هكذا قرأتُ القرآن 4 سورة المُدَّثِّر

قرأت اليوم سورة المُـدَّثِّر المرقمة 74 في مصحف عثمان، لكنها الرابعة في ترتيب “التنزيل” والتي قال عنها بعض أهل التأويل: بل هي أوَّل ما نزل مِن القرْآن- كما مرّ في ما سبق. فإن كانت هي السورة الأولى ومطلعها: {يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ١ قُمْ فأَنْذِرْ ٢ وَرَبَّكَ فكَبِّرْ ٣ وثِيابَكَ فطَهِّرْ ٤ والرُّجْز فاهْجُرْ ٥ ولا تمْنُنْ تسْتكْثِرُ ٦ ولِرَبِّكَ فاصْبرْ ٧… إلخ} فيا للهول بقوله “ قمْ فأنذِرْ” فماذا كانت ماهية تلك النذارة ولِمَنْ وما المناسبة؟

في هذه اللحظات تبدّى لي الملاك المعتاد (حَقّائـِيْل) قادماً من أكبر أقمار زحل ال 61 والمسمّى تيتان (1) فأملى عليّ سورة “المتنوّر” قائلاً:
أيّها المُتنوّر* بحقوق الإنسان بشِّرْ* المرأة تساوي الرجل لا يبخسْ أحدُهما حقّ الآخر ولا يَستهتِرْ* الطفل ثروة المستقبل فاحرص على صحّته واٌسهَرْ* دارِ الشيخة والشيخ من خدمتهما لا تتذمّرْ* لا يجُعْ في أمّتك غريبٌ وأمّا الصّائمُ فلا يتضوّرْ* وربّك إمّا نَخَسَ الشيطانُ فاٌذكـُرْ* الخاطئُ عن ذنبه فليُكـَفـّرْ* والدائنُ على المَدِين فليَصْبرْ* أمّا العادات السّيّئة فغيِّرْ* إهتمّ بالفكر وطوِّرْ* بـِئسَ العقلُ المُتحَجّر* أمّا القلبَ فطهِّرْ* وأمّا لسانك فقصّرْ* شتّان ما بين المُبشّر والمُنذِر* إنّ الزاوية بين اتجاهيهما لَمُنعَكِسة ٌ فقدِّرْ* »»» أي180 درجة هندسيّاً.

وقد سبق لي توضيح الفرق ما بين البشارة {بالخير} وبين النذارة {بغير الخير} ممّا ورد في معجم “مقاييس اللغة” ويمكن قراءة المزيد في مقالة لي مسبقة تحت عنوان “لا نبيّ من نسل إسماعيل” – الحلقة الثالثة- عبر الرابط التالي:
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=185250

ولأبدأ بدراسة الجملة الأولى؛ لقد وجدت في تفسير قوله “يا أيُّهَا المُدَّثِّرُ” ما ماثل تفسير قوله “ياأيّها المُزَّمِّلُ” على رغم اختلاف أهل التأويل فيما تدثر الرسول وفيما تزمّل، سواءٌ الثياب أو الرسالة، لكنّ المعنى اللغوي وغالبية المفسّرين رجّحوا الثياب على الرسالة (أو القرآن- في قول ابن عبّاس) وفيما يلي دليل من كتاب القرطبي والذي سأقتطف منه أشياء أخرى بعد قليل؛ قال في بداية تفسير السورة:
{أي يا ذا الذي قد تدثر بثيابه، أي تغشّى بها ونام، وأصله المتدثر فأ ُدغِمَتْ التاء في الدال لتجانسهما.
قال عكرمة: معنى “يا أيها المُدّثّر” أي المدثر بالنبوّة وأثقالها. ابن العربي: وهذا مَجاز بعيد؛ لأنه لم يكن تنبّأ بعد. وعلى أنها أوّل القرآن لم يكنْ تمكن منها بعد أنْ كانت ثانِيَ ما نزل.
قال مُقاتِل: معظم هذه السورة في الوليد بن المغيرة. قالوا: صَبَأ الوليد بن المغيرة؛ فدخل عليه أبو جهل وقال: ما لك يا أبا عبد شمس! هذه قريش تجمَعُ لك شيئاً يعطونكهُ، زعموا أنك قد احتجت وصبأت. فقال الوليد: ما لي إلى ذلك حاجة، ولكني فكّرتُ في محمد، فقلتُ: ما يكون مِن السّاحر؟ فقيل: يفرّق بين الأب وابنه، وبين الأخ وأخيه، وبين المرأة وزوجها، فقلتُ: إنه ساحر. شاع هذا في الناس وصاحوا يقولون: إنّ محمداً ساحر. ورجع رسول الله (ص) إلى بيته محزوناً فتدثر بقطِيفة، ونزلت: “يا أيّها المُدّثر”} انتهى

