آلية النكوص الدفاعية: يلجأ إليها اللاوعي عندما يشعر بضغوط هائلة تهدد السلامة العضوية

في علم النفس هناك حالة نفسية يطلقون عليها
Regression as a defense mechanism
النكوص – أو التراجع-

وهي آلية دفاعية يلجأ إليها اللاوعي عندما يشعر بضغوط هائلة تهدد سلامة العضوية،
فيقوم الوعي تحت أوامر اللاوعي “العرفية”
بالرجوع إلى زمن ما من الماضي كانت تشعر به العضوية بالأمان،
وعلى الأغلب سيكون زمن الطفولة!
كمثال على ذلك، عندما يصاب الإنسان بمرض يهدد حياته،
تراه يعود إلى الإستماع لمطربين كانوا مشهورين في طفولته،
أو يطالب بطعام كانت أمه تحضره له، أو ماشابه ذلك.
…..
في المناطق الساحلية بسوريا، وخصوصا في القرى يعتمد الناس طناجر للطهي مصنوعة من الفخار،
ويعتبرونها أفضل أنواع الطناجر لأنها تنقل الحرارة للطعام ببطىء،
الأمر الذي يحافظ على نكهة المواد الأولية وفوائدها.
تسمى الطنجرة من هذا النوع باللهجة المحلية “سانونا”،
وهي النقطة العلامة على جدران ذاكرتي،
والتي تعيدني إلى حضن ستي أم علي، فأختبىء فيه محمية من كل ضغوط العالم.
……
منذ سنتين أرسلت لي زوجة أخي الطيبة من سوريا طنجرتين من الفخار،
تفيضان بكرمها ووافر محبتها لي.
لأكون أمينة رميتهما في غرفة المستودع في كاراجي، خوفا من أن يكون الفخار ملوثا بمعادن أخرى.
وكأننا نأكل في طناجر من الذهب في أمريكا!!!!!
….
هذا الصباح ولأنني أتشاطر مع العالم كله قلقا وضغوطا لم يسبق أننا عشناها في تاريخنا المعاصر.
فقت على غير عادتي منقبضة،
يسربلني شعور بالحيرة وبالضجر من جراء التغيرات الجذرية التي طرأت
على روتين يومي وبرنامج أعمالي.
وتحت ضغط هذا القلق ساقتني قدامي باللاوعي إلى الكاراج،
ووجدت نفسي أنبش هاتين الطنجرتين بلا وعي من بين مليون غرض…
…..
كان يوما جميلا….جميلا جدا،
استرخت به أعصابي، ووجدت نفسي أمشي فوق الغيمة التاسعة، على حد التعبير الأمريكي!

طبخت طنجرة مليئة بيخنة الدجاج وأخرى بالبرغل مع الحمص،
العلامة الفارقة في موسوعة أم علي للطبخ،
بينما روحها تروم في سقف المطبخ،
وتُطرب على أنغام دندناتي:
سكابا يادموع العين سكابا….
ون ماعطوني إياكِ تهد الدار واجعلا خرابا…

كما كنت أطربُ على أنغام دندناتها وهي تصدح بهذا الموال في مطبخنا، في ذلك الصيف الجميل،
بينما أتلحف بغطائي وأزداد تمسكًا بمخدتي،
يسربلني سلام ليس كمثله سلام،
ويحكمني يقين من أنني سأعيشه للأبد.
……
والغريب في الأمر أن جهاز إنذار الحريق انطلق في المطبخ، رغم أن المروحة شغالة والباب مفتوح،
وظل يصدح طوال الوقت،
يبدو أنه اكتشف أمرًا غريبا لم يعتد عليه، فظنه حربا بالأسلحة الكيماوية!
لكن صوته الذي يصم الآذان لم يستطع أن ينال من سكينتي
….
لقد نكصت إلى الوراء هذا الصباح، وعدت إلى حضن أم علي، في محاولة جادة
لأعيش ذلك السلام ولأستعيد ذلك اليقين،
ولقد نجحت

About وفاء سلطان

طبيبة نفس وكاتبة سورية
This entry was posted in الأدب والفن. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.