اصلاح الإسلام ضروري وممكن

في مشروع اصلاح الاسلام بدراسته وتدريسه بعلوم الأديان،حاولت التعلم من فشل محاولات الاصلاح الديني منذ القرن الـ 19 .المحاولة،الأكثر جدية،كانت محاولة محمد عبده. يمكن تلخيصها في محورين:العودة إلى القرآن بعيدا عن تفاسيره المليئة بالخرافات وإحياء الاجتهاد..
فيما يخصني،اقترحت قراءة النصين المؤسسين،القرآن،الحديث و التراث بعلوم الأديان المعاصرة،الوحيدة القادرة على جعل علاقتنا بمجموع تراثنا شفافة،بلا ألغاز أ و أسرار تتحدى العقل البشري.وبدلا من الاجتهاد في المباح الذي لا ضرورة له، إذ أن الفقهاء منعوا “الإجتهاد فيما فيه نص”سواء أكان قرآنا واضح الدلالة أو حديثا صحيحا،اقترحت على الفقهاء المعاصرين العودة إلى النسخ، الذي دشنه القرآن نفسه، بنسخ الآيات التي لم تعد متكيفة مع المستجدات أو طالب الصحابة بنسخها… واقترحت على صناع القرار الفصل بين الدين والدولة وبين المؤمن والمواطن عملا بمبدأ الحداثة:الفصل بين الاختصاصات:رجال الدين يقودون المؤمنين في أمور دينهم والسياسيون يقودونهم في أمور دنياهم.
المحاولات الإصلاحية السابقة لم تعي خطر تذويب الفرد في الأمة،الذي شكل وما زال أحد العوائق الكبرى للدخول إلى الحداثة.تدراكت ذلك جاعلا أولوية مشروعي هي ميلاد الفرد الحديث.فمن هو الفرد الحديث؟هو الفرد المالك لفرجه ورأسه.فرجه يتصرف فيه على هواه في اطار القانون الوضعي العقلاني،الذي لا يمنع الحب بين الراشدين الراضين، ويتصرف في رأسه يفكر به كيف شاء بعيدا عن الرقابة والرقابة الذاتية وعن كل عقاب أو تهديد به. الفرد المستقل والحر الذي يفكر بنفسه، يقرر مصيره في حياته اليومية بنفسه، يختار تدينه الشخصي بنفسه ولا يتردد في مساءلة تدينه أو الشك فيه.هذا الفرد يليق أن يكون منذ الآن رهان كل اصلاح واع بأهدافه وأولوياته.لماذا؟أولا لأن الفرد المّذوب في الأمة هو النواة الصلبة لإيديولوجيا الإرهاب الإسلامي، وثانيا لأن هذا الفرد،المؤمن كشخص والعلماني كمواطن،هو المؤهل للتصالح مع العالم الذي يعيش فيه.بلا خوف هستيري منه ولا تكفير هاذ له، مستفيدا من ايجابياته ومشاركا في صنعها،ومخففا من سلبياته سواء بالانخراط في جمعيات المجتمع المدني المتخصصة في ذلك،أو بوسائل أخرى سلمية. ميلاد هذا الفرد بكثافة هو الوعد الذي يحمله،أو ينبغي أن يحمله،كل مشروع اصلاحي معاصر .
مشروع الاصلاح،لكي يكون منتجا،لابد له أن يكون جزءا لا يتجزأ من مشروع اصلاحي كامل،يشمل اصلاح جميع القطاعات الأساسية: اصلاح صناعة القرار بنقلها من الرئيس الملهم ومستشاريه،الذين هم غالبا يحتاجون إلى من يشير عليهم بالرأي الحسن، إلى المعاهد المتخصصة في صناعة القرار بالعلم ومستعينة بالكمبيوتر، اصلاح صناعة القرار هو عمليا اصلاح لباقي القطاعات الأخرى.مرض دول أرض الإسلام هو افتقادها المأساوى للقرار الواقعي،الذي لا تصنعه إلا المعاهد المتخصصة فيه،تستنير به في سياستها الداخلية والخارجية.لو امتلكت مثل هذا القرار لبادرت منذ عشرات السنين إلى :
اصلاح الديمغرافيا،بنزع فتيل قنبلة الإنفجار السكاني.كيف؟بالإنتقال إلى العائلة النووية، المتكونة من أم،أب وطفل واحد. باستخدام الوسائل البيداغوجية والتشريعية والحوافز المادية والرمزية مثل تنوير الآباء،وخاصة الأمهات،بمخاطر الانفجار السكاني على مستقبل بلادهم التي ستبقى رهينة التخلف، وعلى مستقبل أطفالهم الذين ستكون غالبيتهم بلا مستقبل،أي بلا عمل أو سكن أو أسرة.وبأن أطفالهم قد يكابدون الأمية والبطالة والجنوح خاصة بسبب الفشل في اجتياز مراحل الشوط المدرسي؛وبتشجيع الإجهاض الطبي المجاني،كما فعلت تونس منذ 1961،وتشجيع العزوبة في الإعلام والتعليم بدلا من جعلهما،كما هما الآن، تحت حكم أقصى اليمين الإسلامي،وسيلة لتأنيب وتذنيب الأمهات العازبات لمخالفتهن لحديث:”المرأة الودود الولود”التي أشادت بها السنة! الأمهات العازبات يكتفين عادة بطفل واحد،والإعتراف لهن بجميع حقوق الأمهات المتزوجات،وقطع المنحة العائلية،حيث توجد كما في تونس،بعد الطفل الثاني مثلا؛إصلاح التعليم والتعليم الديني بالانتقال من المدرسة الحالية السلفية،التي ُتخرّج العاطلين وأنصاف الفقهاء،إلى المدرسة العقلانية السائدة في العالم، التي تكوّن عمال القرن الـ 21 : التقنيين، المهندسين،الباحثين،العلماء والأطباء؛إصلاح اللغة العربية بنقلها من لغة القرآن فقط إلى لغة العلم والتكنولوجيا أيضا وخصوصا.
اصلاح الإسلام بدراسته وتدريسه بعلوم الأديان(انظر العفيف الأخضر:اصلاح الإسلام بدراسته وتدريسه بعلوم الأديان)،كفيل بإصلاح الإسلام خلال جيل(25 عاما). خريجو هذا الجيل سيكون منهم صناع قرار أجيال الغد بالعلم.
لماذا ضرورة إصلاح الإسلام بعلوم الأديان؟
لأنها الوحيدة التي تساعد على فهم الظاهرة الدينية في جميع أبعادها.وهكذا تجعل علاقة المسلم بدينه شفافة لتحريره من اللامعقول الديني وتنويره بالعقلانية الدينية التي لا تقبل من الدين ما ينافي قيم مواثيق حقوق الإنسان ومؤسسات وعلوم العالم الذي نعيش فيه.عكسا لدراسة الدين بالدين السائدة اليوم، التي عززت وما تزال الرق النفسي للأسلاف الذي يفرض كوادر ذهنية تتحكم في التفكير والسلوك فتجعل قطاعا واسعا من المسلمين يرى في أسلافه أبطالا جديرين بالتقليد، وفي معاصريه أنذلا جديرين بالكراهية والتكفير؛إحياء العقلانية الإعتزالية والفلسفية والتأويل للنص على ضوء العقل عند ابن رشد أو على ضوء مقاصد الشريعة عند الشاطبي ضروري،بل ضروري جدا،لكنه لا يغني عن دراسة وتدريس تراث الإسلام وشخصياته التاريخية وأساطيره ورموزه بعلوم الأديان الحديثة، التي برهنت عن جدارتها في دراسة التراث اليهودي والمسيحي.مثلا النتائج المهمة التي أعطتها الأركيولوجيا في إسرائيل بجعلها تاريخ اليهودية أكثر فأكثر شفافا.لذلك كتبت وطالبت ،في رسائل خاصة لحكام السعودية ،بالسماح للبعثات الأركيولوجية الإجنبية بالتنقيب في الحجاز،كما نددت بمواصلة المتعصبين الوهابيين تدمير الآثار الإسلامية في السعودية، من مقبرة البقيع إلى قبور الصحابة وقد أوشكوا على تدمير قبر محمد نفسه لولا تهديد مسلمي الهند بالتدخل العنيف… آخر جرائمهم تحويل بيت خديجة، المكتشف حديثا، إلى مرحاض عمومي في 2005 ! . وهكذا ُيسمح للمصابين بالخوف الهستيري من العودة إلى عبادة الأصنام بالعدوان على ذاكرة المسلمين والبشرية والكنوز الأركيولوجية دون رادع !.
