آشوريو سورية وعيد الأكيتو


سليمان يوسف يوسف

ليس صدفة أن تأتي الاحتفالات بأعياد( أكيتو ونوروز والفصح المسيحي واليهودي واليزيدي) في فصل الربيع. هذه الأعياد، رغم طابعها الأسطوري الملحمي وبعدها الديني والاجتماعي، ترتبط بتجدد دورة الحياة والانبعاث في الطبيعة مع بدايات فصل الربيع. وليس صدفة، أن يظهر (السيد المسيح) في “سوريا التاريخية”، حيث جرت أحداث “الدراما الإلاهية” الأكادية(البابلية- الآشورية). كما توضح لنا ذلك ، ملحمة (الخلق والتكوين) البابلية “إينوما إيليش”، أقدم الأساطير الملحمية في التاريخ، وهي تفصح عن (الميثولوجيا الآشورية)، وقد تركت بصماتها على مختلف (العقائد الدينية) التي برزت لاحقاً في الشرق القديم . احتفالات الآكيتو كانت تبلغ ذروتها بإعلان قيامة الاله “مردوخ ” سيد آلهة بابل – أخذ أسم “إله آشور” في نينوى- من الأموات في اليوم الثالث وتتويجه (الهاً ملكاً) على الكون.
هذا يؤكد الجذور( البابلية- الآشورية) لفكرة “تجسد الله” بصورة (إنسان – المسيح) وبروزه كـ”مخلص للإنسان ” والاحتفال بذكرى انبعاثه للحياة في اليوم الثالث بعد صلبه، وهذه تشكل جوهر “العقيدة المسيحية”. احتفالات الأكيتو كانت تُختتم بمسيرات احتفالية تطوف حول معبد سيد الآلهة (مردوخ-آشور)، تماماً ، كما يطوف اليوم (الحجاج المسلمين) حول الكعبة في مكة المكرمة. ما نريد قوله مما تقدم ، أن (الأكيتو) ليس (عيداً دينياً مسيحياً) كما يعتقد ويظن البعض. أنه اقدم الأعياد في تاريخ الشرق القديم.
يعود الاحتفال به الى منتصف الالف الثالث قبل الميلاد في مدينة “أور” السومرية (جنوب بلاد ما بين النهرين). الآشوريون (سرياناً كلداناً)، ورثة الحضارة ( السومرية – الأكادية- البابلية) في (بلاد ما بين النهرين- بلاد آشور)، يحتفلون بعيد الأكيتو(عيد رأس السنة البابلية- الآشورية) في الأول من نيسان كأحد ابرز وأهم أعيادهم القومية. (الأول من نيسان القادم 2019 يوافق بداية العام الآشوري 6769 آ ) . بسقوط الدولة (الآشورية -البابلية) على يد (كورش) الفارسي سنة ( 539 ق. م ) واحتلال (الفرس) لبلاد ما بين النهرين، أخذت (الشعوب الإيرانية) في بلاد فارس، (الفرس ،الكرد ،الآذاريين ،البشتون، وغيرهم)، عيد الأكيتو عن (البابليين – الآشوريين)، وبدأت تحتفل به باسم(عيد النوروز أو النيروز في 21 آذار) ،يعني (اليوم الجديد )، ويعرف بـ”رأس السنة الفارسية”، وهو يوم الاعتدال الربيعي (يتساوى فيه الليل والنهار). وعن الفرس انتقل عيد النوروز، أو بالأحرى (عيد الأكيتو)، الى شعوب وأقوام ومناطق أخرى في غرب أسيا، مثل (تركمانستان وطاجيكستان وأوزبكستان وقرغيزستان وكازاخستان) ولاحقاً تركيا. (المصريون الفراعنة) يحتفلون بعيد الأكيتو باسم عيد ( شم النسيم).


