لحظات مؤلمة لاتُتنسي…

في 17 أيلول 2013 كان موعدي مع طفل لم يتعد الأربعة عشر عاماً، شاهدته لأول مرة وهو مكبل اليدين ممسكاً به شرطى ويتجه به نحو قاضي التحقيق، وفي مكتب القاضي وقف ياسر وهو يحني رأسه للأسفل، سأله القاضي عن التهم المنسوبة إليه وهي المشاركة في مظاهرة ضد النظام وترديد شعارات مسيئة للقيادة والاشتباه بحمله سلاحاً طبعا دون أن يوجد في الملف ما يثبت أنه كان يحمل سلاح، أجاب ياسر وهو منحني الرأس بالنفي، فطلب منه القاضي أن يرفع رأسه وأن لا يخاف، سأله القاضي : منذ متى وأنت موقوف؟ أجاب ياسر: “لا أعرف ولكن صرلي زمان كتير، ما أذكره يا سيدي أنه بعد اسبوع من اعتقالي وضعوني لوحدي في غرفة صغيرة جداً، بقيت فيها حتى أحضروني إلى هنا.”. وفي نهاية التحقيق قرر القاضي تركه. خرج ياسر من مكتب القاضي دون أن يبدو عليه الفرح ..خرج وهو يهذي.. غير متوازن… لا يدري ما يحدث حوله.. لا يعرف أين يتجه.. أول كلمة نطق بها بعد خروجه من باب القصر العدلي ” يا الله قديش صرلي ما شفت الشارع وما شفت الناس والشمس والسيارات ” سألته عن رقم هاتف أهله فبدا إنه نسيه.. أمسكت بيده نحو الشارع، حيث يحتشد جمعاً كبيراً من الناس ينتظرون ابنائهم بعد صدور العفو .. طال انتظارهم ولم يخرج أحد ..
خرج ياسر ولم يصدق أنه خرج يلتفت يميناً ويساراً مندهشاً من منظر تجمع الناس وحركة السيارات.. أوقفت له سيارة تكسي بعد أن وضعت في جيبه مبلغاً من المال يكفيه لتدبير أموره، ريثما يصل إلى منزل أهله، استقل السيارة وهو ينظر لي بعينه التي اغرورقت بالدموع ..ثم توجه لي بالقول : “الله يوفقك يا استاذ” .. كانت لحظات مازالت في مخيلتي وكأنها حدثت للتو .
وبعد الاطلاع على اضبارته تبين أنه اوقف لمدة 51 يوماً، قضى منها 44 يوماً في الزنزانة منفرداً.

About ميشال شماس

ميشال شماس محامي مدافع عن حقوق الانسان,عضو هيئة الدفاع عن معتقلي الراي والضمير في سوريا.
This entry was posted in الأدب والفن, ربيع سوريا. Bookmark the permalink.

Leave a Reply