اصلاح الإسلام بالتشريع الحديث:نسخ الأحوال الشخصية الشرعية وتعويضها بأحوال شخصية حديثة مرجعيتها الإتفاقية الدولية”لمنع التمييز ضد المرأة “.أو كبداية، الانطلاق،كحد أدنى،من”مجلة الأحوال الشخصية”التونسية التي ألغت تعدد الزوجات والطلاق التعسفي جاعلة له حقا للزوجين أمام القاضي،ألغت رئاسة الزوج للعائلة محولة لها إلى شراكة بين الزوجين،ألغت دونية وقصور المرأة بالإعتراف بحقها في تزويج نفسها واعترفت بقانون التبني. إتمام هذه المجلة يتطلب اليوم الإعتراف للمرأة بحقها في الزواج ممن تحب من غير المسلمين،الذي أفتى به الترابي،وبالمساواة في الإرث بين الذكر والأنثى،كما أفتى بذلك الترابي أيضاً ناسخاً آية التفاوت في الإرث بين الذكر والأنثى(النساء 11)، وبالإعتراف للمرأة غير المسلمة بحقها في حضانة أبنائها المسلمين، في حالة الطلاق والترمل، وإرث زوجها وأبنائها المسلمين لوضع حد لهذه الفضيحة العنصرية الدينية !.
نسخ فقه الذمة والقوانين الحالية التي استلهمته خاصة في مصر والاعتراف القانوني بحقوق المواطنة الكاملة لغير المسلمين والأقليات الأخرى تطبيقا للإتفاقية الدولية لـ “حماية الأقليات”؛الاعتراف بحقوق الطفل التي ضمنتها له الإتفاقية الدولية لحماية الطفل، والتي حولتها تونس في السنوات 1990 إلى قانون وطني.
كل اصلاح يمر بطورين،ليستبطنه الوعي الجمعي،طور كتابته في تشريع وطور انطابعه في الذهنية الجمعية.هذه المهمة الأخيرة يتكفل بها الإعلام والتعليم والخطاب الديني المستنير.بالمناسبة تحالف العلمانيين مع المسلمين المستنيرين ضرورة لتسريع إصلاح الإسلام ؛
اصلاح الإقتصاد بدمجه في الإقتصاد العالمي وتشجيع السياحة والإستثمار الخارجي اللذين يرى فيهما أقصى اليمين الإسلامي تبعية وتهديدا للهوية.ألم يصرح مستشار الحكومة الإسلامية في تونس،في مؤتمر النهضة،بأن:”السياحة بغاء سري”؛ألم يطالب الغنوشي بالسياحة “الحلال”:فنادق للرجال وفنادق للنساء.
اصلاح اللغة العربية بجعلها لغة العلم والتكنولوجيا بدل لغة القرآن فقط،وبتعريب [=المحافظة على الكلمة كما هي في لغتها الأصلية وكتابتها بالأبجدية العربية ]المصطلح كما عبرنته العبرية، التي غدت بمعجمها المصطلحي لغة هندو ـ أوربية ناقلة للعلوم والتكنولوجيا على قدم المساواة مع اللغات الأوربية(العفيف الأخضر:الأصولية تعيق تطور العربية:قضايا فكرية، الكتاب السابع والثامن عشر،مايو 1997).
تتوقع الدراسات المستقبلية أن يكون الشرق الأوسط،في العقدين القادمين،مسرحاً للحروب الدينية وغيرها.إصلاح الإسلام قد يساعد نخبه وجمهوره على تحويله إلى إقليم مسالم،يتعاون سكانه على مكافحة الأخطار البيئية ،والفقر، والأمية، والبطالة، والانفجار السكاني والتفاوت الاجتماعي بين الطبقات والتنمية المستدامة بدل اقتصاد الحرب والتبذير السائد.
الصناعة الوحيدة التي أقامها محمد علي كانت حربية،ودشن عبد الناصر مشروعه الصناعي بالمصانع الحربية.أما صدام حسين فقد ظل طوال حكمه يلهث وراء امتلاك أسلحة الدمار الشامل،عناد ملالي طهران الانتحاري لإمتلاك السلاح النووي،كل ذلك يندرج في ديناميك الثأر التاريخي من”دار الحرب”. لماذا؟ في آخر تحليل ليأخذوا ثأرهم من تفوق أوربا على المسلمين في القرن الـ 16 بإمتلاكها السلاح الناري الذي هزم مماليك مصر ومقاومة عبد القادر الجزائري .!
أكتب هذه المداخلة تحت وقع مظاهرات السعار النرجسي ضد الفيلم الإستفزازي عن نبي الإسلام.ربما كان من المفيد توضيح بواعث رد الفعل الانفعالي العاصف بغياب اصلاح الإسلام ،الذي غيب بدوره تحديث وتمدين الذهنيات والسلوكيات العربية الإسلامية العتيقة إلى درجة أنها ترد على كاريكاتور بالعنف !.
واقعة الاستعمار،التي حولت العرب والمسلمين من سادة امبراطورية فاتحة إلى أذلاء في امبراطورية مفتوحة،أصابتهم بجرح نرجسي،أي بعملية خصاء لفحولتهم النفسية، دمرت ثقتهم بأنفسهم،جعلتهم يشعرون بالعار من نفسهم لعجزهم المزدوج:عن أن يكونوا جديرين بأسلافهم وأن يكونوا منافسين لمعاصريهم من(الكفار).الله جعلهم:” خير أمة أخرجت للناس”(آل عمران 110)،لكنهم،بتهاونهم في تطبيق تعاليم دينهم،حولوا “خير أمة”إلى آخر أمة عقابا لهم.تخلى الله عنهم،لتخليهم عن دينه بالعودة إلى “جاهلية القرن العشرين”في هذيان سيد قطب و”التصحر الديني”في هذيان راشد الغنوشي.كلاهما استلهم حديثين يعبران عن هذيان نهاية العالم الشيكزفريني:”بدأ هذا الدين غريبا وسيعود غريباً كما بدأ”و” ارتفاع القرآن من صدور الرجال”كإحدى علامات قيام الساعة!.
هذا الهذيان الديني شل العرب والمسلمين عن التفكير في القرار الوحيد الكفيل بشفاء جرحهم النرجسي وتضميد كرامتهم الجريحة:صنع قرار واقعي يحددون به أهدافهم الواقعية، وألوياتهم والوسائل الكفيلة بتحقيقها.ولو فعلوا لتوصلوا إلى النتيجة التي توصل إليها اليابانيون بعد هزيمتهم أمام الولايات المتحدة ،في 1853 بالإستسلام دون قتال لمطلب أسطولها بفتح حدودهم أمام صادراتها وفي 1945 بعد هزيمتهم الساحقة التي حملوا،بكل شجاعة ونضج،العسكرتاريا اليابانية وحدها مسؤوليتها: نستسلم لهم ثم نقلدهم لنلتحق بهم ونتفوق عليهم سلميا بغزو أسواقهم بمنتجاتنا. استطاع اليابانيون اتخاذ هذا القرار الواقعي لأن دينهم،عكسا لديننا،لا يتدخل لا في الاقتصاد ولا في البحث العلمي أو الإبداع الأدبي والفني ولا في الحب بين الراشدين الراضين ولا في السياسة.كان قرار اليابانيين تقليد المنتصرين عليهم.وما كان هذا ليكون قرارنا،لأن ديننا حرم علينا تقليد”أصحاب الجحيم”،أي اليهود والنصارى.
امر”مخالفة أصحاب الجحيم حتى فيما فيه مصلحة لنا”كما يقول ابن تيمية، في”اقتضاء السراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم”الذي حوله أقصى اليمين الإسلامي إلى مانفيست ديني،كان أحد العوائق التي اعتقلت عقول المسلمين عن التحليل لواقعهم والاعتراف الشجاع به والعمل على اصلاحه بدءا من إصلاح دينهم بتطهيره من العوائق التي أعاقتهم عن الاندماج في العالم الذي يعيشون فيه:بتبني مؤسساته وعلومه وقيمه الحديثة.
في الغياب الفاجع لهذا القرار السديد،سقطوا في الهذيان الشيكوزفريني:التوقعات اللاواقعية باللحاق بالغرب والتفوق عليه،إذا ـ وفقط إذا ـ عادوا إلى التقيد الحرفي بنصوص دينهم الذي كان أحد أسباب انحطاطهم والتسليم اللاشعوري بأن هزيمتهم نهائية.أعراض ذلك تتجلى في التفاؤل الساذج بالمستقبل والحنين الإكتئابي إلى “الماضي المجيد” يتسلون به عن اليأس المستبطن من المستقبل منخرطين دوريا في نوبات هستيريا جماعية،تنشط حناجرهم بقدر ما تشل تفكيرهم،أو في هذيان اضطهاد جماعي يعميهم عن تشخيص مرضهم الحقيقي الذي هو “تحريم تقليد” حضارة عصرهم!.
