة القدم قرب باريس أعلن العالم جرجس كوفير بأن عمر الأرض عده آلاف من القرون أبعد بكثير مما حدده المطران الآيرلندي جيمس آشر , كما أن المتحجرات التي بين يديه لا تشبه أياً من الكائنات في يومنا هذا فهي اذن ( منقرضات ) فإذا كان يهوه هو من خلق كل شي بشكل محدد ولغرض محدد , فمن يقوم اليوم بدور هذه المنقرضات ؟ واذا كانت هناك منقرضات .. ألا يحتمل أن هناك موجودات جديده ؟

مغرماً بدراسة المتحجرات قام الجيولوجي تشارلز لايل عام 1830 بمعارضة تامه لما توصل إليه جرجس كوفير واقترح أن ما حصل على الأرض من تغييرات حصلت بشكل تدريجي ونشر ذلك في كتابه : مبدأ الجيولوجيا

في العام 1831 قام باحث شاب يدعى تشارلس دارون بمرافقة رحلة بحرية إستكشافيه تقوم برحله حول العالم مدتها 5 سنوات , يحمل في حقيبته كتاب تشارلس لايل في التغير التدريجي , ملاحظاً بعينيه أشكال الصخور والتغييرات التي تطرأ عليها عند الزلازل أو البراكين ما جعله يتفق مع لايل بأن الأرض تشكل نفسها تدريجياً

حين عاد دارون من رحلته درس جميع النظريات السابقه التي أدينت أو أهملت أو لم يلتفت إليها أحد , وكان ذلك قبل 20 عاماً من إعلانه عن نظريته ذائعة الصيت : نظرية الإنتخاب الطبيعي والتي تقوم على 3 فرضيات . الأولى هي فرضية التنوع فجميع الكائنات لها صفات تختلف عن بعضها وأن هذه الكائنات تولد وتعيش حتى البلوغ . الفرضيه الثانيه أن هذه الأنواع البالغه تتصارع في بيئة محدوده من أجل البقاء , وأن الفروق الضئيله فيما بينها هي التي تعطي للبعض منها إمكانية أكبر للبقاء , الفرضيه الثالثه أنه بسبب امكانية بعض الكائنات على البقاء فترة أطول في الحياة فهي تورث صفات قوتها الى أكبر عدد ممكن من الأبناء , وبعد عدة اجيال تحصل الطفره بميلاد كائن جديد يمت لأجداده لكنه متطور عنهم بصفاته . نظرية الإنتخاب الطبيعي تم الإعلان عنها عام 1851

في العام 1859 نشر دارون كتاب ( أصل الأنواع ) وهو عباره عن نبذه مختصره عن رؤية دارون لفرضية كيف تتغير الكائنات وتتطور عبر إجراء أطلق عليه تسمية ( الإنتخاب الطبيعي ) ووعد بكتابة شروح مفصلة لكل ما ذكره في أصل الأنواع لكنه لم يفعل لأنه إنشغل بالحرب التي أُعلنت ضده , فبعد 7 أشهر من نشره الكتاب قامت ( الجمعيه البريطانيه ) بعقد إجتماع لمن سمّتهم ( حسني السمعه والإحترام ) من العلماء والفلاسفه داخل متحف جامعة اوكسفورد وأدارت حواراً حول ما اذا كانت الكائنات تتطور .. جميع البايولوجيين المشاركين في الإجتماع كانت إجابتهم بنعم ترأسهم البيولوجي ثوماس هسكلي , لكن الأسقف صموئيل ويلبرفورس أصر على الإجابة بلا , وانتهى الإجتماع بتعالي الصرخات

