أرخميدس الذي خلَّده العلم ، وتجاهله التأريخ

بقلم : عضيد جواد الخميسي

كثير من الناس لا يعرفون شخصية أرخميدس (287-212 قبل الميلاد) ، إلاّ من خلال ما كُتب عنه في المناهج الدراسية المقررة في المدارس ، وبالأخص ذلك المشهد المشهور ، حين راح يركض ويصرخ بأعلى صوته (“يوريكا !” ، “يوريكا !”) (” وجدتها … وجدتها ! “) ، وهو بجسد مبلل وعاري تماماً في شوارع سيراكيوز ( سرقوسة ، وهي مدينة في جزيرة صقليّة ) لاكتشافه ظاهرة فيزيائية مهمة . غير أن تلك الحادثة لا تعكس تماماً المكانة العلمية المرموقة والتقدير الشخصي الذي يستحقهما عالم الرياضيات اليوناني الفذ والمهندس الميكانيكي البارع في التاريخ القديم .
كان أرخميدس رائداً في الرياضيات والهندسة ، متفوّقاً على جميع أقرانه بعدة قرون ، وذلك لشدة ذكائه وعبقريته المذهلة . فقد عاش شبابه في كنف والده الفلكيّ المعروف (فيديتش ) عند ضواحي مدينة سيراكيوز اليونانية ، ثم أكمل تعليمه العالي في الإسكندرية تحت رعاية عالم الرياضيات والهندسة اليوناني (إقليدس ) ، ومن ثم بات مقرّباً جداً من الملك هيرون الثاني ، حاكم سيراكيوز لما بعد .
كان لأرخميدس شأناً عظيماً لدى الحكّام من الملوك والأمراء ، أسوة بالأشخاص المهمّين و الموهوبين الذين يمتلكون ذكاءً حادّاً و قدرات علمية وأدبية وفنية فائقة ومتميزة في العصور القديمة ، فقد أصبحت سيرته الشخصية والمهنية ملأى بالروايات والقصص والاساطير على مرّ قرون عدة ، ولذلك ، من الصعب التمييز بوضوح بين الحقائق التاريخية والحكايات الملفّقة التي جاءت في سيرته عن حياته ومماته .
سخّر أرخميدس علومه ومعارفه في الرياضيات والفيزياء من خلال تصميم وصناعة أسلحة قتالية جديدة تستخدم عند الحروب ، إذ لعبت براعته في الاختراع دوراً رئيسياً خلال المنازلة العسكرية الكبرى بين روما و سيراكيوز في الحرب البونية الثانية . ويعود تطور هذا الصراع إلى حوالي عام 290 قبل الميلاد ، عندما أصبح الرومان حكّاماً جدد على وسط إيطاليا في بادئ الأمر ، ومن ثم أخذوا يغزون المدن اليونانية في الساحل الإيطالي تباعاً . وفي عام 270 قبل الميلاد ، أصبح هيرون الثاني (308-215 قبل الميلاد) ملكًا على سيراكيوز ، وقد كانت المدينة تمتاز بدرجة عالية من النمو والازدهار .

انجازات أرخميدس
خلال عصر أرخميدس ، كان ما يسمّى مجمع الثقافة اليونانية في مدينة الإسكندرية ، والذي هو أكبر مركز عالمي للأبحاث والدراسات العلمية والفلسفية والأدبية في التاريخ . فمن هناك تلقّى أرخميدس أعلى مستوى للتعليم ، مدعوماً بالاختبارات والتجارب العملية في العديد من المجالات العلمية بغرض التخصص في حقل الرياضيات . وقد قورن تفاني أرخميدس في الرياضيات مع مهارات نيوتن ، فكلاهما غالباً ما يهملان الطعام والشراب ، وحتى إنهما لا يبديان اي اهتمام في الرعاية الأساسية الصحية والوقاية من الأمراض ، وأيضاً كانت نظافتهما الشخصية مهملة ، لانشغالهما المستمر في الأبحاث وصياغة النظريات .


كتب بلوتارخ عن أرخميدس بعد حوالي ثلاثة قرون :
” ليس من الممكن أن يجد في جميع المسائل الهندسية أسئلة صعبة أو أكثر صعوبة وتعقيد ، أو قد تحمل حلولاً أكثر بساطة ، وتفسيرات واضحة. البعض يسند هذا إلى عبقريته وموهبته الطبيعية. في حين يعتقد آخرون أن جهوداً استثنائية قد بذلها أدت إلى ظهور نتائج سهلة ومباشرة في جميع الميادين” (ديورانت ، ص 629) .
يمكن تصنيف إنجازات أرخميدس في مجال الرياضيات إلى ثلاث مجموعات رئيسية :
أولاًـ في هذه المجموعة ، عمل أرخميدس على وضع ثوابت النظريات المتعلقة بالمواد الصلبة والمساحات التي تحددها المنحنيات والسطوح .
ثانياًـ توصل الى حلول منطقية للمشاكل الناجمة في احتساب حجوم المواد السائلة من وجهة نظر هندسية .
ثالثاًـ النسبة الثابتة أو ثابت الدائرة (ط) : عمله في هذه المجموعة الرياضية ، قد انصّب على قياس محيط ومساحة الدائرة وبقية المنحنيات ، فقد توصل أرخميدس إلى الاستنتاج المنطقي بأن نسبة محيط الدائرة إلى قطرها ، هو الثابت الرياضي الذي نسميه اليوم ” باي ” (ط ، pi ، π) ويساوي 22/7 ، و بما يقرب الى 3.14159 ، وهو نفس الثابت المعمول به حالياً في احتساب مساحة الدائرة و الأشكال الأسطوانية دون اي تغيير يذكر منذ ذلك التاريخ .

