من محمد الإيمان إلى محمد التاريخ -11

الفصل الحادي عشر

العقلانية الدينية المُطبقة

النصوص التالية،تُصحح أسطورتي خلق الحياة على الأرض انطلاقاً من آدم،وأسطورة خلق الكون في ستة ايام؛لذلك هي جديره بالتدريس للناشئة بما هي عقلانية دينية مُطبقة.

الدعابة،الجنس
التقاليد،الضحك
لسن خاصات بنوعنا البشري

بقلم دوس سانطوو

“كل صباح،قبل فتح حديقة الحيوانات،(استكهولم)الشامبانزي،سانتو،يَصّف بعناية مجموعات من الحصى على الأرض.ينتظر وصول الزوار الأوائل أمام زريبيته ليرميهم بقذائفه.كان يُظن أن الاستعداد للمستقبل خاصية بشرية.طالباً، تعلمت بأن الإنسان هو الوحيد الذي يستطيع استخدام الآلة،وبأنه الوحيد الذي يتلاعب بالرموز،وأنه الوحيد الذي يؤثِر الآخرين على نفسه،وأن هذه الخصائص خاصة به. كل هذا أصبح اليوم موضع شك،كما لاحظ،ج.هو برين،بالِو انثروبولوج بمعهد ماكس بلنك(ألمانيا)؛”رصْد تصرفات الشامبانزي على الأرض،في حالة شبه ـ أسر، وفي تجارب العلوم المعرفية،أسقطت الواحد بعد الآخر الخصائص الكبرى الخاصة بالإنسان:المشي على قدمين،استخدام الأدوات،الصيد،الحياة الإجتماعية،الحياة الجنسية،التعاطف مع بني جنسه،الضحك،الفن”؛كما لاحظ باسكال بيك،بالِو انثروبولج في الكوليج دُو فرانس.

قرود الشامبانزي يقايضون اللحم ضد الجنس،يمارسون المزاح،يمارسون جني الثمار،بل يعالجون أنفسهم بالأعشاب الطبية،التي يختارونها تبعاً للأمراض التي يعانونها.بعضهم يصنعون أخفافا “شباشب”لتسلق جذوع الأشجار الشائكة لتكسير الجوز.إنهم يستخدمون الأدوات،وبما أن لهم ثقافة، فهذه الأدوات تختلف حسب التقاليد المحلية،ويعطلون الفخاخ التي ينصبها لهم الصيادون، فتاة الشامبانزي تلعب بالعيدان،كما تداعب البنات عرائسهن.حتى أن الشامبانزي، يمكن أن يكون الأسرة الأشد قرباً منا،بالمساواة مع قرود بونوبو،الذين انفصلنا عنهم منذ 5 إلى 7 مليون عام.

مكانة خاصة:كما يشرح البالِو انثروبولج،باريل،المحاضر بمتحف التاريخ الطبيعي:”قرود الشامبانزي تطوروا في ذات الوقت معنا.عندنا جد مشترك،إنهم اخوتنا والجوريلا ابناء عمنا.قال اخصائي البالِو انثروبوليجا الأمريكي جودمان،منذ السنوات 1960 ،بأن الإنسان ليس إلا”شامبانزي معدّل”؛كان يريد تقريبه من الشامبانزي ومن الجوريلا، اللذين كانا ينتميان حين ذاك إلى عائلة أشباه البشر.أما منذ الآن فالأنواع الثلاثة مصنفون في البشريات.في بداية سنة 2000 ،اقترح جودمان،على أساس الأعمال التي اكتشفت القرابة الجينية الكبرى بين الإنسان والشامبانزي وبونوبو،ضم الشامبانزي وبونوبو إلى الإنس،هومو،(…)القرابة بين الأنواع الثلاثة تشبه القرابة بين النمر،والفهد والأسد(…).المشكلة أن الإنسان يؤلمه أن لا يكون إلا مجرد قرد، كجميع القرود، ويُصر على الاحتفاظ بمكانة خاصة به، بدافع النرجسية البشرية”.

منذ تشريح الجينوم البشري في 2003 تلاه جينوم الشامبانزي في 2005 وبونوبو في 2011 ،عثر العلماء على برهان مثير لتقريب البشر من قرود الشامبانزي وقرود بونوبو:98,7 % من أ.د.ن. مشتركة بين الأنواع الثلاثة(…).

“الجين فو اكس ب 2 ،الذي تم التعرف عليه بما هو جين الكلام.بروتينه الخاص به، به مئات من الأحماض الأمينية . منهن اثنان فقط غير متشابهين بين الإنسان والشامبانزي،هذا الفارق الضئيل هو الذي مكن الانسان من امتلاك كلام متشعب.فما هي خلاصة كل ذلك؟أن بعض خصائصنا الشهيرة، تُوجد عند قرود اخرى.لكننا كنا الوحيدين الذين دفعنا بهن إلى أقصى درجات التطور.هذا ما يجعلنا نحتفظ بشيء من النرجسية”.(1)

التطور هو أساسا تطور الدماغ

“من دون دماغنا البالغ الإتقان،ما كان ليكون بإمكاننا أن نكون سادة العالم.هكذا يقدم الإخصائي جان جاك هوبلن مفاتيح التطور.
س:لماذا الانسان هو النوع رقم واحد على الأرض؟
ج.ج.هوبلن:بفضل دماغه.إذا قارناه مع باقي القرود،فلإنسان يمتلك دماغاً أكبر بكثير مما كان ينبغي بالنسبة لحجمه الجسدي.بدلا من 400 إلى 600 سنتيمتر مكعب،عند القرود الأخرى،دماغ الإنسان هو أكبر 3 مرات.ذلك كان نتيجة ضغط متواصل من الانتخاب الطبيعي، أدى إلى تطور هذا الدماغ الكبير.
ـ هل كان من الضروري أن يتطور دماغنا؟
ـ إختصاصنا في الطبيعة،هو تكوين مجموعات اجتماعية متشعبة، تستخدم تكنولوجيا متقنة.وهو ما يتطلب تفوقاً عصبياً عاليا جداً، للبقاء على قيد الحياة.باستمرار،قدم لنا الانتخاب الطبيعي، آخر المساعدات الحاسمة الضرورية،ليصبح دماغنا متفوقاً أكثر فأكثر.
ـ لماذا أخذ هذا التطور وقتاً طويلاً؟
ـ دماغنا الكبير قدم لنا مزايا كبيرة،لكنه قدم لنا أيضاً بعض المتاعب؛أي التكاليف التي لابد من دفعها، لجعله دائماً أكبر فأكبر واتقن فأتقن.كان لابد من 2,5 مليون عام،للإنتقال من دماغ،بحجم دماغ الشامبانزي،إلى دماغنا الحالي.هذا التطور تطلب مراجعات طويلة حتى يتحقق.
ـ ماذا كانت التحديات التي كان علينا التغلب عليها؟
ـ أولاً،الدماغ مزعج،ولادة طفل تطرح مشاكل التوليد الجدية حقاً.لأن حوضنا بما نحن من ذوي القدمين ضيق.ثم أن دماغنا هش جداً.يداي ورجلاي يتحملان بلا عناء تغيّرات قوية للحرارة.لكن إذا وصلت حرارة دماغي إلى 5 أو 6 درجات فهو الموت.إلا أن اكبر همومنا،هو كيف يجب أن نغذي دماغنا باستمرار. دماغنا لا يمثل إلا 2 % من جسدنا،لكنه يستهلك 22 %من الطاقة، التي ينتجها الجسد.هذا ما يفسر انجذاب الإنسان إلى اللحم،والشحم، وجميع أنواع الغذاء، الكفيلة بتقديم كثير من الطاقة.طبخ الغذاء كان أيضاً وسيلة لتسهيل هضمه وتمثله.
ـ كيف تم حل مشاكل التوليد المشار إليها؟
ـ عندنا أكبر دماغ من جميع القرود،لكننا نولد بأصغر دماغ بالنسبة لحجمنا كراشدين.تقريباً 25 %.وهذا ما يسهل مرور الوليد من الحوض.وبالمقابل،فإن هذا الدماغ ليس أبداً مكتملاً عند الوّلادة.نموه يمتد مع الزمن،خاصة خلال 4 و 5 سنوات الأولى.بينما هو عند القرود مثلاً يكتمل خلال عام أو عامين.(…)
ـ هل يواصل دماغنا تطوره؟
ـ تماماً.بل بلا شك،تطورُ دماغنا،هو أحد الأشياء التي حسبناها أخيراً.ما نطلبه من دماغ إنسان اليوم، لا علاقة له بما كان يُطلب منه منذ 100 ألف عام أو حتى 50 ألف عام.واصل دماغنا الخضوع لضغط قانون الانتخاب الطبيعي نظراً لتعقد التكنولوجيا، التي نستخدمها،والتشعب المتعاظم للعلاقات الاجتماعية التي ننتجها.التكيف التقني عوّض أكثر فأكثر التكيف البيولوجي،من دون أن يؤدي ذلك إلى اختفاء هذا الأخير مع ذلك.تطور الكمبيوتر هو إحدى التجليات الأخيرة لظاهرة التطور المتواصل للدماغ البشري.لقد دخلنا إلى مرحلة بدأ فيها دماغنا يُخرج مخزون ذاكرته ليفوّض الآلات بالقيام بأكبر كمية من الوظائف نيابة عنه.
ـ ما هي المرحلة القادمة لتطور الإنسان؟
ـ بدأ الإنسان يتدخل في تسريع تطوره،فبإمكانه اليوم تعديل جينومه،وهذا حدث غير مسبوق في التاريخ.يقال أن هذا التقدم غير مرغوب فيه،ولكنه لا مفر منه.لا يوجد مثال واحد،في مجرى تطور الإنسان على مر العصور،على تكنولوجيا اخترعها ولم يستخدمها.”(2)