تعليقي: 1. إنْ صحّت هذه الرواية عن الوَلِيد بْن المُغِيرَة المَخزُومِيّ، أحَد رُؤسَاء قرَيْش، فمنطقيّاً أنّه عرف بادّعاء محمد النبوّة قبل هذه الحادثة إذ سمِع بمجموعة من الجُمَل القرآنية من لسان محمّد، حتى انشغل بأمره فقرّر أنّ محمّداً ساحر.
ومن جهة أخرى: 2. ما دخل الإله والدين في خلاف دارَ بين الوليد بن المغيرة وبين مؤلّف القرآن وتالياً ما ذنب قرَيش وسائر القبائل العربية وغير العربيّة لتـُرغـَم على التصديق برجُل ادّعى نبوّة ولم يأتِه ربّه بدليل واحد عليها لا بمعجزة ولا أعجوبة قدّام الملأ؟ فكان نصيب البشر من أمثال الوليد بن المغيرة هو قوله من ٢٤-٢٧ ويا للهول مرّة أخرى: {إنْ هذا إلّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ ٢٤ إِنْ هذا إلَّا قولُ البَشَرِ ٢٥ (وهاتان “الآيتان” هما من أقوال الوليد بن المغيرة حَرْفِيّاً لمُحَمّد- أنظر تفسير ابن كثير للجملة ٢٥) وكان جواب ربّ محمّد: سَأصْلِيهِ سَقَرَ ٢٦ ومَا أدراك مَا سَقرُ ٢٧ لَا تُبْقِي ولا تذرُ ٢٨} فتأمّل أخي القارئ- وأختي القارئة- كم بلغت قسوة ذلك الإله وإلى أيّة درجة في وقتٍ عَجز من تأييد رسوله ولو بمُعجزة واحدة أمام الوليد خصوصاً وقريش عموماً بدلاً من سفك دماء مئات الآلاف في عهده وفي عهد خلفائه من بعده.
3. بالعودة إلى أوّل ما “نزل” من القرآن- بالإضافة إلى قول ابن العربي المذكور في تفسير القرطبي أعلى: لا أظنّ بالـ “المدّثّر” سورة القرآن الأولى بل العَلَق.

ولقد لفتتني في هذه السّورة مواضيع شتى منها الفاصلة (أي القافية) التي استخدَمَ مؤلّفُ القرآن كما ورد في الجُمَل السبع الأولى {والتي وجدت مثلها في سُوَر القمر والضحى والكوثر} ثمّ غيّر الفاصلة بقوله النَّاقورِ، عَسِيرٌ، يَسِير. ثمّ غيّرها بقوله وَحِيدًا، مَمْدُودًا، شُهُودا… إلخ. ثمّ عاد إلى القافية الأولى بقوله قدَّرَ، نَظَرَ، بَسَرَ… إلخ- مع تكرار بعضها أزيَدَ من مرّة. ثمّ أتى بقافية يتيمة: رَهِينة- الجملة (٣٨) ثمّ غيّر بقوله اليَمِين، يَتسَاءَلُون، المُجْرِمِين، ثمّ عاد إلى سقر (٤٢) ليستمرّ مع المُصَلِّين، المِسْكِين، الخائِضِين… إلخ حتى غيّر أخيراً بقوله مُسْتَنْفِرَة، قسْوَرَة، مُنَشَّرَة… إلخ. وهذا- في تقديري المتواضع- ضعفٌ واضح في الخيال وعجز من حصر الفواصل بقافية مُوحّدة- إذا ما قورن مع أدب الحقبة المسمّاة بالجاهليّة، ممّا لوحظ في جميع قصائد الشعر القديم وفي سجع الكهّان. قلت هذا لأنّي من المهتمّين بالأدب العربي القديم حتى عرفت أسلوب كتابة كلّ من الشعر العمودي والسجع، أي أني أدرك تماماً كيف حاول الأديب القديم نسج قصيدته (أو الأسجوعة) موضوعيّاً وكيف أجاد في حبكها مُدارياً القافية.