كذلك ، يحتفل به الايزيدييون باسم (سري صال – راس السنة ) في الأربعاء الأول من شهر نيسان ، يسمونه عيد ( الملك طاووس ) (إله الايزيديين) ، المقتبس من الاله (تموز). كذلك يحتفل بعيد الأكيتو ( الصابئة المندائيين والمانيين) (نسبة الى نبيهم ماني)، وهذه اقوام قديمة تتحدر من أصول( أكادية – بابلية – آشورية ) . “الأكيتو”، المرتبط بتجدد الحياة والخصب في الطبيعة، لقرون طويلة كان (عيداً عالمياً) تحتفل به الكثير من شعوب المنطقة والعالم، وإن بأسماء ومواعيد مختلفة، قبل أن يتحولوا الى الاحتفال ببداية (العام الميلادي) الجديد، في الأول من (كانون الثاني)، بعد تحول الكثير من شعوب العالم الى المسيحية.
بعد اعتناق الآشوريين للمسيحية ، تَخلوا عن (الطقوس والشعائر) الوثنية، المصاحبة للاحتفالات بعيد الأكيتو. لكنهم تمسكوا بهذا العيد العريق وحافظوا عليه بما له ويحمله من قيم ودلالات إنسانية حضارية يعتز بها الشعب الآشوري. رغم عسف النظام العروبي الدكتاتوري في سوريا واستمرار سلطاته وأجهزته الأمنية بمضايقة وملاحقة واعتقال نشطاء وسياسيين آشوريين، لثني أبناء (القومية الآشورية) عن الاحتفال بعيد الأكيتو ، أصر الآشوريون السوريون (سرياناً كلداناً) على الاحتفال بعيدهم القومي (رأس السنة الآشورية- البابلية)، بل عسف النظام، زادهم تمسكاً بأعيادهم ومناسباتهم القومية وبتراثهم العريق، وأعطوها بعداً (سياسياً وطنياً) ليؤكدوا من خلال الاحتفالات على خصوصيتهم التاريخية وعلى هويتهم الآشورية ولتسليط الضوء على (القضية الآشورية)، وهي جزء من القضية الوطنية السورية العامة.
في السنوات الأخيرة ، بدأ عيد “الأكيتو” يشق طريقه شيئاً فشيئاً الى العديد من المناطق والمجتمعات السورية ، ليصبح عيداً شعبياً وطنياً سورياً، يحتفل به السوريون بمختلف انتماءاتهم الدينية والعرقية والسياسية هذا يعكس صحوة وطنية بتاريخ وتراث سوريا القديم وإعادة الاعتبار لهذا التراث السوري الأصيل، الذي طمسته وهمشته الحكومات العربية الشوفينية باختزالها الهوية الوطنية لسوريا بـ”العروبة والإسلام” وتعاطيها مع كل تراث سوري أصيل ما قبل العرب المسلمين، بعقلية (الغازي المحتل)، الذي يعمل لطمس ودفن تراث وثقافة ولغة (الشعوب الأصيلة)، التي يستعمرها. من المقرر أن ترعى (وزارة السياحة السورية) في نيسان القادم( 1 نيسان 6769 آ) احتفالاً بعيد (الأكيتو) بصفته( راس السنة السورية) في بلدة (جبعدين ) وهي بلدة آرامية سريانية عريقة أهلها غالبيتهم مسلمون يتحدثون الآرامية القديمة. إذا ما جرى هذا الاحتفال ، نأمل أن تكون خطوة مهمة على طريق تصالح سوريا مع تاريخها القديم و مع تراثها (السرياني الآشوري) العريق.
الآشوريون السوريون لا يجدون معنى ولا قيمة لأي تغير يحصل في سوريا ، مالم يقر الدستور الجديد للبلاد بالآشوريين كـ(شعب سوري اصيل) ويعترف بخصوصيتهم الثقافية واعتبار (اللغة السريانية) (لغة وطنية لسوريا الجديدة) الى جانب العربية، كما كانت (لغة وطنية لسوريا القديمة) التي أخذت اسمها عن (السريان الآشوريين) . دستور وطني ديمقراطي ، يشرعن عيد “الأكيتو” (عيدًا وطنياً سورياً) كما كان في الماضي، بأصوله وجذوره.

باحث سوري مهتم بقضايا الأقليات.
[email protected]
المصدر ايلاف

About سليمان يوسف يوسف

•باحث سوري مهتم بقضايا الأقليات مواليد عام 1957آشوري سوري حاصل على ليسانس في العلوم الاجتماعية والفلسفية من جامعة دمشق - سوريا أكتب في الدوريات العربية والآشورية والعديد من الجرائد الإلكترونية عبر الأنترنيت أكتب في مجال واقع الأقليات في دول المنطقة والأضهاد الممارس بحقها ,لي العديد من الدراسات والبحوث في هذا المجال وخاصة عن الآشوريين
This entry was posted in دراسات سياسية وإقتصادية, دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, ربيع سوريا. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.