الدين والتطور:ولد الإنسان متديناً

إيف كوبنس،بروفسير في الكوليج دو فرانس
ومكتشف(لوسي،3 مليون سنة).

ـ متى اكتشف الإنسان المقدس؟
ـ في نظري،منذ ظهوره،منذ حوالي 3 مليون عام،عندما ُأضطر ما قبل البشر للتكيف مع حقبة من الجفاف الطويل،قللت كثافة الغابات.تطورت أدمغتهم،لأنهم باتوا مضطرين للعثور على استراتيجا جديدة للبقاء على قيد الحياة، في بيئة طبيعية كانوا فيها،من بين الحيوانات الآخرى،الأكثر تعرضاً للمخاطر. تطور وعيهم،ومعه تطورت نظرتهم الداخلية:وهكذا أصبحوا بشراً بعدما كانوا ما قبل بشر،بالنسبة لإخصايي ما قبل التاريخ،ولد حس المقدس منذ حوالي 300 عام أو 400 عام ق.م.،عندما ظهرت أدوات مصنوعة فقط للشعائر الدينية.لا أشاطر هذا التحليل.لا حظوا الشعوب البدائبة:كل شيء في نظرهم رمزي ومقدس.الإنسان الرمزي جاء مع اول حجر نحته.
ـ في أي لحظة بدأ الإنسان يهتم بدفن موتاه؟لتحضيرهم إلى السفر إلى عالم آخر؟
ـ (…)في موقع انابويلكا(اسبانيا)،تم العثور في بئر طبيعية على 15 جثة ألقيت هناك منذ 500000 عام.كانت الجثث مصحوبة بأداة جميلة النحت،من الحجر الأحمر.لونها لا يمكن أن يكون بالصدفة.لكن القبور الفردية لم تظهر إلا منذ 100000 عام ق.م.(…).
ـ هل امتلك ناس ما قبل التاريخ المكتوب معتقدات ناضجة؟
ـ قطعاً.للإقتناع بذلك.يكفي تحليل المغاور المنقوشة 30000 عام،الرسوم الحيوانية والعلامات التجريدية فيها منظمة بطريقة دقيقة،كبرهان على وجود كتابة مقدسة.(…).
ـ هل يمكن أن نتصور أن الإنسان لن تعود به حاجة للآلهة ؟
ـ الروحانيات،هن إحدى مكونات دماغنا منذ 3 مليون عام.لكن الإنسان تغير وسيتغير.ستوجد أنواع أخرى من البشر،ستكون قدراتهم الفكرية مختلفة عن قدراتنا،وربما لن يبقوا في حاجة إلى نفس المتعاليات،أي المعتقدات الدينية السائدة اليوم.”(3)

فضلت أن أترك لذوي الاختصاص،أي لأصحاب الكلمة المشروعة علمياً،أن يفسروا بأنفسهم صيرورة تحول القرد إلى إنسان،عبر تطور دماغه خلال 2,5 مليون عام،حيث تطور دماغه من 400 أو 500 سنتيمتر مكعب إلى الضعفين.فيما بقي دماغ أقرب القرود إلينا نسباً بونوبو الشامبانزي والجوريلا من دون تطور.وبما أن كل شيء يتغير إلا قانون التغير،وبما أن التطور لم يعد اليوم بالإنتخاب الطبيعي فحسب، بل قد غدا أيضاً وخصوصاً”بالإنتخاب الحضاري”كما سماه داروين،أي بالعلم والتكنولوجيا،أو بعبارة أخرى بتدخل العقل البشري نفسه لتطوير نفسه بنفسه،عبر تطوير مؤسساته،وعلومه، وتكنولوجياته وأيضاً جينياته،وقيمه الأخلاقية ومعتقداته الدينية.العقلانية الدينية قد تكون الطور الأرقى،أو على الأقل طوراً أرقى من أطوار تطوير الإنسان لمعتقداته طوال 3 مليون عام،كما قال كوبنس.أجيال اليوم،وأكثر فأكثر أجيال الغد،لن تعود في حاجة للمعتقدات الحالية الخرافية،القهرية والمعادية للإنسان والعلم والحياة. فلنساعدها منذ الآن على إعادة صياغة أشكال التدين،أو الّلا تدين.
في خطاب اختتام مجمع فاتيكان 2 (1962 ـ 1965)،صرح بولس السادس:”دين الله الذي تجسد إنساناً،التقى اليوم مع دين الإنسان،الذي تجسد إلاهاً.”؛أي أن العقل البشري بلغ سن الرشد،ولم يعد بحاجة لعكاز العقل الإلهي لكي يتوكأ عليه.

تأليه الإنسان في الحداثة،تحقق بالانتقال من مركزية اللاهوت،إلى مركزية الناسوت،من مركزية العقل الإلهي إلى مركزية العقل البشري،من المعتقدات السحرية والأسطورية المعادية لحقوق الإنسان، إلى دين حقوق الإنسان،الذي لا هم له إلا الدفاع عن هذه الحقوق، ونشرها وتشريبها لوعي البشرية الجمعي.
علوم الأعصاب:هل الله منتوج الدماغ؟

المسلَّمة الأساسية لعلوم الأعصاب،منذ ظهورها في السنوات 1980 ،هي أن الظواهر “الروحية”هي في الواقع ظواهر ذهنية،أي ظواهر عصبية ـ بيولوجية، من انتاج الدماغ البشري؛ تبرمجت فيه طوال مسار تطوره، منذ ملايين السنين،تحت ضغط الانتخاب الطبيعي، لحفظ بقائه على قيد الحياة، مثل الحدس،توقع الأحداث قبل وقوعها،الذي مازال قويا لدى الطفل والشامبانزي. افترض فرويد أن التلباثي،أي التخاطر عن بعد،كان ممارسة شائعة عند الإنسان البدائي،كما التيلفون اليوم للإنسان الحديث.(4)

في نظر علوم الأعصاب،ادعاء صدور الظواهر الذهنية،عن مصدر خارج الدماغ،هو راسب من رواسب الفكر السحري الخرافي،المستلَب بتأثير الجن والشياطينن في الدماغ البشري!