أمّا بعد؛ بل ما أثار دهشتي قوله وهو في بداية الدعوة الإسلاميّة ياأيّها المُدَّثِّرُ (١) قمْ فأنذِرْ (٢) فما هي قواعد الدين الجديد التي أرسى ذلك الرجُلُ “العبقري” حتى أنذر من خالفها بنار جهنم بقوله: (سَأصْلِيهِ سَقرَ) وكان لا زال في بداية الطريق إلى تأسيس دين جديد؟ فلأذهبنّ إلى بعض المُفسِّرين المعتمَدين إسلاميّاً، ابتداءً بالأئمّة القدماء، قبل الحُكم على عبقريّة ذلك الرجل. هنا أوّلاً تفسير الطبري: وقوله (قم فأنذر) يقول تعالى ذكره لنبيّه محمد ص: قم من نومك فأنذر عذاب الله قومك الذين أشركوا بالله، وعبدوا غيره. حديث 27363 – حدثنا بـِشر… عن قتادة (قم فأنذر) أي أنذر عذاب الله ووقائعه في الأمم، وشدة نقمته.
وهنا تفسير القرطبي: أي خوِّف أهل مكة وحذرهم العذاب إنْ لمْ يُسلموا. وقيل: الإنذار هنا إعلامهم بنبوته؛ لأنه مقدمة الرسالة. وقيل: هو دعاؤهم إلى التوحيد؛ لأنه المقصود بها. وقال الفرّاء: قم فصلّ وأْمُر بالصلاة.
وفي تفسير الجلالين “قمْ فأنذِرْ” خوِّفْ أهْل مَكَّة النَّار إنْ لمْ يُؤمِنوا.

تعليقي: وما دخل ذلك الإله بالمشركين، له أنْ يُحاسبهم يوم القيامة لا أن يُسلّط عليهم زعيم عصابة ليقتلهم ويستبيح أعراضهم وكلّ ما لهم و(يجعل رزقه تحت ظلّ رمحه) في زمن كان جميع القبائل يعيش بأمان وسلام نسبيَّين على رغم التنوّع العقائدي واختلافه. أمّا التوحيد فلديّ أدلّة على أنّ في الدين المحمّدي تخبّطاً والتباساً ما بين التوحيد والشرك- ما لا أريد الخوض فيه الآن- لعلّ شهادة المسلم الثانية وواو العطف بين الله والرسول في القرآن وتقبيل الحجر الأسود من الأمثلة، لكنّ التوحيد كان معروفاً في شبه جزيرة العرب ولم يأتِ محمّد بجديد إطلاقاً.

ومن اللافت أيضاً قوله: (كلَّا والقمَرِ ٣٢ والليلِ إذْ أدْبَرَ ٣٣ والصُّبْحِ إذا أسْفرَ ٣٤) ففي تفسير الطبري: يعني تعالى ذكره بقوله “كلّا” ليس القول كما يقول من زعم أنه يكفي أصحابه المشركين خزنة جهنم حتى يجهضهم عنها، ثم أقسم ربنا تعالى فقال: “والقمر”
وأضاف القرطبي: ثُمَّ أَقسَمَ على ذلِكَ جَلَّ وعَزَّ بالقمَرِ وبما بَعْدَهُ، فقال: “واللَّيْل إذا أدْبَرَ”
واقتصر تفسير الجلالين على قولهما: “كَلَّا” اسْتِفتاح بمَعْنى أَلَّا.
أمّا المُدوَّن في تفسير ابن كثير لقوله “كلَّا والقمَرِ”: لا يوجد تفسير لهذه الآية!

تعليقي: إنها ليست المرّة الأولى التي أقسم الخالق ببعض مخلوقاته كالقمر والنجم أي بمخلوق من مرتبة دونه. وبهذا المقياس لا يُلامُ أحد أتباع هذا الدين إذا ما أقسم بناقة أو جمَل. ولقد تفرّد القرآن بتشويه صورة الخالق الذي يسمو على كلّ قسَم وعلى سائر حاجات الإنسان. وهذا القسم من الأدلة القاطعة على أنّ القرآن كلّه من تأليف محمّد. ولا أدري ما كان هذا السبب وراء عدول ابن كثير عن تفسير الجملة ٣٢ في هذه السورة، علماً أنّ الجلالين قد عدلا عن تفسير بعض آيات القرآن ممّا سأذكر في حلقات قادمة.

