أجمل الحواس وأكثرها غموضا وسحرا وشاعرية #اللمس

الاديبة السورية سوزان محمد علي

يعيش الناس ويموتون دون أن يتعرفوا ويستخدموا ويشعروا بأجمل الحواس وأكثرها غموضا وسحرا وشاعرية ( #اللمس).
لقد صنفوا الموسيقى بأنها أكثر الأشكال الفنية اقترابا من الروح، وابتعادا عن أن تدرج ضمن الأشكال المادية التي تتحصل جراء ممارستها واستعمالها عن منفعة مثلا….وكذلك اللمس، فأنت عندما تتذوق تشعر بلذة الطعم وهو يسري في فمك، وعندما تنظر إلى مشهد جميل أمامك لا يشعر بك ذاك المشهد ولا باتساع حدقة عينك أمامه، كما أنك تجلب لحظة عابرة إلى ذاكرتك وتسقط عليها الماضي وخيالك مجردا المشهد من وحدانيته وجذره…بينما اللمس، أن تلمس أحدهم وتمرر يدك على كل جزء من جسده، لهو فلسفة قائمة بعناوينها وشروطها وقواعدها…أغلب الأبحاث العلمية التي تتوغل حديثا في مفهوم اللمس تشير إلى تأثير الألياف العصبية اللمسية على كهرباء المخ وحالات القلق والتوتر والراحة والسعادة والاسترخاء.
اللمس هو فن العطاء والتواصل مع الآخر عبر جسده، عبر الأعصاب، أنت لا تلمس جلدي، أنت تلمس ما تحت الجلد، الأعصاب الدقيقة، الذكريات، قنوات راحتي المنسية، خلايا دقيقة لم تطأها رائحة أو قشعريرة أو ذكرى.
تتواصل الأم مع طفلها عبر اللمس، الكلاب أيضا لهم لغتهم الخاصة في اللمس، إنهم يفهمون يدك وطريقة الحركة ومكان المداعبة ويقدرون ذلك.
يغفل البشر عن هذه الحاسة، التي تحتاج إلى ساحر في قلبك، يعرف جسدك وينصت إليه بهدوء بالغ، أن تلمس أحدهم هو أن تتعرف وتتناقش وتحكي وتغضب وتعشق دون لغة، أن يلمسك أحدهم، فأنت من المبشرين بدخول الجنة.


كم من علاقة حب مضت دون لمس…؟
كم من أم تركت لمس طفلها بعد أن ترك سريره؟
كم من عزلة مضت دون أن يتلمس الشاعر جسده نقطة نقطة، ويضحك على عقله، ليتخيل بأن يدا أخرى تلمسه ليست يده…
عندي عادة قديمة لا أعرف سرها، ما إن أرى شجرة كبيرة معمرة جميلة جذورها منتفخة نافرة، أقترب منها وألمسها، ألمسها كأنها جسد، أتحسس اللحاء المهجور كأنني أقول لها:
صباح الخير، أنا أشعر بك.

نرجو متابعتنا على فيسبوك وتويتر بالضغط على الايقونتين
This entry was posted in الأدب والفن. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.