مشروع علوم الأعصاب، هو تحديد مناطق الدماغ، أي فصوصه اللواتي ينتجن كل ظاهرة “روحية”، وكيفية اشتغال هذه المناطق والفصوص، وأخيراً التحكم فيهن.تماماً،كما هي خارطة طريق جميع العلوم، المغيّأة بتقديم العلاج كالطب.

مع علوم الأعصاب،سيكون من الممكن علاج الوسواس القهري مثلاً،المسؤول عن أمراض قهرية عدة: وسواس النظافة القهري،مثل غسل اليدين 120 مرة في اليوم،للوقاية من “الميكروبات”،أو الإغتسال والوضوء للصلاة،أو النشاط الجنسي القهري،الغيري والمثلي،الذي يرغم ضحيته على أن يكون نكوحاً، خاصة عند الإصابة بالذهان الإهتاجي،كما في حالة نبي الإسلام،الذي قال صادقاً:”أوتيت قوة 40 رجلاً”.
ضحايا الجنس الوسواسي القهري،من الجنسين،يناكحون كل من هب ودب في طريقهم، بلا أدنى احتياط للأمراض السارية.ليس بحثاً عن اللذة الجنسية،التي هي غاية النشاط الجنسي البشري، بل بدافع قهري وتحت طائلة الشعور بالذنب.بإمكان العلم تخليص الإنسان من الدافع القهري، ومن الشعور بالذنب المرضيين،لتبقى اللذة الجنسية،وحدها ولذاتها،هي غاية النشاط الجنسي البشري.

الممارسات الوسواسية القهرية هي،كما تفهمها سيكولوجيا الأعماق:”دفاع ضد الجنون”.لو يُرغم مريض وسواس النظافة على عدم غسل يديه أو على عدم الإغتسال والوضوء للصلاة،أو على إيقاف نشاطه الجنسي القهري،فإنه يغدو مهدداً بالسقوط في الجنون!لهذا السبب يذهب الوعظ الأخلاقي
والصحي،مع ضحايا الوسواس القهري،دائماً أدراج الرياح.

جعلت علوم الأعصاب،من تحليل واستجلاء غوامض علاقة الدين بالدماغ،موضوعها المركزي.وقد حققت حتى الآن انجازات هائلة.

التجديد العلمي والتكنولوجي المتسارع هو اليوم ،حليف علوم الأعصاب في أبحاثها.التصوير بالرنين المغناطيسي،بات يسمح بتحديد مناطق الدماغ،التي تنشط بقوة خلال الممارسات الدينية كالصلاة. أحد هذه المناطق احتلت مكان الصدارة:الفص الصدغي الأيمن،أي منطقة الدماغ المسؤولة عن عديد الوظائف الذهنية،كالسماع،الكلام،الذاكرة والرؤيا الدينية عند الأنبياء والمتصوفة.

في السنوات 1980،نشّط عالم الأعصاب الكندي ميشيل باراسيندرج،هذه المنطقة عند عدة أشخاص، فنجح في ادخال شعور للحضور الديني عند غالبيتهم.يلخص عالم الأعصاب الكندي نتائج أبحاثه، بأن الصوفيين الكبار،أمثال: موسى،أو محمد،أو بوذا أو القديس بطرس،كانوا مصابين بأشكال خاصة من صرع الفص الصدغي،المنتج للظواهر الدينية.للبروفسير هشام جعيط تفسير للوحي، يحسن تعريفالقراء به.(5)

في السنوات 1998،أسْمع طبيب الأعصاب رامتشاند ران،بعض المرضى المصابين بهذا الشكل الخاص من الصرع،كلمات مرتبطة بالدين،فلاحظ استجابات انفعالية غير عادية؛مبرهناً هكذا على وجود علاقة أكيدة بين النظام العصبي”الامبيك”ـ الذي هو منطقة دماغية مسؤولة إلى حد كبير عن الاستجابات الانفعالية ـ وبين منطقة الفص الصدغي الأيمن.لقد بات من الممكن استثارة التجارب الصوفية بالرنين المغناطيسي.

الخلاصة،التي توصلت إليها التجارب العلمية،على منطقة الفص الصدغي الأيمن،هي أن هذا الفص هو منطقة الله والمعتقدات الدينية والميتافيزيقية،الروحية والسحرية والأسطورية.التجارب الدينية ليست إلا شكلاً خاصاً من الصرع:”الله ليس شيئاً آخر غير منتوج الدماغ” كما قال عالم الأعصاب الأمريكي.

يا صناع القرار التربوي إنكم تمرون بفترة انتقال عالمية عاصفة،فترة تغيرات غير مسبوقة اقتصادية، سياسية،تكنولوجية،علمية وثقافية؛تتطلب من جميع صناع القرار في العالم،لكي يواجهوها بنجاعة، أن يحققوا إصلاحات استراتيجية ملحة وضرورية.الإسلام ،كما هو الآن، عتيق وغير مُصلَح،لذلك شكل ومازال عائقاً أمام دخول شعوبكم إلى القرن الـ 21 .فتشجعوا واتخذوا قراراً بإدراج الصفحات السابقة في مناهج التعليم،وخاصة التربية الدينية.هذا القرار قد يساعدكم على قطع العقدة الصعبة التي تقف اليوم حائلاً دون فتح ورشة إصلاح الإسلام،التي تتحكم في فتح باقي الورشات الأخرى.

لماذا ساد الشك الديني؟

الإيمان في الإسلام هو “التصديق بالقلب والعمل بالجوارح”.خليط متفجر! لماذا؟التصديق هو سرعة اعتقاد المؤمن فيما يسمع أو يقرأ،بلا سؤال أو تمحيص،هو الاعتقاد الساذج والأعمى في كل ما قاله الأسلاف أو حتى فقهاء الإرهاب عن الإسلام؛هو الاستقالة الكاملة للعقل.وهكذا ينفتح باب اللامعقول، الخرافي والسحري على مصراعيه.هذا التصديق متفجر،لأن على المؤمن أن يعمل بما صدّقه بسهولة من أحكام، وفتاوى دموية غالباً.المؤمن الذي يصدق ما سمع أو قر،أ ويعمل به،يمكن أن يصبح متعصباً أو قاتلاً؛هو إذن قنبلة زمنية،هو بالقوة صاروخ موجه طوع أصبع من يضغط على الزناد. تكفي فتوى من شيخ هاذي، او ماكر، ليحوله إلى شهيد،أي قاتل وقتيل،إلى إرهابي.

الإيمان بما هو”تصديق” لم يولد مع الإسلام الأول.رأينا نبي الإسلام نفسه،خاصة في مكة كان دائم الشك في رسالته؛حتى أنه فكر في ترك بعضها،مما يمليه عليه جبريل،أي هذياناته وهلاووسه، وضاق به صدره:”فلعلك تارك بعض ما يوحي إليك وضائق به صدرك”(12،هود)!وراودته فكرة إفتراء قرآن آخر،يرضي المشركين،الذين كان في أعماقه يتمنى مصالحتهم:”وإنْ كادوا ليفتنونك،عن الذي أوحينا إليك،لتفتري علينا[قرآناً آخر]غيره؛إذن لتخذوك خليلا”(75 الإسراء)؛ وصل شكه في رسالته إلى درجة عليا:فقد اعترف نبي الإسلام بالمساواة في امكانية الصواب والخطأ،أوالهدى والضلال بين الإسلام والشرك:”وإنّا أو اياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين”(24،سبأ)! وفي حديث للبخاري:”نحن أولى بالشك من إبراهيم”.

