قصة الطوفان العظيم

قصة “الطوفان العظيم” التي أمر به الله (أو الآلهة وفقا لشهادة المدونات التاريخية القديمة) لتدمير البشرية لخطاياها وتمردها الاخلاقي ، هي قصة تاريخية معروفة على نطاق واسع تشترك فيها العديد من الأديان والثقافات في جميع أنحاء العالم، ويعود تاريخها إلى أقرب ما كتب عن تاريخنا البشري المسجل في حضارات العالم . ذكرت هذه الحادثة في حضارات كثيرة ، من الهند إلى اليونان القديمة، وبلاد ما بين النهرين وحتى بين قبائل الهنود الحمر في أمريكا الشمالية، ليس هناك اختلاف بين هذه الحكايات التي غالبا ما تبدو واضحة جدا ومتشابهة يبن الحضارات المختلفة . بعض من هذه القصص تبدو حقا متماثلة بحيث يمكن للمرء أن يتساءل عما إذا كانت جميع الثقافات في مختلف أنحاء كوكب الأرض قد شهدت مثل هذا الحدث نفسه .
هناك احتمالان يمكن أن يكون الطوفان العظيم و الفيضانات قد تكرر حدوثه بقوة ودوّن في كتب التراث في جميع أنحاء العالم ، واعتبرت تلك الاحداث مجموعة من الأساطير أو حوادث معزولة ، أو ربما كان الطوفان العظيم كارثة واحدة حدثت في جميع أنحاء العالم والتي أثرت على البشرية جمعاء خلال عصور ما قبل التاريخ ؟
كارثة اجتاحت العالم باسره .
الكوارث الصغيرة تكون محدودة ومعزولة ، يمكن أن يثبتها تاريخ حضارة ما بسبب ما تركته من مأسي و مخاوف عند السكان المتضررين ، و كان تأثيرها العام قصير الأمد على الشعب ، وغالبا ما تتلاشى تلك الاحداث المحلية من الذاكرة خلال عقود، إن لم يكن سنوات. اما في حالة الطوفان العظيم، فلدينا القصة الشهيرة التي لا يبدو أن لها حدود واحدة في منطقة معينة من الارض ، والتي تصر كل ثقافة على ذكر طبيعتها في جميع أنحاء العالم. لكونها كانت كارثة رهيبة وكبيرة وعظيم مدى الضرر الذي الحقته بالحياة البشرية و الحضارات على حد سواء، ولهذا السبب يجب أن تكون مثل هذه الكارثة الهائلة عظيمة الاثرعلى البشرية جمعاء حتى استطاعت أن تنطبع في ذاكرة أجدادنا بصورة جماعية لآلاف السنين؟ ولم يكن حكمنا عليها من خلال الشهادة المشتركة لها في تاريخ كثير من الحضارات ، ولأن الحدث اثر على الجميع في وقت واحد، ولكن من أجل أن كارثة الطوفان العالمي أصبحت ركنا ثابتا في النفس البشرية ، كان يجب أن تكون تجربة قاسية على البشرية والتي لا يزال تأثيرها قائم لحد الان ، ليس فقط لأيام أو شهور، ولكن لعدة أجيال .
هناك تشابه مذهل بين قصص فيضانات الهندوس وأسطورة مانو وبين سفر التكوين في الكتاب المقدس لقصة نوح والطوفان العظيم وما ذكره القرآن مختصرا ، ومن خلال تراث الالواح السومرية المدونة التي ذكرت قصة جلجامش والطوفان العظيم التي عثرعليها في المكتبة الشخصية للملك الآشوري آشوربانيبال في نينوى في شمال العراق فكلها تحكي عن قصة الطوفان العالمي المدمر بتشابه كبير .
عندما يجد جلجامش أوتنابشتم يبدأ الأخير بسرد قصة الطوفان العظيم الذي حدث بأمر الآلهة وقصة الطوفان هنا شبيهة جدا بقصة طوفان نوح، وقد نجى من الطوفان أوتنابشتم وزوجته فقط وقررت الآلهة منحهم الخلود.”
يذكر الدكتور طه باقر في كتابه ملحمة جلجامش ان منطقة طوفان نوح كانت في السهل الرسوبي في جنوب العراق حيث كان يسكن النبي نوح . وان الطوفان حادثة واقعية تاريخية حدثت في طيات الماضي البعيد من تاريخ العراق القديم ، ولفداحتها تركت تأثيرا بليغا في عقول الاجيال المختلفة فتناقلتها بالروايات الشفوية ، ونظرا للشبه الكبير في رواية الطوفان بين ملحمة جلجامش وبين رواية نوح في التوراة ، فاننا نعتقد ان كلتا الروايتين ترجعان لحادثة واحدة .
ويعتقد د. طه باقر ” ان الطوفان حدث في السهل الرسوبي لجنوب العراق في نهاية عهد جمدة نصر في حدود 3200 ق.م والى اوائل عهد فجر السلالات في بداية الالف الثالث ق.م .” لم يكن الطوفان العظيم حادثا معزولا و محليا ، بل حادثا عالميا وهذا سبب مهم ما يؤهل للكارثة ان تكون معروفة في جميع أنحاء العالم ليتم تسميتها بالطوفان العظيم؟
من دون أدنى شك ان الارتفاع الكبير لمياه المحيطات يسبب كارثة في جميع أنحاء العالم ففي نهاية العصر الجليدي الأخير غرقت ملايين الاميال المربعة من الأراضي الجافة في جميع أنحاء الكوكب ، وهذا ما يشابه احداثا ما قد يجب أن تكون في يوم القيامة والتي ذكرتها بعض الاديان و الثقافات والتي نتوقع حدوثها في يوم ما.
ذكرت توراة موسى في سفر التكوين قصة الطوفان العظيم هكذا :
” فِي سَنَةِ سِتِّ مِئَةٍ مِنْ حَيَاةِ نُوحٍ، فِي الشَّهْرِ الثَّانِى، فِي الْيَوْمِ السَّابعَ عَشَرَ مِنَ الشَّهْرِ فِي ذلِكَ اليَوْمِ، انْفَجَرَتْ كُلُّ يَنَابِيعِ الْغَمْرِ الْعَظِيمِ، وَانْفَتَحَتْ طَاقَاتُ السَّمَاءِ. وَكَانَ الْمَطَرُ عَلَى الأَرْضِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا وَأَرْبَعِينَ لَيْلَةً”.
” خَمْسَ عَشَرَةَ ذِرَاعًا فِي الارْتِفَاعِ تَعَاظَمَتِ الْمِيَاهُ، فَتَغَطَّتِ الْجِبَالُ ” ” مَاتَ كُلُّ ذِي جَسَدٍ كَانَ يَدِبُّ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الطُّيُورِ وَالْبَهَائِمِ وَالْوُحُوشِ، وَكُلُّ الزَّحَّافَاتِ الَّتِي كَانَتْ تَزْحَفُ عَلَى الأَرْضِ، وَجَمِيعُ النَّاسِ.”
عبارة [ انفجرت كل ينابيع الغمر العظيم ] ، تشير الى تدفق المياه من البحار والمحيطات وارتفاع مستواها فوق سطح الارض اليابسة . اضافة الى مياه الامطار المنهمرة من السماء و الغيوم لمدة اربعين يوما بلا انقطاع . فكان الطوفان العظيم الذي غطى كل الجبال فكانت الكارثة التي قضت على كل الاحياء .