احساسهم الجارح بهوانهم اصابهم بحساسية مفرطة من النيل من أسلافهم ورموزهم الدينية،رصيدهم التاريخي الوحيد،الذي يعيشونه كعدوان على أقدس أقداسهم،على آخر ملاذ تبقى لهم.فيردون بثأر جنوني:من احتقرك بإهانة أسلافك ورموزك جاعلا لهم ولك أضحوكة بين الأمم،إجعله يدفع الثمن غاليا،اشتمه بألف لسان ودسه بألف قدم وطالب الأمم المتحدة بإصدار قانون يحرم “الإساءة إلى الأديان”،أي إلى ديننا،حتى وإن كان هذا القانون ينتهك قيمة مركزية في العالم الديمقراطي هي حرية التعبير،أم الحريات الأخرى!.
الكرامة الجريحة لا تعرف الغفران.وحده الثأر يسكن أوجاعها مؤقتا،في انتظار اهانة جديدة وثأر جديد.وهكذا دواليك من نوبة دينية هاذية إلى أخرى!.
قطاع هام من العرب والمسلمين اليوم يمر بنوبة هذيان ديني.فبماذا سيرد عقلاء العالم عليه؟في نظري،الرد الناجع والإنساني الوحيد ـ وأصر على الوحيد ـ هو تنمية الشرق الأوسط بشراكات اقتصادية وتكنولوجية،والمساعدة الفعالة والكثيفة على اصلاح الإسلام لينحصر أخيرا في المجال الديني الخاص تاركا المجال العام للدنيوي و حل النزاع الفلسطيني ـ الإسرائيلي بمشروع الدولتين المتعايشتين سلميا والمتعاونتين اقتصاديا وعلميا.انجاز هذه المهمة الأخيرة ستشكل حافزا هائلا لتسهيل انجاز المهمتين الأخريتين.
هذا القرار التاريخي كفيل بوضع البلسم على الجرح النرجسي ناقلاً هكذا العرب والمسلمين من احتقار الذات إلى الإعتداد بالذات والإعتزاز الجمعي .أراهن على أن هذا سيعقلن ردود أفعالهم ويثقفهم بثقافة الغفران المتبادل وبثقافة الحوار :ثقافة اللجوء إلى قوة الحجة بدل حجة القوة.على غرار الشعوب المتحضرة.
الإسلام الأوربي هو أيضا في حاجة ماسة للإصلاح.إصلاحه يعني ضرورة اقتسام مسلمي أوربا للقيم المشتركة مع مواطنيهم.الاندماج الاجتماعي ضروري،كما يلح المستعرب جيل كيبل،لكنه غير كاف.إلا إذا واكب ذلك قبولهم الضروري لمؤسسات بلدانهم وقوانينها وقيمها وعلومها،لتجاوز كثير من الظواهر السلبية، التي تحمل الماء إلى طاحونة الإسلاموفوبيا، مثل رفض بعض التلامذة المسلمين حضور درس الفلسفة أو نظرية التطور بحجة أنهما ضد القرآن،أو ملاحظة بعض التلاميذ في آخر ورقة الامتحان :”ما كتبته هنا لا أؤمن به،بل هو للإمتحان فقط “،أو المطالبة بمطبخ خاص بهم باللحم الحلال.
إصلاح الإسلام الأوربي يتطلب ترشيد ديمغرافيا المسلمين،إصلاح تكوين الأئمة والوعاظ ووعاظ السجون،الذين اتضح أن بعضهم في فرنسا يحرض المساجين على الإرهاب، إنشاء إعلام سمعي ـ بصري ومكتوب تشرف عليه المؤسسات الإسلامية يوعي الجمهور بإسلام مستنير يساعد على الاندماج الاجتماعي والقيمي.
تكوين الأئمة والوعاظ تكوينا حديثا ضروري.ويجب أن يكونوا من مواليد أوربا أو تكونوا في مدارسها،أي تشبعوا بقيمها الإنسانية وتقاليدها الديمقراطية والعلمانية.في المملكة المتحدة،8% فقط من الأئمة تكونوا في بريطانيا،45% من الوعاظ دخلوا إليها من باكستان خلال السنوات الـ 5 الماضية.
غلق المدارس القرآنية الحالية المرصودة للأطفال منذ سن 4 سنوات،بعد انهاء دروسهم في المدسة العمومية.أولا المدرسة القرآنية تحرمهم من الراحة الضرورية ومن تحضير واجباتهم المدرسية،وثانيا تغرس فيهم عادة التلقين المضادة للفكر النقدي. عدد المدارس القرآنية في بريطانيا مثلا 3500 مدرسة وعدد روادها من الأطفال 250 ألف؛فضلا عن أن الصغار يتعرضون فيها لعقوبات بدنية:لكم ورفس بالأرجل وأحيانا للإغتصاب!
تكوين الأئمة والوعاظ بإسلام مستنير كفيل بأن يضع نهاية لتحريض بعضهم على ضرب زوجاتهم ، على الزواج القسري،على كراهية اليهود والنصارى كما يفعل البعض أحيانا في خطبة الجمعة التي تنقلها إذاعة الشرق،عبر الإستشهاد بآيات القرآن المدني السجالية ضدهم،بدلاً من الإستشهاد بالآيات المسكونية[=الكونية] التي اعترفت بالديانتين، اليهودية والمسيحية،كطريق خلاص روحي للمؤمنين بهما.تحريضهم على مواطنيهم اليهود والنصارى يصب الزيت على نار ثقافة الكراهية،بدلا من انعاش ذاكرة المؤمنين بالوقائع التاريخية التي تعبر عن الاعتراف والتسامح.مثل سماح نبي الإسلام لوفد مسيحي نجران،60 مسيحيا،برئاسة أسقف نجران بأن يقيم القداس في مسجده،أو أمره موزعي الزكاة:”ابدأوا بجارنا اليهودي”،أو القيام احتراماً لجنازة يهودي مرت به،أو المحافظة،يوم إزاحة الصور من الكعبة،على صورتي مريم والمسيح؛وتذكير المصلين باستجابة عمر لطلب المسيحيين العرب بإعفاءهم من الجزية المذلة وتعويضها بالزكاة، أو أمر عمر أمين بيت مال المسلمين، وقد رأى ذات يوم عجوزا يهوديا يتسول:”أتأكلون شبابه صغيراً وتضيعونه كبيراً،اعطوه من بيت مال المسلمين”.وتفسير مغزى أمر عمر لهم بما هو عمليا دمج للمتسول اليهودي اجتماعيا في جماعة المسلمين، الذي يضاهي اليوم دمجه في المجموعة الوطنية، بدلا من تذكيرهم،
الشائع في مصر والأردن، بـ”عهد عمر”المشؤوم على غير المسلمين والمشكوك في نسبته إليه.على الخطاب الإسلامي الأوربي المستنير التأكيد على مبدأين:تنوع وخصوصية الثقافات ووحدة وكونية قيم حقوق الإنسان والمواطن. في هذا المنظور،مواطنة بلد غير مسلم لا تتعارض مع الإيمان،خلافا لفقهاء القرون الوسطى وورثتهم من أقصى اليمين الإسلامي المعاصر. هذا الخلط المرفوض بين الدين والمواطنة جعل حوالي 40% من مسلمي فرنسا يعترفون بأنهم مسلمون قبل أن يكونوا فرنسيين.مما يجعل منهم،في نظر مواطنيهم، طابورا خامسا لأي عدو مسلم محتمل لفرنسا بما في ذلك الإرهاب الإسلامي.
قد يكون لهذه الثقافة الودية تجاه غير المسلمين تأثير حميد على العنصرية الإثنية والدينية التي يكابدها،حسب الاستطلاعات 18 % من الفرنسيين غير المسلمين، الذين كانوا هدفا لشتائم ومواقف عنصرية:”ايها القذر آكل الخنزير”،أو”أيها الكافر القذر”! وتذكيرهم أيضا بحوار اليهود والمسيحيين والملحدين في مساجد بغداد وقرطبة،وتوزير العديد من اليهود والمسيحيين طوال قرون. لم تتوقف الشراكة الحضارية الإسلامية ـ المسيحية اليهودية إلا بدخول الإسلام عصر انحطاطة منذ القرن 12.
عداء الآخر وعداء العقل هما العنوان الرئيسي للإنحطاط المتواصل حتى الآن في إسلام أقصى اليمين الإسلامي.
تستطيع نخب الإسلام الأوربي المستنير إصلاح هذا الإسلام،والإسلام العالمي أيضا إذا تشجعت وبادرت إلى إهمال الإسلام المدني(1573 آية)السجالي والعنيف [=شرعي،جهادي معاد لغير المسلمين والنساء]والاقتصار على الإسلام المكي(4664 آية)المسالم من أول آية إلى آخر آية فيه؛