الصحابه أيضاً قلما كانوا يصدقون بسهولة ما يتلوه عليهم نبي الإسلام من قرآن.القرآن شاهد على هذه الحقيقة.فما نسخ منه كان غالباً بطلب من الصحابة،وكان نبي الإسلام يلبى طلبهم فوراً.وقد رأينا نماذج من ذلك خلال هذا البحث.إيمانهم لم يكن”التصديق”،بل كان السؤال والرفض أيضاً، لما رأوا فيه مضرة لهم او لمصالحهم:عندما أخبرهم النبي بـ”خبر السماء”:”يا أيها النبي:حرّض المؤمنين على القتال،إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مئتين،وإن يكن مئة يغلبوا ألفاً من الذين كفروا” (65،الأنفال)؛رأى المؤمنون أن علاقة القوة،مسلم1 في مواجهة 10 كفار ،هي علاقة غير واقعية،إذن غير مقبولة.لم يصدقوا ما سمعوا،بل”استعظموه”في رواية ابن عباس،أي استفظعوه ورفضوه. فاستجاب النبي لهم على مضض،ناسخا الآية فوراً بالآية التي تليها:”الآن خفّف الله عنكم،وعلم أن فيكم ضعفاً: فإن يكن منكم مئة صابرة يغلبوا مئتين،وإن يكن منكم ألفاً يغلبوا ألفين”(66،الأنفال).واضح من”الآن علم الله أن فيكم ضعفاً”أن النبي نسخ الآية استجابة لضغوطهم وليس اقتناعاً باحتجاجهم. وقد تكون هذه الآية نتيجة تسوية تفاوض عليها المؤمنون مع نبيهم.

من أين إذن جاء”إيمان التصديق” لأعمي بالنص دون سؤال؟من إسلام المحدثين والحنابلة الذي حرم السؤال في الدين والقائل:”من أصاب في القرآن بالرأي[=العقل]،فقط أخطأ،ومن فسر القرآن بالرأي فقد كفر”.!(الترمزي،تلميذ البخاري الذي أوصاه بإكمال رواية الأحاديث الصحيحة بعده)،نحن أما نكوص جنوني إلى الفكر السحري والأسطوري.العقل ليس مرغوباً فيه وحسب،بل هو محرّم ومجرّم.هذه هي مفاتيح انحطاط المسلمين،اللواتي مازال أقصى اليمين الإسلامي يفتح بهن، أبواب الأنفاق المظلمة، لإدخال أمم أرض الإسلام فيها.

إيمان “التصديق الأعمى”،الذي تُبرمج به التربية دماغ الطفل.دماغ الطفل في حاجة إلى تصديق ما يقوله أبواه ومربوه؛العائلة والمدرسة التقليديتان،قائمتان على التلقين.وهكذا تثقفان الطفل بثقافة التصديق الأعمى،التي تمسخه إلى ببغاء.يوجد عامل بيولوجي آخر لإنتشار ثقافة التصديق في الإسلام،هو أمراض الغباء الـ 3 :الغباء الخفيف،الغباء المتوسط والغباء العميق.شرحنا ذلك في إصلاح الإسلام بدراسته وتدريسه بعلوم الأديان.

الإيمان بما هو رهان على وجود الله سيكون قطيعة تاريخية مع الإيمان بما هو “تصديق”،وانغلاق حاملين للتعصب والعنف.
الإيمان بما هو رهان،أسس له في الإسلام نبي الإسلام ؛بشكوكه المتواصلة في رسالته وبآية الشك “24،سبأ”، وأسس له في الحداثة الفيلسوف والعالم االفرنسي،باسكال:إن كان الله موجوداً فقد كسبتَ كل شيء،وإن لم يكن موجوداً فلم تخسر شيئا، فراهن إذن على وجوده…

هذا الإيمان كرهان،هو الذي يملك على الأرجح مفاتيح مستقبل الدين.وهو ليس إيمان القلة المؤمنة من الفلاسفة والعلماء وحسب،بل وحتى بعض رجال الدين أنفسهم،بل وحتى غالبية المؤمنين: السسيولوج الفرنسي،ايف لامِبير،أكد في كتابه:”للخروج من القرن الـ 20″،بأن اجابة المؤمنين المسيحيين على أسئلة دينية جوهرية بما فيها وجود الله نفسه،”تفوقت الإجابة بـ “على الأرجح” كثيراً على الإجابة بـ”يقيناً”.(6)

لماذا؟لأن التقدم المكثف والمتسارع للعلم والتكنولوجيا،اكتشاف علمي مهم في العالم كل ثانية،في جميع المجالات،هذا التقدم عرّى الأساطير الدينية،وزلزل يقينياتها العمياء،بتأكيده أكثر فأكثر رحيل القداسة السحرية من العالم،الذي يتعلمن كل يوم أكثر.العلم نفسه،وخاصة البيولوجيا والفلك الفيزيائي،فضلاً عن العلوم الإنسانية الأخرى،أرسلت اليقين ـ جميع أصناف اليقين ـ إلى متحف الذكريات.
الفيزياء الكوانطية،ونظرية الكاووس،والبيولوجيا والعلوم الإنسانية،أدخلن في هذه العلوم جميعاً مفاهيم:اللّايقين،اللّاحتمية وصعوبة التوقع.وهكذا فالحقيقة،بما فيها العلمية،هي منذ الآن فرضيات مفتوحة على التعديل والتجاوز،بتأثير تنافس الفرضيات المختلفة،وضرورة تمرير كل منها على امتحان التجربة العلمية.مجموع معارفنا هي إذن،الفرضيات المؤقتة،أي المفتوحة على التطوير والتعديل بفرضيات جديدة تفسر ظواهر أكثر بأخطاء أقل.وهكذا دواليك.هذا منذ الآن فصاعدا هو مفتاح تقدم المعارف والعلوم.وهذا ما توقعه أخي، أبو العلاء المعري، منذ 10 قرون:
أما اليقين، فلا يقين.وإنما / أقصى اجتهادي:أن أظنّ وأحدسا.

تبنت جميع الأديان الكبرى،نخباً وجمهوراً، اللايقين.فهل سيبقى الإسلام وحده متمترساً وراء يقينياته العمياء؟كلا.”أمة محمد”لا تعيش في جزيرة معزولة كحي ابن يقظان،بل في عالم معولم، تستقبل فيه كل لحظة معلوماته وتأثيراته العلمية والدينية وتتفاعل معها وتستجيب ايجابياً للكثير منها.

ظهور أقصى اليمين الإسلامي على مسرح التاريخ،كفيل،كما في إيران والسودان،بدفع قطاعات أوسع فأوسع من المؤمنين،خاصة الشباب والنساء،إلى اللايقين،للخروج من شرنقة”التصديق”الساذج إلى رحاب إيمان الشك والرهان، على وجود الله بما هو قناعة ذاتية فردية، لا تدعمها أية فرضية علمية، كما يؤكد العلماء المؤمنون أنفسهم بمن فيهم بعض المسلمين كما سنرى ذلك بعد قليل.

لأول مرة في مصر،”أرض الدين”،كما سماها المؤرخ اليوناني هيردووت، ُأعلن في الشبكة العنكبوتية عن ميلاد”موقع الملحدين المصريين”!.

القرن الـ 21،يتطلب وضع جميع الآراء الدينية موضع تساؤول وشك،لإمتحان سدادها،أي عدم معارضتها للقيم الكونية الأساسية،وفي مقدمتها قيم حقوق الإنسان.الإسلام مُستهدَف لأخطار الصدام مع حقوق الإنسان،وحقائق العلم.لماذا؟لأنه الوحيد،الذي مازال يطبق أحكام شريعته الدموية، أو يطالب بتطبيقها،ومازال،في عصر الثورة العلمية العالمية،يقدم أساطيره”العلمية”،كحقائق إلاهية لا تقبل المساءلة!