تاج الملك
الحادثة الشهيرة والتي ظهر بها أرخميدس عارياً ، كانت بدايتها تتعلق بتاج الملك الصقلّي هيرون الثاني ، وذلك عندما أثارت شكوكه كمية الذهب الذي يحويه التاج الملكي الذي صنعه له الصائغ بناءً على أوامره ، وظنّ بأن الصائغ قد غشّه باستخدام مزيج من الذهب وليس الذهب النقي مثلما أراد . عند ذلك أصرّ الملك بأن يعرف فيما إذا كان الصائغ قد استبدل الذهب بشيء آخر ! ، ولكن بشرط دون الحاق اي ضرر في التاج ، عند ذلك حضر العديد من الخبراء لفحص التاج واختباره دون الإضرار به . وحسب قول الرّاوي ، بأن أرخميدس كان من بين هؤلاء الخبراء ، وبعد عدة أسابيع من التفكير في الأمر ، وجد الإجابة أثناء دخوله حوض الاستحمام في أحد الحمامات العامة . إذ لاحظ الآتي :
أولهما : أن كمية الماء قد فاضت عن الحوض بنفس مقدار انغماس جزء من جسمه فيه .
ثانيهما :ان جسمه بدا أخف وزناً عندما غطس إلى قعر الحوض .
وعلى هذا النحو ، فإذا أردنا أن نصدق تلك الأسطورة عندما هرع أرخميدس الى شوارع سيراكيوز ، والذي من المفترض أنه كان عارياً ومبلّلاً ، وهو يصرخ باعلى صوته وبطريقة مثيرة للدهشة ، لربما تعّد دليلاً على أنه قد وجد الإجابة على سؤال الملك !.
صِيغت ” قاعدة أرخميدس” ، المعروفة أيضاً باسم قانون الطفو ، التي تنص على ان :
( كل جسم يغمر في سائل كليّاً أو جزئياً ، يفقد من وزنه بقدر وزن ذلك السائل المزاح ) .
اعتمد أرخميدس تلك الظاهرة في الطفو مبدءاً أساسياً لإختبار تاج الملك . وبعد عودته إلى المنزل اكتشف أرخميدس ، بأن وزن قطعة معينة من الفضة عندما تكون مغمورة في الماء ، تفيض بكمية أكبر منه عن الذي يفيضه الذهب في نفس وزنها . والسبب في ذلك ، أن الفضة لديها حجم أكبر من الذهب عندما يتساويا في الوزن أو المقدار . وعلى ضوء ذلك الاكتشاف ، أسرع أرخميدس في غمر تاج الملك في الماء ، وقارن الماء الفائض بكمية من الذهب تساوي وزن التاج ، عندئذ وجد أن كميّة الماء التي فاضت أكثر من وزن التاج فيما لو كان مصنوعا من الذهب الخالص ( لحساب الوزن ـ توجد قاعدة رياضية متبعة في تحويل الكمية الى وزن ) . وخلص أرخميدس ، إلى أن التاج لم يكن مصنوعاً من الذهب النقي ، مما يؤكد شكوك الملك ، وعلى هذا المبدأ ، فقد تمكن ارخميدس من تحديد مقدار الذهب المفقود ، وفضح الصائغ الذي صنعه .