الإنفجار الديمغرافي عائق للإندماج؛مثلا 30 ألف عائلة متعددة الزوجات لها ستمائة ألف طفل بمعدل 14,5 للعائلة.لا شك أن الفشل المدرسي والبطالة والجنوح منتشرة بينهم،مما جعل نسبة المساجين المسلمين تتفوق 7 مرات عن نسبة مجموع السكان في فرنسا و8 مرات في بريطانيا ! وهكذا فهم يمثلون حوالي 50% من مجموع سجناء فرنسا ! تعاون المسؤولين عن الهيئات الإسلامية مع الهيئات الرسمية ضروري لترشيد هذه الديمغرافية المتفجرة بعلاج اسبابها لمصلحة المسلمين أنفسهم المهددين بالفشل المدرسي،أي بالا مستقبل، ومصلحة مواطنيهم الذين غزاهم الخوف من الإسلام برد الفعل بالإسلاموفبيا.أراهن بأنه عندما تصبح نسبة سكان السجون المسلمين مساوية لنسبة المسلمين الفرنسيين،عندئذ ستنخفض الإسلاموفوبيا بنفس المقدار.ستبقى فقط علامة تجارية لأقصى اليمين العنصري الذي لا مستقبل له في السيناريو المتفائل.
إعلام إسلامي ،على غرار راديو شالوم في فرنسا وغيره من وسائل الإعلام اليهودية الآخرى، يساعد أيضا على تعميم القيم المشتركة وثقافة الاندماج والحوار ضدا على ثقافة الكراهية التي تروج لها الجماعات المتطرفة وفي مقدمتها الإخوان المسلمون.
تتمتع اليهودية الأوربية ،التي تم اصلاحها بديناميك الثورة الفرنسية خاصة،بتجربة طويلة وغنية في الاندماج في مجتمعاتها،أفادت منه اليهودية واستفادت منه مجتمعاتها باسهامات النخب اليهودية في جميع المجالات الاقتصادية العلمية والإعلامية.من هنا ضرورة تعاون هيئات ونخب الإسلام الأوربي مع هيئات ونخب اليهودية الأوربية للتعلم من هذه التجربة.اشتراك عميد مسجد باريس،دليل أبو بكر،مع رجال دين يهود في إصدار كتب مشتركة هو بادرة رائدة جديرة بالتحية والتشجيع لتعميمها في البلدان الأوربية الآخرى.
تكوين الأئمة تكوينا حديثا،في المعهد الكاثوليكي بباريس،نموذج جدير بالمحاكاة في أوربا كلها …
بعد هذا التمهيد،سأحاول الاجابة على أسئلة مؤتمر روما التي طرحها منشط موقع “المصلح”،السيد استيفن أُولف.