درجة التحرر والنضج الفكريين،اللتين بلغتها البشرية،التي تزداد مع الأيام استنارة،بفضل ثورة الاتصالات العالمية،لم تعد تسمح لإيمان”التصديق”بأن يصادم حقائق العلم والحياة،فارضاً هكذا على المؤمن تصديق أساطير دينية،عرتها الأركيولوجيا وعلوم الأديان فضلاً عن الفلك الفيزيائي والبيولوجيا، على حساب القيم الانسانية،اللواتي لا حياة للإنسان من دونهن منذ الآن فصاعداً.

الفكر النقدي،كتيار عالمي، تغلغل حتى في رؤوس كثير من عامة المؤمنين فضلاً عن خاصتهم.وهذا ما يسميه زعماء أقصى اليمين الإسلامي”التصحر الديني”،محاولين التصدي له بسلاحين مفلولين: العصا والرصاص،اللذين أعطيا على امتداد التاريخ،عكس النتائج المتوقعة منهما! تاريخياً،ما دخَل الدين في صدام مع العلم إلا خرج مهزوماً.هذا هو درس التاريخ منذ جاليلو.

بعد 10 قرون من قبر،المحدثين والحنابلة،لكلام”نفي الصفات”الإعتزالي،يعود إليه الاهوت العالمي المعاصر.تأكيد الكلام السني للصفات،جميع الصفات لله:من القدرة الكلية الجبروت،التي جعلت من المسلم ألعوبة في يد الأقدار،إلى القضاء والقدر التعسفي، الذي صادر من المسلم حقه في صنع حاضره وتحضير مستقبله،أصبح اليوم بلا مصداقية.أما كلام نفي الصفات،فسيجعل السؤال عن الله بما في ذلك عن وجوده، حقاً مشروعاً لكل مؤمن.

لماذا الشك هو اليوم بصدد الانتشار بين النخب المسلمة،واللامبالاة بصدد الانتشار بين جمهور المؤمنين؟

ذلك أنه غدا اليوم واضحا،أن اثبات وجود الله بالعلم استحالة.فلم تبقى إلا القناعة الفردية،اللايقينية غالباً.الزعم بأن الله هو سبب نفسه،الذي ساد طوال القرون الوسطى،فقد اليوم شرعيته.اذ أن العلم، وخاصة الفلك الفزيائي، والبيولوجيا،تثبت كل يوم، أن وجود الكون هو سبب نفسه،وأن وجود الإنسان هو سبب نفسه، وليس الله، الذي لم يعد وجوده،فلسفيا وعلميا،سبب نفسه.يقول البيولوجي اتلان :”حقاً،النظريات البيولوجية،تسمح لنا بالتفكير ،في أن الطبيعة تخلق نفسها بنفسها وتنظم نفسها بنفسها،من دون حاجة لتقبل وجود بداية مطلقة”(البيولوجي هنري اتلان، لا ينبغي استخدام العلم للتأكد من الأساطير،لوبوان،يوليو 2012).

مثلاً،بدأ الفلك الفيزيائي،منذ عقدين، يفكر في اعادة سيناريو الانفجار الكبير اصطناعيا،الذي تكون منه الكون، منذ 10 أو 15 مليار سنة ضوئية،بعد15 مليار سنة ضوئية قادمة، سيتفكك بعدها،ليستأنف ملحمته؛البيولوجيا هي الأخرى،غدت منذ الآن، قادرة على إعادة خلق الجنين في رحم أمه، بالتحكم في جنسه وخصائصة، وحتى في لون عينيه؛بل أن علماء البيولوجيا ،بدأوا يخلقون الحياة، انطلاقاً من عناصر كيميائية.في 2011 ، نجح البيولوجي الأمريكي،فينيفر،في خلق أول خلية “سانتيتيكيه”،حية في العالم.
وهكذا:”تجسد اليوم الإنسان إلاهاً”،فعلاً لا مجازاً،كما قال الباب بولس السادس، في خطاب ختام مؤتمر الفتيكان الثاني في 1962.(7)

الأفراد والمجتمعات، في البلدان المتقدمة، لم يعودوا يرون ضرورة اللجوء إلى المرجعية الدينية،فقد عوضتها المرجعية العلمية.لم يعد العاقر والعاقرة يلجآن إلى الكاهن، او إلى الشيخ، لمعالجة عقرهما، بل إلى طبيب.حاضر البلدان المتقدمة، هو على الأرجح، مستقبل باقي بلدان العالم.

العلم غيب الله عن خلق الكون،وعن خلق الحياة،وعن التدخل في الشأن البشري اليومي.هذه التغييبات الـ 3 ،وعتها البشرية المفكرة كغياب الله عن العالم.

لهذه الأسباب مجتمعة،من مازالوا يمارسون الشعائر الدينية،يزدادون مع الأيام نقصاناً:أقل من 9 % من أرثوذكس روسيا؛5 % من كاثوليك فرنسا؛وأقل من 14 % من مسلمي فرنسا واوربا.وحتى من مازالوا يمارسونها،ما عادت غالبيتهم تمارس الشعائر الموروثة أباً عن جد،شعائر الأسلاف،بل باتوا يجددون فيها تجديدات تقشعر لها فرائس المؤمنين التقليديين:مثلاً في مصر،ظهرت مجموعات طلابية يرتلون الأغاني الغرامية،كما يرتل عبد الباسط عبد الصمد الآيات القرآنية؛في تونس، لم يعد بعض المؤمنين يرى حرجاً في تناول الخمر مع مشوي عيد الأضحى…فكيف ستتطور هذه السلوكيات الدينية ـ الدنيوية خلال عقد أو عقدين أو بعد 50 عاما؟هل سيتساءل يومئذ المسلمون مع المعري:
سيسأل قوم: ما الحجيج ومكة؟ / كما قال قوم: ما جديس وما صسم؟

كل شيء ممكن،في عالم لم يعد فيه الإيمان بالتقليد ممكناً؛في عالم غدا الفرد فيه، كل يوم أكثر فأكثر، هو صانع حياته اليومية بنفسه.

ظاهرة أخرى هي تغيير الدين،بالرغم من أن تركيا هي الدولة الوحيدة في أرض الإسلام،التي اعترفت لمواطنيها،في دستور 2006 ،بحرية تغيير الدين؛إلا أن الهجرة الداخلية من الإسلام المدني إلى الإسلام المكي،المتجسد في التصوف،تكثفت خاصة منذ مأساة 11 سبتمبر 2001 ،كما تكثفت الهجرة الخارجية من الإسلام إلى المسيحية واليهودية خاصة في البلدان المغاربية الـ 3:المغرب، الجزائر وتونس.مراسل”مجلة المجلة”السعودية من المغرب،كتب تحقيقاً في 2005 عن ارتداد المسلمين إلى المسيحية:تتوقع السلطات المغربية بقلق، أن يصبح ثلث الشعب المغربي مسيحياً سنة 2030 .سألت المغربي، البروفسير بمدرسة العلوم السياسية،محمد الوافي،العائد حديثاً من المغرب عن هذه الظاهرة، فأجاب بمرارة:”الإرتداد ليس من الإسلام إلى المسيحية وحسب، بل وأيضاً من الإسلام إلى اليهودية.ويبدو أن الظاهرة فاعلة في الجزائر وتونس أيضاً.

ارتفاع درجة الوعي العام ،بفضل الثورة العلمية وثورة الاتصالات العالمية الحاملة لها، غيرت علاقات القوة بين العقل الإلهي والعقل البشري.هذا الأخير غدا سائداً في العالم.أما العقل الإلهي فيجد نفسه في موقف دفاع وضعف، حتى في أرض الإسلام.في بدايات الحداثة،جعل ديكارت من الله ضامناً للحقيقة البديهية، التي أسس بها لعقلانيته العلمية.أما الفلكي الفزيائي، كلود ألليجر،فقد أكد ان شك ديكارت المصطنع، واتخاذه الله ضامنا للحقيقة، لم يقدّم العلم في فرنسا، بل بالعكس أخره.رأى ديكارت في” قوس قزح معجزة إلاهية”؛أيّ تلميذ اليوم في الثانوية العامة، قادر على تحليل قوس قزح كيميائياً، إلى ماء وأطياف ضوئية!