البكرة والذراع ونقطة الارتكاز في صناعة الرافعة
هناك أفكاراً لا نعرف حقيقتها إلا من خلال ما ذُكر عنها لدى طروحات العلماء القدماء . صاغ أرخميدس قانون الرافعة والتوازن ، وقد فعل ذلك بدقة لدرجة أنه لم يحدث أي تغيير فيه حتى القرن السادس عشر الميلادي . كما اكتشف فوائد البكرة لرفع الأوزان الكبيرة .
لقد أدهش أرخميدس العالم حول المزايا الميكانيكية التي تقدمها كل من الذراع والبكرة وايجاد نقطة الارتكاز في رفع الأثقال التي ذكرها في مقولته المشهورة ، ” أعطني مكانًا لأقف عليه ، من عنده سأحرّك لك الأرض “.
شككّ الملك هيرون الثاني بقدرة أرخميدس على فعل ذلك في بادىء الأمر ، وقد وضع ادعاؤه على المحك عندما جمع أرخميدس سلسلة من التروس والبكرات والعتلات المصممة بذكاء وعبقرية ، وبينما كان هو جالساً لوحده على مقعد الآلة التي صنعها وعند طرف قريب من ساحل البحر ، فإنه تمكنّ وسط دهشة الجميع ، من سحب سفينة محملّة بالكامل راسية على مسافة محددة من مكان مرسى السفن ، وهي مهمة لم يستطع مائة رجل في تحقيقها بالكاد .
على الرغم من كل القوانين الفيزيائية التي إكتشفها أرخميدس ، لكنه في الواقع لم يعترف على أنها قوانين ، ولم يصفها في إشارة إلى الملاحظة والقياس . بدلاً من ذلك ، عاملها كنظريات رياضية صرفة ، ضمن منطق نظام شبيه بنظام إقليدس المصمم للهندسة .
كان لأرخميدس ميلاً في التقليل من قيمة الأفكار المبهمة وتفضيله الحجج المنطقية ، إذ كان الإغريق يعتقدون أن أعلى المعرفة تُبنى على المنطق الاستنتاجي ، ومع ذلك ، لم يمتنع أرخميدس من فوائد التجربة . فهو قد برز دون معاصريه ، لأنه نجح في تطبيق معرفته النظرية في الممارسة . لكن الطريقة التي يقدم بها اكتشافاته هي دوماً من منظور رياضّي بحت ، ولم يحاول أبداً في تقديم نشاط علمي من وجهة نظر هندسية. علاوة على ذلك ، فعندما كان يشير إلى التجارب الميكانيكية ، فإنه يستخدمها فعلاً للمساعدة في فهم الرياضيات ، وبهذا فإنه يُظهر اختلافاً جوهرياً في النهج مابين العلوم القديمة والحديثة ، طالما استخدم التجارب للمساعدة في الفهم النظري . أما في العلوم الحديثة ، فيتم استخدام النظريات لمتابعة نتائج عملية محتملة .

الموت و الميراث
بعد وفاة الملك الصقلّي هيرون الثاني ، بدأت الحرب بين سيراكيوز والرومان ، وتعرضت المدينة لهجوم من البر والبحر، وكانت خمس وسبعون سنة من العمر ، لم تكن عقبة أمام أرخميدس في لعب دور أساسي للدفاع عن المدينة.
عن طريق استغلال مهاراته كمهندس ، طور وحدَّث المقلاع الذي يلقي الحجارة الثقيلة الى مسافات بعيدة ، وفتح ثقوب في أسوار المدينة تساعد رماة السهام النارية لإطلاقها على المهاجمين بدقة كبيرة ، وإنشاء رافعات قادرة على إطلاق أحجار ثقيلة على السفن الرومانية عندما تكون تحت مرماها . كانت هذه الاختراعات فعالة جداً لدرجة أن القائد الروماني ماركوس كلوديوس مارسيليوس قد تخلى عن فكرة مهاجمة سيراكوز، وقرّر أن الحصار هو السبيل الوحيد الممهد لاحتلال المدينة ، وعند 212 قبل الميلاد ، استسلمت المدينة التي كانت تتضور جوعا ، و استولى الرومان على سيراكيوز أخيراً .
كان مارسيليوس معجباً جداً بعبقرية أرخميدس لدرجة أنه أمر بإلقاء القبض على اليوناني المخترع حيّاً . ومع ذلك ، فعندما توجّه الجنود الرومان في البحث عن أرخميدس ، عثروا عليه عند الشاطئ يرسم مجسّمات هندسية من خلال الرمال ويعمل على واحدة من نظرياته الكثيرة . وعندما صاح به الجنود الرومان كي يمتثل لأوامرهم ، إلا أنه تعمّد في تجاهلهم ، وطلب منهم بعض الوقت لإنهاء عمله ، فغضبوا منه ، ومن سلوكه معهم ، و اعتبروا ذلك إهانة لهم ، فأردوه قتيلاً في الحال ، ولم يدركوا بانهم قد قتلوا أحد أعظم العقول في التاريخ .
توفي أرخميدس ، ولكن أفكاره لا يمكن أن تموت ، ومنجزات أرخميدس بقيت صامدة ، حتى في أصعب الصراعات السياسية والدينية والاجتماعية خلال العصور الوسطى ، وأنها أُستثمرت تماماً خلال عصر النهضة .
أدّت أعمال أرخميدس العظيمة في تطوير الحركة العلمية التي تركت صدى واسعاً لدى الكثير من العلماء والباحثين . إذ كان غاليليو كثير الاهتمام بأفكار وتجارب أرخميدس ، لتوظيفه علم الرياضيات في الفيزياء ، و بسبب ذكاءه أيضاً الذي فاق عصره .
أخيراً ، وفي عالمنا المعاصر ، علينا أن ننتظر كي نرى أرخميدس آخر ، رياضياً عبقرياً ، وفيزيائياً عظيماً يخلَّده العلم والتأريخ معاً .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ستيفن هوكينج ـ خلق الإله الكمال ـ ادارة الصحافة للنشر ـ 2007 .
برتراند راسل ـ تأريخ الفلسفة الغربية ـ سيمون وشوستر للنشر ـ 1967.

About عضيد جواد الخميسي

كاتب عراقي
This entry was posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.