************

* كيف يفكر المصلحون المسلمون في المهمة التي تواجههم،في محاولة تحرير الفكر الإسلامي من سيطرة التقليد والقراءة الحرفية غير الخلاقة للنص؟

ـ لا أستطيع أن أكون ناطقا باسم زملائي الآخرين.إذ لا تجمعنا لا مؤسسة ولا برنامج مشترك يحدد المهام والأولويات وإمكانية تذليلها.شخصيا لا أرى مكافحة ناجعة للقراءة الحرفية، مصدر التعصب والإرهاب،إلا بالقراءة التاريخية للنص:نسخ جميع الآيات والأحاديث المتعارضة مع مصلحة المسلمين أو مصلحة البشرية،وأخيرا تحييد الديني عن الدنيوي بحصره في مجاله الخاص.

* ما هي مشاكل إدراك الجمهور لموضوع الإصلاح؟

ـ الجديد يسبح غالباً ضد التيار.خاصة في الدين في جمهور مسلم لم يظهر فيه الفرد بعد على نطاق واسع.بل مازال ،إلى حد كبير،عضوا ذائبا في الأمة لا يفكر بنفسه في 9 على 10 من الحالات على الأقل بل بالشيخ والمفتى التقليديين.
قال نجيب محفوظ أن جثمان عبده،مفتي مصر ومدشن إصلاح الإسلام،ظل نصف يوم في الأزهر،لأن شيوخه كانوا يتجادلون:هل تجوز الصلاة عليه أم لا؟ المصلحون المعاصرون قياسا إلى مصلحي القرنين 20،19 محظوظون.ثورة الاتصالات أنقذتنا من مقص الرقيب،ولولاها لكانت كتاباتنا تدخل تهريبا إلى بعض البلدان ويقرأها العشرات بدل عشرات الألوف، بفضل الانترنت ندخل كل بيت وُنقرأ في القارات الخمس.ثورة الاتصالات،التي فتحت الحدود وفتحت العقول والذهنيات أيضا، سيكون لها في هذا المجال قبل وبعد.
روح الحقبة أيضا حليف للإصلاح وروح حقبتنا هو تسارع التاريخ أي تقدم العلم والتكنولوجيا:تغير العالم في النصف القرن الأخير بأكثر مما تغير في الألفيتين؛يوجد اليوم أحياء بيننا أكثر من 90%من علماء العالم منذ 10 آلاف عام .
قراء الإصلاح يشكلون قطاعا مهما يتزايد على مر الأيام:النخب الحديثة، الجمهور المستنير،وخاصة النساء الواعيات،اللواتي لم يستبطن رأي جلاديهن فيهن،ونخب وجمهور الأقليات الذين يكابدون يوميا آلام أحكام الإسلام التقليدي،إسلام القراءة الحرفية للنص.المشكل المسكوت عنه الذي يواجهه المصلحون هو الخوف ـ وهو خوف مشروع ـ،خاصة تحت حكومات أقصى اليمين في بلدان الربيع العربي،من المجازفة بالحرية أو بالحياة.أذّكر مصلحي الإسلام بأن شهداء المسيحية كانوا عاملا قويا في انتشارها ثم في انتصارها.
في الثقافة كما في الاقتصاد المعول عليه هو الطلب وليس العرض.لن يقرأنا إلا من شعر بالحاجة إلى قراءتنا.فيما يخصني لا مشاكل مع جمهوري المستنير بما في ذلك داخل حركات أقصى اليمين الإسلامي.واقع أن كثيرا من المواقع ،و 4 صحف ورقية في المغرب مصر وتونس تعيد نشر بعض مقالاتي،مؤشر على وجود طلب عليها.وزير التعليم المغربي،أدخل دراسة الفلسفة،بما هي مصدر للفكر النقدي الضروري لمكافحة التقليد والقراءة الحرفية،في السنوات الثلاث الأخيرة من الثانوي.والحال أني لم أقترح عليه إلا سنتين فقط كما في تونس.وزارة الأوقاف المصرية،على عهد الوزير الفيلسوف حمدي زقزوق،استلهمت ما كتبته عن تأهيل الأئمة في تونس.في مصر 93 ألف إمام،لو أن نصفهم فقط يتبنى خطابا دينيا مستنيرا لفتح طريقا ملكيا أمام الإصلاح.

* ما هي العوائق الرئيسية التي تواجه الإصلاح؟

ـ الاصلاح اليوم تقريبا لا شيء ويريد أن يصبح كل شيء.عندما يكون الاصلاح تقريبا لا شيء،تكون العوائق كثيرة.أولها غياب مؤسسة تتبنى الاشراف على تنفيذ مشروع الاصلاح،تموله ،تحدد أهدافه وأولياته وتقسم العمل فيه حسب تخصص كل باحث…
هذه المؤسسة كان يمكن أن تأتي إما من المجتمع المدني وإما من دولة.المجتمع المدني ضعيف ماديا ووعيه بضرورة الاصلاح ضعيف أيضا. أما بالنسبة للدولة ـ باستثناء التونسية 1956 ـ 2010 ـ فكلمة إصلاح الإسلام تعتبر زندقة.إذ أن الإسلام لا يحتاج إلى إصلاح. ألم يحسم الله نفسه في ذلك:”اليوم أكملت لكم دينكم”(المائدة ،3).وهكذا لم تبقى إلا المبادرات الفردية غير المنسقة بالضرورة.في غياب هذه المؤسسة ساد فهم قطاعي للإصلاح بدل الفهم الشامل لجميع جوانب الاصلاح التي حاولت معالجتها في مشروعي،من ضرورة إصلاح العربية إلى ضرورة نزع فتيل قنبلة الانفجار السكاني.عدم إصلاح العربية شكل عائقا للترجمة العلمية، ولتدريس العلم والتكنولوجيا من الإبتدائي إلى العالي، وعدم اصلاح الديمغرافيا ترتبت عنه مشاكل كبرى من شأنها إعاقة إصلاح الإسلام.
مؤتمر روما هو،في نظري،المكان المناسب للتفكير الجماعي في مشاكل وعوائق الإصلاح.
بالأمس كانت السعودية هي العائق الأول أمام الإصلاح.قال وزير خارجية بورقيبة،محمد المصمودي،أن بورقيبة كان في 1972 على وشك إصدار قانون المساواة في الإرث بين الذكر والأنثى نسخا لآية التفاوت(النساء 11).لكن ملك السعودية،فيصل،هدده،في رسالة دبلوماسية،بقطع علاقات السعودية مع تونس و بـ:”تكفير علماء الإسلام في العالم لك”كما جاء في الرسالة .فتراجع.صرح في 2011 رئيس النهضة، راشد الغنوشي :”بأن رئيس علماء السعودية ،ابن باز،أنقذ تونس من كارثة عندما كفر بورقيبه فجعله يتراجع عن المساواة في الإرث”!،يبدو اليوم أن السعودية لم تعد عائقا كما في الماضي لكن،في خليج النفط،إذا مات سيد قام سيد ليواصل حربه على إصلاح الإسلام.الجزيرة هي اليوم وكر أعداء الإصلاح.نصح جامعي تونسي الرئيس بن علي بإلغاء عقوبة الإعدام قانونا بعد أن ألغاها واقعا.أجابه عندئذ ستقيم الجزيرة علي ثورة إسلامية.أقصى اليمين الإسلامي،الذي يفتي بردة المصلحين تحريضا على قتلهم، وبذلك يدفعهم إلى الإلتجاء إلى الرقابة الذاتية أو الصمت هو أيضا عقبة.
أقصى اليمين الإسلامي هو اليوم في السلطة التي ستبليه وتُبلي خاصة مشروعه الديني السياسي المتعارض مع كل قيم العصر ومؤسساته وعلومه.قلت دائما،محاكاة لهيجل، إسلام القراءة الحرفية للنص،إسلام الولاء والبراء: إسلام تطبيق الشريعة والجهاد إلى قيام الساعة،إلى أن “يقتل المسلم آخر يهودي،”كما يقول حديث رواه البخاري وأدرجته حماس في المادة 7 من ميثاقها،لن نتجاوزه إلا إذا حققناه. وها هو اليوم برسم التحقيق في بلدان الربيع العربي.ما المتوقع؟فشله، بإحتمالية عالية، كما فشلت المشاريع المشابهة في أفغانستان طالبان،سودان الترابي ـ البشير وإيران الخمينية.في هذه الأخيرة توقف 80 %من الشعب و90 % من الطلبة عن الصلاة،لهذا تخصص الحكومة الإسلامية منذ سنوات شهر أكتوبر للحث على الصلاة، وتوقف 98 % عن صوم رمضان وأخيرا 30 % يعرفون أنفسهم كملحدين.هي بالتأكيد، أعلى نسبة في العالم الإسلامي!(العفيف الأخضر:إيران 30 عاما من الثورة 30 % من الملحدين، الحوار المتمدن 2009).(انظر أيضا :هل لأقصى اليمين الإسلامي مستقبل؟).
مؤخرا ألغت الجمهورية الإسلامية حد الرجم الشرعي من القانون الإسلامي.وقبلها ألغت تركيا الإسلامية عقوبة الزنا،وأول الغيث قطرة ثم ينهمر.وهذا مؤشر تاريخي على أن الشريعة وأنصارها لا مستقبل لهما.
وهكذا قد تكون حكومة أقصى اليمين الإسلامي أداة التاريخ اللاواعية للإسهام بالرغم منها في إصلاح الإسلام بتنفير أوسع الجماهير منه.