الثورة العلمية،جعلت المعجزات الالهية في خبر كان.بإمكان تلميذ،كما يقول سكرتير أكاديمية العلوم في أحد كتبه،أن يحاكي على الكمبيوتر في نصف ساعة ،سيناريو تكون الكون، منذ الانفجار الكبير، وسيناريو تكون الحياة على الأرض، منذ البكتيريا وحيدة الخلية، في المحيط البدائي،منذ 3,7 مليار سنة،أما علم نفس الأعماق،فقد فسر وجود الله،بواقع أن الطفل،الذي يتخيل أباه إلاهاً أو بطلاً إلى سن 6 سنوات،يبدأ في إسقاط أبيه الفاني،بكل صفاته البشرية، على أب لا يحول ولا يزول، يسميه الله أو الأب الذي في السماء، كما يسميه البدائيون والمسيحيون.تصور الله في الكلام السني، وخاصة الحنبلي، يقدم دعماً للتفسير النفسي له.الله في الكلام السني الحنبلي، له يد كأيدينا، وكرسي ككراسينا،أي أنه يتمتع بجميع الصفات البشرية.لذلك سمى المعتزلة السنة الحنبلة بـ”بالمجِسّمة”،أي الذين يعطون لله جسماً كأجسامنا.آخذهم المفسر المعتزلي،الزمخشري،على ذلك:
“وإن قلت حنبلياً،قالوا عني: حلولي بغيض مجِسّم!”
استحالة البرهنة العلمية على وجود الله،أفسحت المجال للشك فيه و الرهان عليه.

“الله غير قابل للفهم”

:”من المستحيل،بل من الغباء،أن نريد فهم الله وتفسيره”.

هذه شهادة جان لوك ماريون،فيلسوف وعضو الأكاديمية الفرنسية،كاثوليكي مقتنع،وأخصائي عالمي في ديكارت.كان مستشاراً لكاردينال باريس،مون سينور لوستجي.
الفكرة المركزية عند هذا الفيلسوف الكاثوليكي: هي أن الله غير قابل للفهم، ولا يمكن إثباته بأي برهان كان.
ـ هل الإنسان حيوان ديني،حتى ولو اعتز بإلحاده؟

ج.ل.ماريون:الله يشكّل ما هو أكثر داخلية في الإنسان،هو أكثر حميمية له،منه هو لنفسه،كما قال القديس أوجستين.بعض الإغريق،أكدوا ألوهية الفكر في الإنسان(…)في اقصى الحالات،بإمكاننا حتى القول بأن عجزنا عن اثبات وجود الله،يعزز مسألة الله.

ـ لماذا؟

ـ لأننا قبل اثبات وجود الله،نحن نحبه دون أن نعلم “لماذا نحبه”؟(…)المفارقة هي أننا نُصّر على الكلام فيه بنفس الجهاز المفاهيمي الخاص بأشياء العالم.نريد أن نتأكد من وجوده وأن نبرهن …إلخ.
وهكذا نجعل من الله موضوع دراسة كأي شيء آخر،هذه الرغبة في التملك خاصة بالبورنجرفيا.

ـ إذن ـ كل محاولة للتفكير في الله ليست إلا وهماً؟

ـ (…)يقول علماء اللاهوت الجيدون:الله يحمل جميع الأسماء.ولكن ليس له منها أي اسم.

ـ لكن الميتافزيقا حاولت “التفكير”في الله؟

ـ قطعاً حاولت ذلك حتى كانط،كانت الميتفزيقا تميل إلى إدخال الله في نظام التعريفات،مثل جميع “الموجدات”الأخرى:جميع أشياء العالم الأخرى هن إذن الله،بالضرورة كمثل “للموجود”الأكثر اكتمالاً.
لكن الميتافزيقا بعد كانط،تخلت عن البرهنة عن وجود الله.الله يعني في الفلسفة،كشرط لوجود الأخلاق،هو المؤلف الأخلاقي للعالم.وهكذا أنهى أخيراً مهنته في الميتافزيقا كضامن لنظام القيم الأخلاقية.(…)

ـ إذن كيف نتكلم عن الله؟

ـ (…) سماع البعض يتكلمون عن الله،يعطيني الانطباع بأني أستمع لصمّ يعلقون على معزوفة لبيهوفن.

ـ هل البحوث العلمية عن وجود الله ممكنة؟

ـ لم يوجد،ولن يوجد أي بحث علمي عن وجود الله.لأن هذه البحوث تتعلق بأشياء.والحال أنه لا الله ولا وجود الله ينتميان إلى الموضوعية،أي إلى الوجود الموضوعي الذي يمكن البرهنة عليه.

ـ ألا يفتح الاعتقاد في الله باب اللامعقول؟

ـ ينبغي عدم الخلط بين الاعتقاد في الله والإيمان به.الاعتقاد في الله يقوم على اعتبار أي رأي حقيقة، حتى من دون تأكيد التجربة أو البرهان العقلاني.فالاعتقاد هو إذن الدرجة الدنيا من اليقين. (…) الإيمان بالله يُعرّف التجربة،التي تؤكد نفسها في لقاءها بمخاطب غير قابل للفهم.(8)

“الإيمان رهان”

إذا كان الله غدا على نطاق واسع موضع شك:”ولم يوجد،ولن يوجد أي بحث علمي عن وجود الله” كما قال الفيلسوف الكاثوليكي ماريون فإنه لا يبقى للتدين العاقل إلا أن يراهن عليه مجرد رهان. وهذه شهادة قس فرنسي عن إيمان الرهان.هو جرار بِنِطو:قس إنساني.خوري في كنيسة سانت أوستاش”باريس”.

ـ هل لابد أن يكون الإنسان متألماً ليذهب إلى الله؟

ـ فعلاً مسألة الله تطرح نفسها على من يتألم.(…)

ـ هل الله كينونة مُفبركة ثقافياً؟

ـ من الممكن ان نقول ذلك.وهو سؤال طالما واجهته أنا بنفسي.(…)جاء للقائي عاجز جسدياً،هجرته أمه طفلاً.في سن الـ 30 أصيب بالأيدز قائلاً لي:”مازلت مستمراً في التعلق بأمل أن يوجد مكان[في عالم آخرٍ]حيث جميع اللامساواة السائدة في هذا العالم سيتم إصلاحها”أنا ايضاً في نفس هذا الموقف. الإيمان رهان.

ـ أنت كقس،تقارن الإيمان برهان؟

ـ لا فقط عندي تساؤلاتي وشكوكي،بل أعتقد أن رهاني يساعدني على الحوار مع المؤمنين.(…) (9).

الشهادتان التاليتان لفلكيين فيزيائيين مؤمنين،مسلم وبوذي،تفندان أسطورة امكانية البرهنة على وجود الله بالعلم،ويؤكدان أن الله مجرد إحساس ذاتي والإيمان به مجرد رهان.بل أن الله،كما يقول مؤرخ العلوم واللاهوتي جاك أرنو:”عند بعض الباحثين المقصود به هو إلاه اينشتين(…)وليس بأي حال من الأحوال إلاه الأديان التوحيدية”(10)

شيء مّا أتى بعالمنا إلى الوجود

بقلم برونو جيدير دوني،أسترو فيزيسيان،مدير مرصد ليون

“العاِلم يصطدم بلغز اللامتناهيات الثلاث:اللامتناهي في الصغر،واللامتناهي في الكبر واللامتناهي في التشعب،أي الحياة والذكاء.(…)بصفتي مؤمناً ـ أنا مسلم منذ 20 عاماً ـ أشعر بالروعة أمام حشود المجرات والكواكب،التي تكشفها تليسكوباتنا ويتراءى لي بطريقة ذاتية،أعترف بذلك، أن في هذا الجمال معنى”(11).