لم يهتم دارون بما أثارته الكنيسة حوله من مشاكل وقام في العام 1871 بنشر كتاب شرح فيه كيف تعمل فرضيته في الإنتخاب الطبيعي وسمى الكتاب ( هبوط الإنسان ) فصّل فيه نظريته حول الانتقاء الجنسي ويناقش العديد من القضايا ذات الصلة ، بما في ذلك علم النفس التطوري ، والأخلاق التطورية ، والاختلافات بين الأجناس البشريه ، والاختلافات بين الجنسين ، والدور المهيمن للمرأة في اختيار الرفيق ، وأهمية النظرية التطورية في المجتمع مشيراً الى أن هناك أجداد مشتركه بين الإنسان والقرد

أثار هذا الكتاب إهتمام العديد من الباحثين المهتمين بالسلوك الحيواني ما جعل دارون ينشر في العام التالي 1872 كتابه : التعبير عن العواطف في الإنسان والحيوان . شرح فيه تشابه خصائص التعبير بين الإنسان والحيوان مثل رفع الحاجبين في لحظة المفاجأة والارتباك العقلي الذي يصاحبه عادة احمرار . ظهرت ترجمة ألمانية للكتاب عام 1872 ثم نُشرت الإصدارات الهولندية والفرنسية في عامي 1873 و 1874 ونُشرت الطبعة الثانية من الكتاب مع تعديلات طفيفه عام 1890 ثم لم يطبع الكتاب منذ ذلك الحين بسبب الحروب الكنسيه ضد دارون ويعد الكتاب اليوم : جوهرة دارون المنسيه

في العام 1880 نشر دارون كتاب ( قوة الحركه في النباتات ) تحدث فيه عن قوة النباتات في التوجه نحو الشمس وأكد على تلك القدره بأمثله النباتات المتسلقه التي تطور قابلياتها لتعتلي السطوح من أجل المزيد من الشمس

بحوث الأرض والجيولوجيا والمتحجرات بقيت مستمره أثبتت حالياً التالي بمستمسكات ترى بالعين وتلمس باليد . أولاً عمر الأرض هو 4 آلاف مليون سنه نشأت الحياة عليها بأبسط صورها على شكل خلايا أحاديه تحمل ( دي إن أي ) مبسط جداً لكنه كافي لحمل صفاتها الوراثيه من جيل الى جيل

قبل 3600 مليون سنه ظهرت الكاينوبكتيريا أو ما نطلق عليه تسمية العلق , هذا العلق تخلق الى يرقات عاشت في مياه البحار والمحيطات

قبل 3200 ميلون سنه تشكلت مستعمرات هائلة من العلق وبدأت تطرح الأوكسجين الى نطاق الأرض , إستجاب هذا الأوكسيجن ( الثنائي الترابط الذري ) الى تأثير حرارة وضوء الشمس فشكل حول كوكب الأرض نطاقاً عازلاً من الأوزون ( الأوزون هو أوكسجين ثلاثي الترابط الذري ) طبقة الأوزون هذه عزلت الأرض عن الأشعه القاتله القادمه من الكون الى الأرض فبدأت أشكال الحياة تتشعب وتتطور عليها

قبل 1300 مليون سنه ظهر أول شكل من أشكال الفطريات على كوكب الأرض , وقبل 700 مليون سنه تجمدت الأرض وتحولت الى كرة ثلجيه , ورغم أن الثلج غطاها بسمك عدة كيلومترات فوقها إلا أن البكتيريا والفطريات كانت تنمو بنشاط متزايد حتى العام قبل 630 مليون سنه

قبل 540 مليون سنه نمت الفطريات والبكتيريا الى كائنات بدأت تتغذى على بعضها البعض ولهذا بدأت الأصناف الأكثر تطوراً من هذه الكائنات بإنتاج القشور والإصداف فظهرت لدينا مرحلة القشريات

قبل 488 مليون سنه ظهرت القشريات التي تمتلك العمود الفقري وهي الجد الأعلى لجميع الكائنات على الأرض , تطورت قبل 443 مليون سنه ليظهر لها رأس خالي من الفكوك ولها شبه هيكل عظمي ليحمي أبدانها من التفكك وكانت جميع تلك الكائنات حتى هذه المرحله تعيش في الماء فقط