* كيف تُروّج رسالة الإصلاح على أفضل وجه؟

ـ إذا أخذنا مثال عبده رضا،يمكن أن نقول أن التعليم والإعلام كانا الأداتين المدشنتين لترويج الإصلاح الديني على أفضل وجه.منذ 1876 تعاون عبده مع اليومية الأهرام لترويج رسالة الإصلاح بين أوسع قطاع من النخب والجمهور.فكرته المركزية كانت ضرورة “تطوير التعليم والصحافة”لنشر رسالة الإصلاح والدفاع عن العلم بما هو مفيد للإسلام،عكس ما كان يدعي شيوخ التقليد بأنه”خطر عليه”.طالب في الأهرام بضرورة إصلاح اللغة العربية،التي مازالت بعده بأكثر من قرن أبعد من أن تكون لغة العلم والتكنولوجيا.جامعيان تونسيان ترجما كتيب “القرآن”للمستشرق أندريه ميكال معتذرين عن صعوبة إيجاد مصطلحات عربية لترجمة كتاب عن القرآن إلى” لغة القرآن”! ومنذ 1882 شارك عبده في تحرير”العروة الوثقى”التي نشرت تفسيره:”المنار”. وفي 1892 اقترح مشروعا لإصلاح التعليم الأزهري استبعد منه الكيمياء وعلم الطبيعية لتكفير علماء الأزهر لهما.بالمناسبة للجامعي التونسي محمد الحداد كتاب عن عبده جدير بالقراءة والمناقشة”محمد عبده:قراءة جديدة في خطاب الإصلاح الديني”،وبالمناسبة مرة ثانية عندما أراد تلميذ عبده التونسي،محمد الطاهر بن عاشور،إصلاح التعليم الزيتوني في الثلاثينات بإدخال الكيمياء والفلك في مناهجه. تصدى له شيوخ التقليد فاحتكموا إلى الوزير الأول:قال ابن عاشور للوزير أدخلت هذين العلمين حتى لا يبقى طلبة الزيتونة يرددون ،مع العامة ،بأن”الرعد ملاك بكوش”[=أبكم] فرد علية الوزير:”وأنا أيضا أقول أن الرعد ملاك بكوش”.هذه الواقعة حكاها لنا الشيخ الفاضل بن عاشور في مدرسة الحقوق.
استطاع الجامعي التونسي عبد المجيد الشرفي من خلال تدريس الإسلاميات تكوين جيل كامل من مصلحي الإسلام نشروا في”رابطة العقلانيين العرب”رسائلهم أو ملخصات لها عن الموضوعات الإسلامية التي درسوها،كما ساهم بكتبه وأحاديثه الصحفية في مشروع الإصلاح.
فيما يخصني،اخترت الإعلام للإفلات من مقص الرقابة.تعلمت الدرس من كتبي التي صدرت في بيروت،ورغم الرقابة الذاتية وتلك التي طلبها مني الناشر لعدم منع الكتاب، وصودرت في 99 % من البلدان العربية.وأنا سعيد بهذا الخيار،لأن مشروعي ومشاريع المصلحين الآخرين تُقرأ في كل بلد عربي وفي القارات الخمس،وهي، بفضل ترجمة موقع”المصلح”لها إلى الانجليزية، وصلت إلى نخب أرض الإسلام واخصائيي الإسلامولوجيا في العالم والقطاع المعني بها من الجمهور.المقال والكتاب الرقميان هما أفضل أداة لترويج رسالة الإصلاح.فضلا عن أن الكتابة الورقية ستنتهي في المستقبل المنظور .

* هل لغير المسلمين فهم صحيح لطبيعة المهام التي تنتظر المصلحين؟

ـ بالتأكيد بالنسبة لغير المسلمين في أرض الإسلام.أما بالنسبة لغير المسلمين في الغرب والعالم يبدو أن القطاع الطليعي منهم يتفهم مهامهم،مثل “المصلح” الذي، بترجمتهم للإنجليزية،يقدم للجميع رسالتهم،التي يلخصها اقتراح أوردجان على الإخوان المسلمين والنهضة:”ضرورة مصالحة الإسلام مع الحرية والعلمانية والديمقراطية”؛هذا الاقتراح الذي رفضاه.هذه المصالحة ضرورية لإندماج المسلمين في العالم الذي يعيشون فيه.خلافا لبعض المستشرقين،مثل أوليفيه روا، الذين يعتقدون أن أقصى يمين النهضة سيساهم في إصلاح الإسلام.وضحت مرارا بأن مشروع أقصى اليمين الإسلامي، إسلام القراءة الحرفية أي إسلام الجهاد والإستشهاد،هو النقيض المباشر لإصلاح الإسلام.مثلا مشروع الغنوشي،باستثناء بعض التنازلات اللفظية أو الظرفية وتضليل اللغة المزدوجة الشهيرة، هو:”إعادة الخلافة والتطبيق الكامل للشريعة،الجهاد لتحرير فلسطين وتكفير كل من يقبل بمشروع الدولتين،الإسرائيلية والفلسطينية، ضرورة امتلاك “الأمة الإسلامية” للسلاح النووي واستخدامه…وهي أهداف هذيانية واجرامية تتعارض مع أهداف إصلاح الإسلام.الدبلوماسية الأمريكية مازالت تدعم حكومة الغنوشي الفاشلة في السياستين الداخلية والخارجية التي همها،كما يقول عميد كلية الحقوق الصادق بلعيد،:”تفكيك مؤسسات الدولة التونسية لتقوم (…)على أنقاضها سلطة المرشد الأعلى”،راشد الغنوشي.
مساعدة مثل هذه الحكومة لا يدل على فهم صحيح للإصلاح.الترابي،وهو أقل سوءا من الغنوشي لأنه أفتى،بعد طرده من السلطة وسجنه، بالمساواة في الإرث وبحق المسلمة في تزويج نفسها من اليهودي والمسيحي ،حول السودان تحت حكمه إلى قاعدة لـ”القاعدة”.والجهاد في دار الحرب وحضارتها الذي هو النقيض المباشر لكل إصلاح ديني.

* هل يوجد اتفاق على طبيعة المشاكل التي على الإصلاح مواجهتها؟وإلى أي درجة يستطيع غير المسلمين الإسهام في قضية الإصلاح في العالم الإسلامي؟

ـ على حد علمي،لا توجد مؤسسة متخصصة في إصلاح الإسلام تكون الفاعل لمثل هذا الاتفاق الضروري.أضف إلى ذلك ان تقليد العمل المؤسساتي وروح الفريق مازالا لم يترسخا كفاية في الذهنيات السائدة.أتمنى أن يناقش مؤتمر روما إمكانية إنشاء مثل هذه المؤسسة الكفيلة بجعل الإصلاح أسرع وأنجع.
الانتلجانسيا والمجتمع المدني العالميين بإمكانهما فعل الكثير من أجل الإصلاح الذي هو مصلحة للبشرية.”المصلح”فاعل أساسي في إصلاح الإسلام بترجمتنا.كل من يدرس الإسلام وشخصياته التاريخية بعلوم الأديان هو، مهما كانت جنسته أو دينه، مشارك في إصلاح الإسلام.بل أنه حتى دراسات النصين اليهودي والمسيحي ورموزهما التاريخية إسهام غير مباشر في إصلاح الإسلام .
من إصلاح الإسلام تدخل الجميع لإنهاء الانتهاك الفاجع في أرض الإسلام لحقوق الإنسان،النساء، الأقليات واغتصاب الأطفال ـ الذين يزوجون في سن 9 للأنثى و 11 للذكر وهم يمثلون، حسب الأمم المتحدة، 1 من كل 3 بنات،فتاوى إهدار الدم، التحريض على الجهاد”في اليهود والنصارى وحلفائهم من المسلمين المرتدين” …
ليس عندي،زيادة على ما قلت وعلى ما سأقوله، وصفة لكيفية مساعدة غير المسلمين للإصلاح.ربما كان سيكون ضروريا عقد مؤتمر خاص للإتفاق على برنامج مشترك لمثل هذا التدخل من المجتمع العالمي والدبلوماسية الدولية ضد انتهاك حقوق الإنسان.على أن يكون ذلك جزءا من سياستها الخارجية كلما كان ذلك ممكنا.