أؤمن بإلاه سبينوزا وأينشتاين

بقلم الفزيائي الفلكي،ترينه سوان ثوان

ثوران،فلكي فيزيائي اخصائي في علم الإكسترا جالاكسيك[علم يبحث في ما هو خارج المجرات]. وهو يدّرس الأستروفيزيك في جامعة فرجينيا.وهو بوذي،وربما راهب بوذي.فما البوذية؟ديانة وثنية. بوذا لم يكن إلاهاً ولا نبياً.بل فيلسوف.لا صلاة في البوذية،لأن الآلهة فيها،إلاه لكل خصلة حميدة من خصال بوذا. مثلاً للصبر إلاه ،وللصفاء الذهني إلاه،وللطاقة أيضاً إلاه…هذه الآلهة، موجودة داخل الإنسان لا خارجه.فكل إنسان إلاه،وكل إنسان ينطوي على الكمال،كمال بوذا.لكن كماله مغطّى بحجاب الأهواء الهدامة، مثل الحسد والحقد،والأنانية والعنف… الجنة البوذية، هي تحرر الفكر من الألم. هنا وليس في عالم آخر.

في نظر الفلكي الفيزيائي، ثوران،الله هو، كما عند سبينوزا واينشتاين،الطبيعة،أي قوانين الطبيعة كالجاذبية مثلاً.لو يحدث، ويتوقف قانون الجاذبية عن الإشتغال، فإن الشمس ستنفجر، وتتلاشى الكواكب التي تدور في فلكها، ومنها كوكبنا.
هل العالم تحكمه الصدفة، الناتجة عن تطور الكون،أم تحكمه الضرورة؟
ثوران ،يراهن،مجرد رهان،على الضرورة. ويعترف بصدق العلماء:بأن الفيزياء الفلكية، لا تقدم أية شرعية علمية، لقناعته الدينية الشخصية،التي هي مجرد”ميتافزيقا شخصية”،مجرد رهان بسكالي كما قال:”يبدو أن الكون،يقول ثوران،رُتب على نحو دقيق منذ ولادته،من أجل ظهور الحياة والوعي. أنصار الصدفة يستنجدون بنظرية”تعدد الأكوان”القائلة: أن عالمنا قد لا يكون إلا فقاعة صغيرة،بين فقاعات أخرى لا حصر لها في الميتاكون.الوحيد الذي امتلك التركيبة الرابحة في يناصيب الحياة، والوحيد القادر على أن يوُلّد وعياً،هو عالمنا.أما أنصار الضرورة، فيحتجون بأن كل هذا هو نتيجة مبدأ خالق.مازال العلم حتى اليوم، لا يملك وسائل الحسم بين الصدفة والضرورة.علينا إذن ان نقامر فنراهن مثل باسكال:إذن أراهن على الضرورة”.

ـ هل الكون من صنع الصدفة؟

ـ يوجد كوداج للكون متناه في الدقة.حسبنا رصده، لنعاين أنه محكوم بقوانين في منتهى الترتيب والتنظيم.يدرس غالبية العلماء اليوم هذه القوانين،قوانين الطبيعة، من دون أن يتساءلوا ـ على الأقل علانية ـ عن أصلها. ومع ذلك،فهذه القوانين،وعلى نحو محيّر،تمتلك خصائص يوصف بها عادة الله،فهذه القوانين كونية.وهذه القوانين مطلقات، لأنهن لا يخضعن، لا للشخص الذي يدرسهن،ولا لحالة النظام المرصود. وهن خالدات ولا زمان لهن. نعاين بفضل هذه الآلات المخصصات للرجوع بالزمن القهقرى، اللواتي هن التيلسكوب،بأن خصائص المجرات البعيدة، اللواتي نشاهدهن في سن طفولتهن،يمكن تفسيرهن بنفس القوانين الفيزيائية، اللواتي يفسرن المجرات القريبة،اللواتي ُيشاهدن في سن نضجهن.هذه القوانين الطبيعية،هن على كل شيء قديرات،إذ لا شيء في الكون،من أكثر الذرات صغراً إلى أكبر مجموعة من المجرات، يفلت من سيطرتهن.وأخيراً، فهن عليمات:فليس على الأنظمة الفيزيائية في الكون، أن تعلمهن بحالاتها الخاصة، لكي تؤثر هذه القوانين فيهن”يعلمن”ذلك سلفاً.(…)

ـ وأين الله في كل هذا؟

ـ قدمت الفيزياء الكوانطية، البرهان على أن الراصد والظاهرة المرصودة متكافلانن أي في تبعية متبادلة، اذن لا مفر من بروز كائن واعي في الكون لكي يرصده ويعطيه معنى.ليس بالضرورة أن يكون الإنسان، بل كل شكل من الذكاء، قادر على فهم نظامه،وجماله وانسجامه.وجود الوعي، ليس إذن عرضياً بل ضروري. عندما أتكلم عن مبدأ موحد،فالمقصود هنا،هو ميتافزيقا شخصية.العلم لا يستطيع الحسم بين الصدفة والضرورة. ومن جهة أخرى فإن”مبدأ خالقاً”لا يعني بالنسبة لي إلاهاً مشخصاً، يخلق الكون من عدم[كما في الأديان التوحيدية]،بل مبدأ كلي الحضور في الطبيعة،مندمج فيها،كما كان يفهمه سبينوزا وأينشتاين”(…)”.

الخلق من عدم،في الأديان التوحيدية:”كن فيكون”،”وإذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون”(117 البقرة).”كن فيكون”،هي وريثة تعزيمة الشامان[=الساحر]،في الأنيميزم،أو الإحيائية.أما العلم، فوريث المبدأ اليوناني الشهير:”لا شيء يأتي من لا شيء”،الذي شكل نواة الفكر العقلاني السائد في حقبتنا.

وضع البيولوجي الملحد،ريتشارد داوكينز،على الوجة الأخير من غلاف كتابه:”من أجل الإنتهاء من الله”هذه الكلمات:
“تخيلوا، مع جون لينون،عالماً بلا دين…حيث لا وجود لقنابل انتحارية،ولا لـ 11 سبتمبر،ولا لحروب صليبية،ولا لمطاردة الساحرات،ولا لمؤامرة البارود،ولا لتقسيم الهند،ولا للحرب الإسرائيلية الفلسطينية،ولا لمذابح المسلمين الصربو ـ كرواتيين، ولا لإضطهاد اليهود،ولا لـ”إضطرابات” إيرلندا الشمالية،ولا”لجرائم الشرف”…
تخيلوا أنه لا وجود لطالبان لنسف تماثيل بوذا،ولا لدق الأعناق في الساحات العامة من أجل التجديف، ولا لنساء مجلودات، لأنهن أظهرن قطعة صغيرة جداً من جلودهن”.