تشير الدراسات الجيولوجية والمائية لحدوث ارتفاع مفاجئ لمياه المحيطات في جميع أنحاء العالم قبل 8000 عام قبل الميلاد والتي أدت في نهاية المطاف إلى إغراق منطقة البحر الأبيض المتوسط اولا ، وبعدها حدث فيضان البحر الأسود.
(ملاحظة: في عام 1997 اقترح وليام ريان والتر في بدراسة قام بها بيتمان أن طوفان البحر الأسود وقع حوالي 5600 قبل الميلاد، ثم أكدت دراسة لاحقة في عام 2005 برعاية اليونسكو أن حادث الفيضان وقع في وقت سابق من ذلك بكثير وفي وقت أقرب إلى 8000عام قبل الميلاد.
حدث ارتفاع مياه المحيطات مرة واحدة في التاريخ عندما انتهى العصر الجليدي و ذابت الثلوج المتراكمة فوق الجبال والمتجمعة بارتفاعات كبيرة فوق سطح الكوكب ، حدث هذا الذوبان منذ طويلة الأمد والتي أعادت تشكيل جذري في سواحل كوكبنا والتي أثرت واغرقت في وقت واحد كل الحضارات في المدن الساحلية حول العالم في ذلك الوقت.
يبدو أن الارتفاع التدريجي للمحيطات هو السبب وراء أسطورة الطوفان العظيم، وهو الحادث المسؤول عن زيادة مستوى سطح البحر و ارتفاع منسوب المياه عالميا أكثر من 400 قدم عن مستواها السابق ، كانت الفيضانات لا يمكن التنبؤ بها تماما.
أن البشر بطبيعتهم يميلون إلى العيش في الاراضي ذات الارتفاعات المنخفضة والقريبة من الماء لحاجتهم له في الحياة اليومية ، ولهذا السبب فإن جميع الحضارات ما قبل التاريخ قد دمرت تماما بلا اي شك بسبب الفيضانات الكبيرة اوالطوفان العظيم لغرق المدن المنخفضة .
دراسة حديثة نشرت في مجلة علوم الأخبار (4 ديسمبر 2010) بعنوان “عالمية مستوى سطح البحر: ارتفاع مياه المحيطات في نهاية العصر الجليدي الأخير “، ويوضح أنه بعد نهاية العصر الجليدي الأخير، من حوالي 17000 قبل الميلاد الى 4000 قبل الميلاد، ارتفعت مستويات سطح البحر (في المتوسط) بمقدار متر واحد (3.2 قدم) في كل 100 عام. ومع ذلك أشارت الدراسة إلى أن هذا الارتفاع التدريجي للبحار تميزت احيانا بقفزات مفاجئة في ارتفاع مستوى سطح البحر بمعدل حوالي خمسة أمتار (16.4 قدم) في القرن الواحد.
وأظهرت دراسة على نحو أدق أن الفترات بين 13000 قبل الميلاد و 11000 قبل الميلاد، وكذلك بين 9000 قبل الميلاد و 7000 قبل الميلاد، تميزت بارتفاع غير طبيعي في مستوى سطح البحر. وهذا مؤشر علمي مؤيد لفكرة حدوث الطوفان العالمي العظيم .
المصادر
– ملحة جلجامش د.طه باقر
-موقع Ancient Origins

About صباح ابراهيم

صباح ابراهيم كاتب متمرس في مقارنة الاديان ومواضيع متنوعة اخرى ، يكتب في مفكر حر والحوار المتمدن و مواقع اخرى .
This entry was posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.