* مالذي يطلبه مثاليا المصلحون المسلمون كدعم ؟وكيف يمكن لهذا الدعم أن يتحقق على أفضل وجه؟

ـ يوجد،في نظري،دعمان أساسيان:دعم المجتمع المدني بانشاء موقع إلكتروني،على غرار”المصلح”،يترجم إلى العربية أهم ما كتبه الإسلامولوج في الغرب والعالم عن الإسلام،ما كتبه مؤرخوا الأديان عن الكتاب المقدس؛كل تحليل علمي للكتاب هو تحليل غير مباشر لكتابنا أيضا:القرآن.مثلا،توجد منذ القرن التاسع عشر 3 كتب ألمانية عن محمد لم تُترجم حتى الآن.فضلا عن الكتب الأخرى عن نبي الإسلام التي صدرت بعد ذلك والتي لم يترجم منها إلا النادر مثل محمد واط،أما محمد رودنسون فقد ترجمه في السبعينات حسن قبيسي،لكن دار النشر رفضت نشره بعد الاطلاع عليه خوفا من المصادرة والملاحقة،كتاب نولدكه عن القرآن لم يترجم إلا منذ عشر سنوات فقط في كتاب ورقي صودر في كل مكان. لست أدري ما إذا كان أعيد نشره على الإنترنت لإنقاذه؟ الدعم الثاني هو الإفراج الملح على نسخ قرآن جامع صنعاء المخفية منذ 1972 في جامعة برلين ونشرها على الانترنت لتصبح في متناول الدارسين.
زعم الجابري أن دراسة مقارنة للقرآن غير ضرورية وغير ممكنة.لأنه،خلافا للكتاب المقدس،لا توجد نسخ أخرى مختلفة عن نسخة عثمان بعد حرقه لجميع المصاحف الأخرى المنافسة لمصحفه.هذه مغالطة مزدوجة:مقارنة القرآن على ضوء تاريخ الأديان المقارن تكون مع نصوص الديانات الميتة،كالبابلية والمصرية ،التي اقتبسها القرآن من الكتاب المقدس وخاصة سفر التكوين مثل أساطير طوفان نوح،مدينة لوط،الكسمولوجيا البابلية ـ التواراتية ،خلق آدم من صلصال… ثانيا عندما كتب الجابري هذه المغالطة،في السنوات 1990،كانت توجد منذ 1972 نُسخ أخرى للقرآن أُكتشفت في سقف جامع تهدم في صنعاء.ومنه قطعة من مصحف نادر به 900 آية.يرجح،الاخضائي في القرآن محمد علي معزي، أن تكون قطعة من مصحف ابن مسعود أو مصحف أُبي ابن كعب. أرجح شخصيا أن تكون من مصحف أبي، فالسجستاني يخبرنا في “المصاحف”أن آية ـ حديث الرجم هي في مصحف أبي. والقطعة تحتوي على هذه الآية.أهم ما فيها،كما لاحظ من أطلعوا عليها، أن القرآن والحديث كانا مازالا لم يُفصل بينهما بعد.يبدو أن لجنة جمع القرآن هي التي فصلت بينهما.اختلاط القرآن بالحديث من المسكوت عنه في تاريخ النصين المؤسسين.نجد هنا وهناك اشارة،عابرة إلى هذا الاختلاط بينهما،أحيانا بشكل غير مباشر:مثلا جاء في الصحيحين،البخاري ومسلم،أن ابن عباس وابن الزبير احتارا في تصنيف آية ـ حديث:”لو أن لإبن آدم واديا من الذهب لتمنى آخر”، هل هي آية أم هو حديث؟رواه البخاري تحت رقم 5957 ومسلم تحت رقم 1739.
قطعة مصحف أبي كفيلة بكسر هذا المسكوت عنه الذي اجتهد الفقهاء والمفسرون قرونا للتستر عليه.
هذا الاكتشاف النادر كفيل باعطاء ديناميك غير مسبوق لدراسة النصين الإسلاميين المؤسسين.لكن الجامعة الألمانية رفضت،تحت ضغوط دول خليجية ظلامية، تقديم هذا الكنز العلمي للباحثين.!والحال أن الفاتيكان قدم الأناجيل المنحولة للنشر. التي ساهمت،مع مخطوطات قمران،في فهم أفضل للكتاب المقدس وتاريخه.
أتمنى أن يدشن مؤتمر روما حملة دولية للضغط على جامعة برلين لنشر هذه المصاحف التي،ترتكب بعدم نشرها،خطيئة في حق البحث العلمي والإصلاح الديني الإسلامي!.
في الفصلية”لوموند دولابيبل”(عدد 201 يوليو ـ يونيو ـ أغسطس 2012)ملف خاص عن “مصحف الحجارة”.المقصود هو القرآن الذي كتبه الحجاج على صخور طريق الحج خلال القرنين الأولين للهجرة.يلاحظ الاخصائيون الذين حللوه أنه توجد اختلافات متفاوتة مع قرآن نسخة عثمان،وأن 54 سورة مكية غائبة منه.فهل سيرى هذا المصحف النور أم سيكون مصيره مماثلا لمصاحف جامع صنعاء؟
مكتبة الفاتيكان العربية تحتوى على قطعة من القرآن غابت من نسخة عثمان.يقول وزير البترول السعودي السابق، المقيم في لندن الذي لا أذكر اسمه الآن، الذي اطلع عليها في 2005 وكتب مقالا في صحيفة سعودية نقله “الشفاف”،أن فيها اختلافا في الألفاظ لا في المعنى عن المصحف الحالي.طلبت في 2007 من الفاتيكان الاطلاع عليها،فكان الجواب”المكتبة مغلقة للترميم لمدة 3 سنوات”! لا شك أن أحد حراس هيكل الظلامية الإسلامية قد مر من هنا،والجدير بالذكر أن هذه المكتبة هي مكتبة الملوك العرب في الأندلس التي أرسلها الفاتحون الكاثوليك للفاتيكان بدل حرقها كما فعلنا نحن:عمر،في رواية الطبري، أمر بحرق مكتبة ملوك فارس وقد استحق عن ذلك ملاحظة نقدية أنيقة من ابن خلدون في المقدمة. بدوره حرق القذافي في 1973 مخطوطات تتعلق بتاريخ البربر وعندما احتج عبد الرحمن بدوي طرده فلجأ إلى الكويت.
كتب عميد جامع باريس السابق،حمزة أبو بكر،في مدخله لترجمته للقرآن،أنه اطلع في الهند،في السنوات 1960،على نسخة من مصحف ابن مسعود.قد يكون حصل على نسخة منها.فهل في الإمكان تكوين لجنة من أعضاء مؤتمر روما للبحث عنها؟.
دعم المجتمع المدني الإعلامي والجامعي العالمي ضرورية وثمينة بهذا الخصوص.