وأضيف بدوري:
تخيلوا أيضاً، أن بالإمكان الوصول إلى هذه النتيجة،وفي وقت أقصر بـ”دين العقلانية الدينية”،من دون الانتهاء من الله،بعد أن نحد من سلطاته المطلقة، لنحصرها في رمزيته الأبوية:كحام لطفله الذي مازال يخشى عوادي الزمن،وترتعد فرائصه من مصير كمصير الدودة والحمار …تراباً في التراب!
في انتظار أيام أفضل،يبلغ فيها الطفل سن الرشد.وعندئذ لكل حادث حديث.
مراجع الفصل الحادي عشر

1 ـ الأسبوعية الفرنسية لوبوان 19/07/2012.
2 ـ حديث مع جان جاك هوبلن،مدير قسم التطور البشري،في معهد ماكس بلانك،لايبستيج(ألمانيا)، الأسبوعية لو بوان ،مصدر سابق.
3 ـ أجرت الحديث د.ج.،الأسبوعية لو بوان،ديسمبر 2011.
4 ـ في 2005 ،كان يساعدني شاب متصوف ذو ذهنية بدائية حقاً،لما أمليت عليه هذا الاستشهاد لفرويد توقف عن الكتابة مندهشا وقال لي:نحن 4 مريدون بيننا وبين شيخنا 400 كلم وفي كل مرة يرسل الى أحدنا رسالة روحية،فيسافر إليه .وهكذا مع الجميع.واقترح علي بدل التلباثي أن أتب رسالة روحية!.
5 ـ تعريف هشام جعيط للوحي،الذي عرفه الطب النفسي بما هو”هذيان النبوة”،هو شكشوكه تونسية،أي سلاطة مشكله.:”وقد حاولت في الماضي،أن أفكر فلسفياً في الوحي،واعتبرته جدلاً بين أعماق الضمير المحمدي،وهو الإلاه الداخلي،وبين الإلاه الخارجي، فيما وراء العالم”(هشام جعيط،في السيرة النبوية ج.1 ص 8)زندقة دينية وتخريف علمي!.وأين مكان الوحي؟هل هو في”منطقة الفص الصدغي الأيمن”كما حددها التصوير بالرنين المغناطيسي،بما هي منطقة مسؤولة عن كثير من الوظائف الذهنية،بما في ذلك الرؤيا الدينية عند الأنبياء والمتصوفة، كما يؤكد عالم الأعصاب الكندي ميشيل باراسيندرج؟ما أبعدك عن الحقيقة.هي كما يؤكد هشام جعيط القلب.نعم القلب!: “وهو [=جبريل]،الذي يوحي داخل القلب،مقر العقل والجوارح”(في السيرة النبوية،ج.1،ص65).حاولْ أن تقول له،أن القلب،كما يعرّفه معجم لارووس الطبي،هو:”عضو عضلي،مهمته تأمين الدورة الدموية”لا غير،وأن العقل،كما تقول علوم الأعصاب،قوة إدراك مقرها قشرة الدماغ الجبهية،وأن الجوارح،هن،كما يقول”المنجد”:”العضو من الإنسان ولا سيما اليد”.فسيكون برهان البروفسير المركزي الحاسم، البرهان النرجسي،هو كالعادة:”أنا شخصياً،أرفض ذلك بتاتاً”!؛لكن هشام جعيط سيقول أيضاً في شطحة صوفية أخرى:”الوحي يتجاوز العقل”(نفس المصدر ص 113).”العقل الذي في القلب”؟ بالتأكيد.أما العقل،بمعنى الطب النفسي،الذي انتجه العقل،فلا.الطب النفسي منذ بدايات القرن 20،بدأ يشّخص الوحي بما هو “هذيانات وهلاووس”،ويعالجه منذ عشرات السنين ويشفي منه،إذا كان المرض مازال في بداياته؛ويقلل من نوبات الهذيان كثيراً،إذا غدا مزمناً.وقد تسمع الرد إياه!يعرّف جعيط النبوة:”بأنها هبة من الله (…)وينطبق هذا على الملوكية،والثروة،والشجاعة والعبقرية. يولد النبي نبياً،كما يولد الملك ملكاً” (نفس المصدر ص 138).عرّف شاعر ألمانيا ،جوته،العبقرية بأنها:”1 %موهبة و 99 % جهد وعرق”؛يبدو أن تعريف جعيط الصوفي راسب من رواسب قراءة”عبقرية محمد”للعقاد،الذي هو بدوره،صدى باهت لكتاب”الأبطال”،تأليف توماس كارليل؛الطريف في التعريف، هو تعريف الثروة بأنه هبة من الله!مثلاً،ثروة سيف الإسلام،التي تقدر بـ 38 مليار دولار،نهبها من خرينة الدولة،وكذلك ثروة مئات وربما ألوف اللصوص الملياردية من أمراء النفط،هي أيضاً”هبة من الله”! لا حول ولا قوة إلا بالله!
6 ـ ايف لامِبير،للخروج من القرن العشرين،ص 326 .
7 ـ علم البيولوجيا حل محل الفيزياء الفلكية في القرنين الماضيين،كنموذج يتحذي لجميع العلوم. وهي من ألفها إلى يائها تنفي وجود الآلهة.وهذه شهادة أحد علماءها:”ج.د.فانسان:بفضل البيولوجيا أصبحت ملحداً”:”بإمكان فيزيائي فلكي،أن يسمح لنفسه بإنفجارات صوفية.أما بالنسبة للبيولوجيست،فإن وجود كائن لا مادي لا أساس له من الصحة.في شبابي انتقلت من الكاثوليكية إلى البروتستانتية، التي هي أكثر منطقية،التعالى فيها فكري أكثر مما هو ديني.كنت سأصبح قساً. البيولوجيا أعادتني من السماء إلى الأرض،إلى المادة،إلى الجسد واللحم(…)عدت مجدداً إلى التعالي الفكري.أصلي ولكن كملحد”.
ما قاله هذا البيولوجيست الملحد ليس جديداً.استشهدت به بما هو:”يصلي ولكن كملحد”،لإعلام القارئ أن الآراء والمعتقدات الدينية والإلحادية،لم تعد كما في الماضي باقة ورد، تُأخذ كلها أو تترك كلها؛بل أصبحت كققائمة الطعام في مطعم،بإمكانك أن تختار ما تشاء وتدع ما تشاء، بلا أدنى حرج. وهذا ما لم يستوعبه التدين القديم،المرصوص كعلبة السردين!.
8ـ ج.ل.ماريون،من المستحيل،بل من الغباء ان نريد تفسير الله وفهمه،لوبوان،يوليو 2012.
9 ـ جرار بِنِطو ،الإيمان رهان،لوبوان،ديسمبر 2012.
10 ـ جاك أرنو،لوبوان،يوليو 2012.
11 ـ لوبوان مصدر سابق.

About العفيف الأخضر

العفيف الأخضر (1934-213 ) ولد في عائلة فلاحين فقراء في شمال شرق تونس سنة 1934. والتحق بجامعة "الزيتونة" الدينية ("أزهر تونس")، ثم بكلية الحقوق. ومارس مهنة المحاماة بين 1957 و1961، ثم تخلّى عن هذه المهنة وسافر إلى باريس في 1961، قبل أن يلتحق، مع يساريين آخرين، بنظام الرئيس أحمد بن بلا غداة إستقلال الجزائر. وانتقل إلى الشرق الأوسط في العام 1965، وتنقّل بين عمّان وبيروت حيث طبع أهم كتبه التي كان محورها "نقد الفكر الإسلامي التقليدي". غادر العفيف الأخضر بيروت محزوناً بعد اندلاع الحرب الأهلية، وبعد أن صدم أصدقاءه اليساريين بموقفه الرافض لهذه الحرب، والرافض لكل مبرّراتها "التقدمية". فقد هاله أن اليسار اللبناني لم يدرك أنه كان يسهم، بدون وعي، في تحطيم الحصن الوحيد للحرية في العالم العربي "الغبي والمستبدّ". ويعيش "العفيف" في باريس منذ 1979، ويكتب لصحيفة عربية، ويحاضر أحياناً في القاهرة أو يشارك في نقاشات تلفزيونية في محطات فضائية عربية. لماذا ننشر مقالات "العفيف الأخضر"؟ لأن التاريخ يتقدّم بمنطقه الخاص، والفكر "الخارجي" يمكن أن يصبح فكر الساعة "من حيث لا تعلمون". وليس سرّاً أن العفيف الأخضر كان أول دعاة "تجفيف منابع" الفكر الأصولي الإرهابي بعد أحداث 11 سبتمبر-أيلول 2001. كتب العفيف الأخضر: التنظيم الحديث، دار الطليعة، 1972. الموقف من الدين، دار الطليعة، 1973 (الذي تدخّل رئيس تنظيم ديني في لبنان لمنع طبعته الرابعة).
This entry was posted in فكر حر. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.