وسأكتفي في قراءتي هذه السّورة بالتعليق على تفسير القرطبي لقوله: (عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ) – المدّثّر: ٣٠
مقتطفات من التفسير: {* أي على سقر تسعة عشر من الملائكة يلقون فيها أهلها. ثم قيل: على جملة النار تسعة عشر من الملائكة هم خزنتها؛ مالك وثمانية عشر ملكاً. ويحتمل أن تكون التسعة عشر نقيباً، ويحتمل أن يكون تسعة عشر ملكاً بأعيانهم. وعلى هذا أكثر المفسرين. الثعلبي: ولا ينكر هذا، فإذا كان ملك واحد يقبض أرواح جميع الخلائق كان أحرى أن يكون تسعة عشر على عذاب بعض الخلائق.

* وفي “تِسْعَةَ عَشَرَ” سَبْع قِرَاءَات: قِرَاءَة الْعَامَّة “تِسْعَةَ عَشَرَ” وقرَأ أبو جَعْفر بن القعْقاع وطلْحَة بْن سُليمَان “تِسْعَة عْشَرَ” بإسْكانِ العَيْن. وعن اِبْن عبّاس “تِسْعَةُ عَشَرَ” بضَمِّ الْهَاء. وعنْ أنَس بن مالك “تِسْعَةُ وَعَشَرْ” وَعَنْهُ أَيْضًا “تِسْعَةُ وَعَشْرُ” وَعَنْهُ أَيْضًا “تِسْعَةُ أَعْشُر” ذكرَها المَهدَوِيّ وقال: مَنْ قرَأ “تِسْعَةَ عْشَرَ” أَسْكن العَيْن لِتوالِي الحَرَكات. ومَنْ قرَأ “تِسْعَةُ وَعَشَرْ” جَاءَ بهِ على الأصْل قبْل التركيب، وعَطفَ عَشْرًا على تِسْعَة، وحَذفَ التّنوين لِكثرَةِ الِاستعمال، وأسْكن الرّاءَ مِنْ عَشَر على نِيّة السُّكُوت عليها. ومَنْ قرَأ “تِسْعَةُ عَشَر” فكأنّهُ مِن التّداخُل؛ كأنّه أرَاد العَطف وترْك التّرْكيب، فرَفعَ هاء التأنيث، ثمَّ راجَعَ البناءَ وأسْكن. وأمّا “تِسْعَة أعْشُر”: فغيْر مَعْرُوف، وقدْ أنكرها أبو حَاتِم. وكذلِكَ “تِسْعَةُ وعَشْر” لأنّها محمولة عَلى “تِسْعَة أعْشُر” والواو بَدَل مِن الهَمْزة، وليس لذلك وَجْه عِند النّحْويِّين. الزمَخشريُّ: وقُرِئَ: “تِسْعَة أعْشُر” جَمْع عَشِير، مِثْل يَمِين وأيْمُن} انتهى

وتعليقي: أوّلاً- أيّ القراءات في “اللوح المحفوظ” الوارد في سورة البروج: 22
ثانياً- إنّ الإختلاف يدلّ على ما حَكَمَ به مؤلّف القرآن على نفسه في سورة النساء: 82

———————

(1) القمر تيتان- بلغات عدّة:
http://en.wikipedia.org/wiki/Titan_moon

____________________________

شكراً جزيلاً لمن تفضّل- وتفضّلت- بالتعليق على الحلقة السابقة:
1.للأخت العراقيّة الغالية على جميع ما تفضلت به في سلسلة هذه القراءات- لقد أسعدتني مداخلاتك كثيراً
2. للأخ العراقي الغالي على الاستفسار المشروع- أبادلك أطيب التحايا
7. للأخ الكاتب فيصل البيطار- لقد سرّتني مداخلاتك المميّزة في حلقات هذه السلسلة، بل أثلجت صدري، أبادلك الإعجاب وأطيب التحيات
11. للأخ السيد وليد- أتفهّم موقفك الإنساني وأثني عليه مع مبادلتك أطيب التحيات.

أمّا المداخلات الأخرى فقد أجبت عليها في حقول التعليقات سابقاً، يمكن لمن يهمّ الأمر العودة إليها، لأنّ تكرار الإجابة من جهتي على تعليق متكرر مضموناً ليس من البلاغة عندي. شكراً مع التقدير

About رياض الحبَيب

رياض الحبيّب من مواليد العراق قبل الميلاد تخصص علمي حقوق الإنسان، المرأة، الطبقة العاملة اللغة العربيّة، أدب عالمي، ثيولوجيا أدب، موسيقى، شطرنج نقد الأفكار لا الأسماء، ضدّ الظلم والفقر أوّل مُعارض للمعلّقات العشر المزيد من السِّيرة في محور الأدب والفن- الحوار المتمدن
This entry was posted in فكر حر. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.