* بالنسبة لتأويل النص القرآني،كيف يمكن الإفلات من السياج الدغمائي الذي أقامه “المصحف الرسمي المغلق” بعبارة أركون؟

ـ أولا إصلاح الإسلام يقوم على مٌسلمة أساسية:الفصل بين الدين والدولة.الخلط بين الديني والدنيوي كان سائدا في العصور الوسطى حيث كان العقل الإلهي يتحكم في العقل البشري قلبت الحداثة،بما هي”خروج الإنسان من سن القصور”إلى سن الرشد كما عرّفها “كانط”،هذه المعادلة فاصلة بين العقل الإلهي والعقل البشري.إضافة إلى ذلك،حكّمت العقل البشري في العقل الإلهي:بدرسه وتحليله بالعلوم المختصة فيه بلا رقابة ولا رقابة ذاتية.عندئذ لا تعود هناك حاجة إلى تأويل النص القرآني حتى نجعله يتطابق مع متطلبات ومتغيرات الحياة العصرية التي لم يعد له عليها سلطان،وهكذا يغدو النص غير ذي موضوع في شؤون السياسة والاقتصاد والعلم والابداع الأدبي والفني… يبقى تأويله ضروريا للنقاش بين الفقهاء والعلماء لضرورة العبادات والبحث العلمي فقط. وحتى إذا كانت بعض الدول مثل الخليجية لا تستطيع الفصل بينهما فوريا، ستكون مضطرة لإتخاذ النص القرآني مرجعية في الدنيوي.ففي متناولها وسيلة ناجعة وحاسمة هي النسخ:نسخ القرآن والحديث كلما تعارض مع مصلحة المسلمين أو مصلحة البشرية.مثل الجهاد المقوض للسلام الداخلي وللسلام العالمي.النسخ سنة سنها نبي الإسلام في حياته فقد نسخ القرآن بالقرآن،والقرآن هو كلامه هو ولا شك ونسخه بالحديث،والحديث هو حديثه هو بإجماع جميع المسلمين قديما وحديثا.
الآيات التي تقادمت أي تجاوزها التطور التاريخي لجماعة المسلمين أو تعارضت مع مصالحهم الآنية نسخها نبي الإسلام بطلب منهم.
في الواقع أفترض أن القرآن المدني لم يكن قرآنا كالقرآن المكي بل كان حديثا.الفرق الطبي النفسي بينهما أن القرآن كان يقع في نوبة الهلاوس السمعية الهذيانية المصحوبة عادة ببرحاء الوحي أي “كاتالبسي” التي هي عرض من أعراض الشكيزوفرنيا.وكان غالبا مسجوعا وهو ما يسميه الطب النفسي “إكُولاليا”وهو في الطب النفسي أحد أعراض الفصام أيضا. القرآن المدني لم يكن مسجوعا غالبا لأنه يقع خارج نوبات الهلاوس السمعية البصرية الهذيانية.لهذا السبب لم تكن فيه شعرية القرآن المكي،أي بصمة إلهام اللاشعور،التي كتب عنها نزار قباني في الخمسينات ،في مجلة “الآداب”،مقالا بعنوان:”الله الشاعر في القرآن”. وأفترض أيضا بأن الكثير من آيات القرآن ـ الحديث المدني كانت قوانين لتنظيم بداية دولة المدينة.كان نبي الإسلام، بمنزلة رئيس الحكومة اليوم ،يقدم قوانين ـ آيات ـ أحاديث كاقتراح على جماعة المسلمين الذين كانوا بمثابة البرلمان اليوم فيناقشون المقترحات مطالبين بتنقيحها، أي بنسخها جزئيا أو كليا؛سأعطي هنا مثلا طالما كررته عملا بقاعدة التكرار البيداغوجي لترسيخه في الذاكرة:الآيتين 66 و65 من سورة الأنفال:”إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبون مائتين”(الأنفال 65)رفض “برلمان” الصحابة الآية، وبعبارة الطبري عن ابن عباس “استعظموها”قائلين لنبي ورئيس دولة الإسلام:لا قبل لنا بما أمرتنا به،الواحد منا يقاتل 10 مشركين !.فعدل الآية فورا:”الآن خفف الله عنكم،وعلم أن فيكم ضعفا،إن يكن منكم عشرة صابرون يغلبون عشرين” (الأنفال 66).لا شك أن أساريرهم انفرجت علامة الرضا:لتغيير معادلة ميزان القوى بين المسلمين والمشركين :من مسلم ضد 10 إلى مسلم ضد 2 مشركين.

* كيف يستطيع العالم غير الاسلامي أن يساهم في إصلاح الإسلام؟

ـ وضحت ذلك سابقا، بالنسبة للدبلوماسية الدولية، بالشراكات الاقتصادية والتكنولوجية وبالدفاع عن حقوق الإنسان في أرض الإسلام؛وبالنسبة للمجتمع المدني العالمي بإلإعلام على غرار مساهمة”المصلح” الثمينة،وبدراسة الإسلام بعلوم الأديان.بل أني اعتبر أن”فاتيكان2″لم يصلح الكاثوليكية وحسب بل أصلح الديانات التوحيدية الثلاث (العفيف الأخضر:فاتيكان 2 أصلح الأديان التوحيدية الثلاث)، وذلك لإنتقاله من “باراديجم” العصور الوسطى،مركزية اللاهوت،إلى “باراديجم”العصور الحديثة،مركزية الناسوت [=المركزية الأنثروبولوجية].أي انتقل إصلاح فاتيكان 2 من مركزية العقل الإلهي إلى مركزية العقل البشري بمصطلحات الفلسفة الإنسانية. وهكذا أصبحت الكاثولوكية متبنية لكل ما حاربته طوال تاريخها إلى 1962 :جميع مؤسسات وعلوم وقيم العقل البشري من العلمانية إلى الديمقراطية.وهل لإصلاح الإسلام هدف آخر؟.

هذه مداخلة لمؤتمر روما لإصلاح الإسلام الذي نظمه د.استيفن ألف،مدير موقع “المصلح”،المتخصص في ترجمة المصلحين المسلمين المعاصرين للإنجليزية.

About العفيف الأخضر

العفيف الأخضر (1934-213 ) ولد في عائلة فلاحين فقراء في شمال شرق تونس سنة 1934. والتحق بجامعة "الزيتونة" الدينية ("أزهر تونس")، ثم بكلية الحقوق. ومارس مهنة المحاماة بين 1957 و1961، ثم تخلّى عن هذه المهنة وسافر إلى باريس في 1961، قبل أن يلتحق، مع يساريين آخرين، بنظام الرئيس أحمد بن بلا غداة إستقلال الجزائر. وانتقل إلى الشرق الأوسط في العام 1965، وتنقّل بين عمّان وبيروت حيث طبع أهم كتبه التي كان محورها "نقد الفكر الإسلامي التقليدي". غادر العفيف الأخضر بيروت محزوناً بعد اندلاع الحرب الأهلية، وبعد أن صدم أصدقاءه اليساريين بموقفه الرافض لهذه الحرب، والرافض لكل مبرّراتها "التقدمية". فقد هاله أن اليسار اللبناني لم يدرك أنه كان يسهم، بدون وعي، في تحطيم الحصن الوحيد للحرية في العالم العربي "الغبي والمستبدّ". ويعيش "العفيف" في باريس منذ 1979، ويكتب لصحيفة عربية، ويحاضر أحياناً في القاهرة أو يشارك في نقاشات تلفزيونية في محطات فضائية عربية. لماذا ننشر مقالات "العفيف الأخضر"؟ لأن التاريخ يتقدّم بمنطقه الخاص، والفكر "الخارجي" يمكن أن يصبح فكر الساعة "من حيث لا تعلمون". وليس سرّاً أن العفيف الأخضر كان أول دعاة "تجفيف منابع" الفكر الأصولي الإرهابي بعد أحداث 11 سبتمبر-أيلول 2001. كتب العفيف الأخضر: التنظيم الحديث، دار الطليعة، 1972. الموقف من الدين، دار الطليعة، 1973 (الذي تدخّل رئيس تنظيم ديني في لبنان لمنع طبعته الرابعة).
This entry was posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, ربيع سوريا. Bookmark the permalink.

Leave a Reply