قبل 416 مليون سنه ظهرت الأسماك التي لها رئه وتتنفس الهواء الحر التي بدأت قبل 299 مليون سنه تترك الماء وتزحف الى اليابسه . قبل 251 مليون سنه عاش الأكصور على الكوكب , وقبل 199 مليون سنه عاش الديناصور آكل النباتات على الأرض , وقبل 145 مليون سنه عاش كائن يدعى ( ميكازوسترودون ) على الأرض وهو الجد الأعلى لجميع اللبائن جسمه مغطى بالشعر لكنه كان يضع البيض ويرعى صغاره حتى تكبر , قبل 65 مليون سنه ظهرت القرده على الأرض , وقبل مليون و800 ألف سنه ظهر الإنسان

القول الفصل الذي يمتلكه العلماء اليوم هو أن كل الخلايا في جميع الكائنات متشابهه وكل خليه تحمل ( دي إن أي ) يشبه لوح يحمل مفاتيح قسم منها معطله وقسم منها مفعله , يستخدمها الكائن لتوزيع خلاياه ما بين خلية معده الى خلية رئه الى خلية جلد أو شعر أو ظفر

عدد مفاتيح ألواح الخلايا في الإنسان يختلف عن عدد المفاتيح في خلايا الضفدع , عن عدد الخلايا في الذبابه عن عدد الخلايا في حبة الدخن , ومن لم يقبل بنظرية دارون لأنها جعلت أصل الإنسان قرد عليه اليوم ان يواجه نظرية ( دي إن أي ) المثبته مختبرياً والتي يتعامل بها علم الأجنه واستنساخ الكائنات وغيرها من مجالات هذا العلم

هنا علينا العوده الى رجال الدين بكل أديانهم , فأما أن يتعاملوا مع تطور العلوم بموضوعيه , وإما أن يجعلهم الحرص على الإيمان داعمين للجهل والتخلف حيث ستقفل عليهم الأبواب شيئاً فشيئاً في عصر ثورة المعلومات والإتصالات حتى يصبحوا خارج الزمن , والعار على رجال السياسه الذين يقبلون تجهيل شعوبهم بحجة الإيمان كي يسهل حكم الشعوب والسييطرة عليها

د. ميسون البياتي

About ميسون البياتي

الدكتورة ميسون البياتي إعلامية عراقية معروفة عملت في تلفزيون العراق من بغداد 1973 _ 1997 شاركت في إعداد وتقديم العشرات من البرامج الثقافية الأدبية والفنية عملت في إذاعة صوت الجماهير عملت في إذاعة بغداد نشرت بعض المواضيع المكتوبة في الصحافة العراقية ساهمت في الكتابة في مطبوعات الأطفال مجلتي والمزمار التي تصدر عن دار ثقافة الأطفال بعد الحصول على الدكتوراه عملت تدريسية في جامعة بغداد شاركت في بطولة الفلم السينمائي ( الملك غازي ) إخراج محمد شكري جميل بتمثيل دور الملكة عالية آخر ملكات العراق حضرت المئات من المؤتمرات والندوات والمهرجانات , بصفتها الشخصية , أو صفتها الوظيفية كإعلامية أو تدريسة في الجامعة غادرت العراق عام 1997 عملت في عدد من الجامعات العربية كتدريسية , كما حصلت على عدة عقود كأستاذ زائر ساهمت بإعداد العديد من البرامج الإذاعية والتلفزيونية في الدول العربية التي أقامت فيها لها العديد من البحوث والدراسات المكتوبة والمطبوعة والمنشورة تعمل حالياً : نائب الرئيس - مدير عام المركز العربي للعلاقات الدوليه
This entry was posted in دراسات سياسية وإقتصادية, ربيع سوريا. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

* Copy This Password *

* Type Or Paste Password Here *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.